الثلاثاء 24 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

«مملكة السماء» ليست صهيونية!

«مملكة السماء» ليست صهيونية!
«مملكة السماء» ليست صهيونية!


استيقظ العالم يوم الأربعاء الأسبق على صدمة إعلان الرئيس الأمريكى «ترامب» باعترافه رسميًا بأن مدينة «القدس» عاصمة للكيان الصهيونى.. وبمنتهى البساطة أزعج «ترامب» العالم، والعرب خاصة، عندما أكد «أن هذا القرار تأخر كثيرًا»!
 
بالنظر إلى السينما الإسرائيلية، سنجد أنها قد صورت «القدس» بشكل عام على أنها «أرض الميعاد» المنتظرة، لكن التعامل معها كمدينة دينية ذات قدسية بالنسبة للأديان الثلاثة لم تكُن هى الصورة الوحيدة لنقل واقع الشعب الإسرائيلى.. فعلى سبيل المثال، نجد الفيلم الإسرائيلى «قريب من البيت» الذى تدور أحداثه داخل مدينة «القدس»، حول مجندتين بعمر الـ18 فى جيش الاحتلال، تدعيان «سمادار» و«ميريت»، واللتين تخدمان معًا فى «القدس»، وهما مكلفتان باحتجاز أى مارة فلسطينيين، والتحقق من أوراقهم، وتسجيل تفاصيل أشخاص معينين، وهى طبيعة عمل جيش الاحتلال، الذى يدعى أنه يراعى حرية الأشخاص هناك.. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالفتاتان الصغيرتان حياتهما مغمورة فى الحكايات داخل المدينة، سواء المتمردة التى تعيش حياتها كما يحلو لها من حب وعلاقات، أو الانطوائية التى تمارس عملها بكد فى مضايقة أو احتجاز أى فلسطينى يمر أمامها!
الأسوأ أنه يظهر فى بعض مشاهد هذا الفيلم أشياء لا تليق بـ «المدينة المقدسة»، وهى تبادل قبلات حميمية بين رجال ونساء فى شوارع البلدة القديمة المحافظة، مختبئين بجوار الجدران، وهو ما يثير ضحكات المجندتين!
وجدير بالذكر أن «التقبيل» فى شوارع «القدس» يعد أمرًا مرفوضًا، نظرًا لاحتفاظ أهل المدينة بقدسيتها وعاداتها الشرقية، التى فرضت نفسها على مواطنيها ومستوطنيها.
وقد شهد عام 2005  - وفقًا لما ذكره موقع القناة «السابعة» الإسرائيلية - اعتراض عدد من اليهود الذين كانوا يصلون عند «الجدار الغربى» للـ«حرم القدسى الشريف» - أى «حائط البراق» أو «حائط المبكى»، حيث مقر اتخذه المستوطنون اليهود عنوة للصلاة هناك، بادعاء أنه أثر يهودى لـ«هيكل سليمان»!.. وقد احتجوا على تصوير مشهد رومانسى لاثنين من الممثلين يقبلان بعضهما، والمشهد كان من فيلم Free zone  لواحد من أهم المخرجين الإسرئيليين «عاموس جيتاى»، ومن بطولة النجمة الإسرئيلية الأصل «ناتالى بورتمان» والممثل الإسرائيلى «أكى أفنى».. وقد أدى الاحتجاج على تصوير المشهد الرومانسى إلى تدخل رجال الشرطة الإسرائيلية لفض تجمع الرجال الذين كانوا يصلون حينها، وذلك لإيقاف تصوير المشهد حتى انتهاء الصلاة، ثم اقترحوا عودة أسرة الفيلم لاحقًا لاستكمال القبلة!.. وقال حينها الحاخام «شموئيل رابينوفيتش» المسئول عن موقع «حائط البراق»: «ما قام به الممثلان هو انتهاك لقواعد السلوك»!
الأمر نفسه تكرر بعد عدة سنوات - وتحديدًا فى عام 2015 - عندما كانت أيضًا «ناتالى بورتمان» تقوم بإخراج فيلمها «حكاية الحب والظلام» المأخوذ عن مذكرات أحد أشهر أدباء إسرئيل «عاموس عوز»، وكانت حجة أهل المنطقة حينها أن ملابس الممثلين غير محتشمة، لكن لم يكُن الانتقاد من قبل أهل المنطقة والحاخامات سببه هو تمسكهم بالتقاليد المحافظة وقدسية المكان، بل السبب هو رفضهم لهؤلاء الفنانين «ناتالى بورتمان» و«عاموس جيتاى» والكاتب «عاموس عوز»، الذين لا يتوقفون عن انتقاد الكيان الصهيونى ويدعون دائمًا للسلام، وهو شيء غير مقبول بالنسبة لهم!
السينما الإسرائيلية أيضًا كشفت عن مدى محافظة اليهود الـ«حريديم» أو «المتشددين» على قوانينهم كما يشاع دائمًا فى إعلامهم، وذلك من خلال أفلام تم تصويرها فى القدس، وتناولت حياة هؤلاء المتشددين، وظهرت عادة على أنها حياة بائسة متزمتة تحمل فى خباياها كثيرًا من التشوه.
من بين هذه الأفلام، فيلم «عَينايم بقوحوت» أو «عينان مفتوحتان» الذى تدور أحداثه داخل مدينة «القدس»، حول قصة حب بين رجلين يهوديين من مجتمع الـ«حريديم»، فنجد رجلاً يهوديًا متشددًا ومتزوجًا يدعى «آرون»، وهو أب لأربعة أطفال، يعيش فى «القدس»، ويعمل فى محل جزارة، ثم يقابل طالبًا يهوديًا «عزرى»، عمره 19 عامًا، لا يملك منزلاً، ويمر بالمتجر مصادفة لطلب مكالمة هاتفية، ثم يسأله أن يعمل عنده، لكن «آرون» يرفض، إلى أن يعود عن قراره فيما بعد، ويعرض عليه أن يبقى فى غرفة صغيرة تابعة للمتجر، ويشجعه على فهم وحفظ التعاليم الدينية اليهودية، ويدخله وسط عائلته.. هذا التقارب بين الرجلين، يتطور لتنشأ بينهما علاقة غرامية، ويعيش الحاخام «آرون» حالة من الصراع بين مشاعره تجاه «عزرى» وبين الموقف الدينى والعائلى والاجتماعى المتشدد.
وقد ذكرت جريدة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية أن هذا الفيلم - للمخرج «حاييم تاباكمان» -قد نال عددًا من الجوائز فى عدة مهرجانات، كما أنه فيلم رائع شكلاً ومضمونًا.. وقام بدور البطولة فيه الممثلان الإسرائيليان «ران دانكر» و«زوهار ستراوس».
ليس «عينان مفتوحتان» فقط هو الذى يتعرض لمثل هذه القصص، فقد عرضت السينما الإسرائيلية قضايا الشذوذ فى مجتمعها بمختلف أنواعها، سواء فى المجتمع الدينى كما ذكرنا، أو على مستوى الأسرة والمحارم، وحتى بين جنود الاحتلال أنفسهم.. مثل فيلم «يوسى وچاجِر»، المقتبس عن قصة إسرائيلية حقيقية، الذى يدور حول العلاقة الغرامية التى تربط بين جنديين - يقوم بدورهما الممثلان الإسرائيليان «أوهاد كنولر» و«يهودا ليفى» - والمتمركزان فى إحدى البؤر الاستيطانية الإسرائيلية.
وبالعودة لـ «القدس»، فإن الحرم القدسى الشريف نال من الأفكار السيئة والصادمة ما يكفى، فعلى سبيل المثال، أحرز فيلم «هاهسيدر» الإسرائيلى - والذى اشتهر باسمه الإنجليزى Time of Favor - نجاحًا باهرًا، وتلقى جائزة «أوفير» أى «الأوسكار الإسرائيلى».. وقصة الفيلم تدور حول «مناحم»، وهو ضابط متدين فى وحدة المظلات الإسرائيلية، ويقع فى حب ابنة رئيس إحدى المستوطنات التى تدعى «هسيدر يشيفا»، إلا أن هذا الحاخام أراد تزويج ابنته إلى شخص يدعى «بينى»، الذى كان يمثل نجاح الصهيونية الدينية، وكان عالمًا بالتوراة، إلا أن الابنة تقع فى حب «مناحم».. الغريب فى القصة هو ظهور فكرة صادمة ضمن سياق الفيلم، حيث يقوم «بينى» - من تلقاء نفسه - بعمل مهمة سرية (وطنية)، وهى تفجير «المسجد الأقصى» فى «الحرم القدسى الشريف»!.. والفيلم من بطولة «أكى أفنى» و«آسى ديان»، ومن إخراج «يوسف سيدار».
أيضًا اشتهرت السينما الإسرائيلية بتغيير صورة المعتدى الصهيونى وتزييف الحقائق، حيث تصور السينما الإسرائيلية المواطن العربى - والفلسطينى تحديدًا - بأبشع الصور، وهى أنه الإرهابى، المتخلف، الجاهل..إلخ!
وهناك محاولات سينمائية إسرائيلية لتشويه صورة المواطن الفلسطينى أكثر فى عدة أفلام، حيث إن فكرة اندماج الفلسطينى بالمجتمع الإسرائيلى يجب أن تشترط أن يتحلى الفلسطينى بالانحلال الأخلاقى، والشذوذ الجنسى فى بعض الحالات!.. وتظهر تلك الصورة بوضوح فى فيلم «هابوعاه» أو«الفقاعة»، الذى يدور حول مجموعة من الأصدقاء الشباب فى مدينة «تل أبيب»، ووجهة نظر الإسرائيليين والعرب والرجال والنساء عن «المثلية الجنسية» فى ظل الصراع «العربى - الإسرائيلى».. وتظهر قصة استقطاب أحد الشباب الإسرائيليين - الذى يؤدى فترة خدمته العسكرية فى جيش الاحتلال - لشاب فلسطينى تعرف عليه فى نقطة تفتيش، ومحاولة الجندى وأصدقائه فى السكن إقناع الشاب بتفتح «تل أبيب» عن غيرها من المدن الفلسطينية، ومن ثم تظهر المحاولات الدنيئة والرسائل المسيئة للشعب الفلسطينى بأن اندماجهم فى التفتح رهن التحرر من جميع القيود الدينية والشرقية، وذلك من خلال قصة حب الجندى الإسرائيلى للشاب الفلسطينى.
قام صُناع السينما الإسرائيلية بعمليات دعائية عالمية لهذا الفيلم، وقد تكلف مليونًا ونصف المليون دولار، وهو من إخراج «إيتان فوكس»، وتمثيل «أوهاد نولر»، «ألون فريدمان»، «دانييلا فيرتزر»، و«يوسف سويد».. وبالفعل حاز الفيلم على جائزة GLAAD ، التى يمنحها تحالف المثليين والمثليات ضد التشهير، وهدفها التعرف على مختلف فروع وسائل الإعلام وتقديرها لتمثيلها المتميز للمثليات والمثليين ومزدوجى الميل الجنسى ومغايرى الهوية الجنسية والمتحولين جنسيًا، والقضايا التى تؤثر فى حياتهم.