أزمة سيد القمنى فضحت السلفية المسيحية
سيد طنطاوي
مؤخرًا أعاد الدكتور سيد القمنى الباحث فى تاريخ الأديان وعلم الاجتماع الدينى، قراءة بعض التراث المسيحى، وتحدث عن أسفار العهد القديم وانتقد سفر «إشعياء النبى»، وما جاء فى نصوصه.
«القمنى» وصف نبوءة إشعيا بنبوءة الحاقد الكريه ضد مصر وأن بها تمنيات بدمارها ووصفه بالبدوى الموتور وقال «إشعيا كان فيه حاجة تعباه فى جسمه من المصريين» - على حد قوله.
بعدها واجه هجومًا حادًا بسبب رأيه وطلب من أحد متابعيه أن يُعامل «بنيامين معاملة عمرو بن العاص، وأنه لا يصح أن يكون فى قائمة البطاركة، وأن المعترضين على الانتقاد مثل السلفيين، يجعلون الوطن دائمًا فى النهاية بينما هو يرى أن الوطن أولاً وأخيرًا، ورفع نبرة الهجوم فقال «أيها الذميون برهامى يليق بكم».
وأوضح أن المسيحى المصرى -دون تعميم - يريد انتقاد الدين الإسلامى دون الاقتراب من قسيس أو نبى يكره مصر ويحقد عليها.
ما قاله القمنى عرضه لموجة انتقادات، رغم أنه فى وقت سابق هاجم الكتاب المقدس فى كتابه الأسطورة والتراث ووصف أحد الأسفار المقدسة بأنه سفر جنسى إغرائى ووصف العهد القديم بالوحشية والبربرية.
بعض الغاضبين رأوا أن القمنى اختصر المسيحية فى العهد القديم فقط وتجاهل أن المسيحية أساسها المحبة التى تمثلت فى تعاليم المسيح، فيما أبدى البعض ترحيبه بالانتقاد، لكن طالب بموضوعية أكثر فى طرح الأمور.
أقباط المهجر دافعوا عنه ضد الهجوم الذى تعرض له. مجدى خليل أحد أقباط المهجر قال إن المتطرفين فقط، ومن على شاكلتهم ومن تأثر بهم، هم من يتصورون أن الله وكلهم للدفاع عنه باليد واللسان، أى بالعنف والبذاءات، فمحبة الله تدعو كل إنسان للخلاص.
وأضاف إن نقد النصوص الدينية حق طبيعى لكل إنسان، ولا يوجد شيء فوق النقد وأن الكتاب المقدس تعرض لآلاف الدراسات النقدية وخرج أكثر قوة، فمن حق أى شخص أن ينتقد ومن حق أى شخص أن يرد عليه والشرط الأساسى أن يتم ذلك فى إطار احترام الرأى والرأى الآخر.
السؤال الآن :
هل قراءة التراث خطر؟ إذا كان النص الدينى قويًا ثابتًا ولن يتغير وسيواجه النقد ويخرج أكثر القوة فما الداعى للقلق والتصور أن النقد يُضعف النص أو أن ذلك خطيئة.
السلفيون فى كل الأديان يحاولون إقامة أسلاك شائكة على الدين، يرفضون أى محاولة لإعادة قراءة التراث لأنها تخرج أشياءً تتعارض مع القياس العقلى الطبيعي.
السلفيون فى الإسلام رفضوا ما فعله إسلام بحيرى وأقاموا ضده دعوى ازدراء أديان بمجرد أن طرح ما جاء فى صحيح البخارى للنقاش فى تساؤلات منها أنه كيف يحاول النبى محمد الانتحار، وهناك تعارض يظهر للبعض بين القرآن والسنة، الأمر ذاته موجود فى المسيحية.
قراءة التراث الإسلامى قوبلت بحفاوة لدى البعض منهم أقباط وصفقوا لذلك إلا أنهم حينما عارض الدكتور سيد القمنى سفر إشعيا لهجومه على مصر لم يتحملوا ذلك بل هاجموا كسلفيين ما جاء به القمني.
كمال زاخر الباحث القبطى قال إن ما فعله سيد القمنى من معارضة بعض النصوص ونقدها فى التوراة المسيحية ليست جديدة وله كتابان فى ذلك منذ أكثر من 20 عامًا منهما الأسطورة والتراث ولم يعترض أحد لأن المناخ فى ذلك الوقت كان قابلاً لمثل هذه القراءات والأزمة ليست فيما كتب ورد الفعل، لكن الأزمة الحقيقية فى المناخ الثقافى السائد الذى اختفى فيه الحوار وتم تجريف فكرة الاختلاف.
والحقيقة أن الكتاب المقدس تعرض لحملات نقد عاتية ليس فى مصر فقط، فالغرب أيضًا ويتعاملون مع الأمر بعقلانية وهذا أمر لا يهز الإيمان باعتباره ليس مجرد طرح عقلانى، فالأديان كلها بلا استثناء بها أمور غيبية مما وراء الطبيعة ولا تخضع لنفس أدوات التحليل العلمى.
زاخر أوضح أن ما تعرض له القمنى يؤكد أن السلفية موجودة فى المسيحية أيضا.
جمال أسعد المفكر القبطى قال إن ما تعرض له سيد القمنى من هجوم وشتائم أمر طبيعى ونتاج لمعطيات طائفية، فالمسيحيون تعاطفوا مع القمنى حينما كان يهاجم التراث الإسلامى وممارسات بعض رجال الدين والإسلام السياسى وكان فى نظرهم بطلاً مغوارًا ليس لقناعتهم العلمية بما يقول، لكن لأنه يشبع غرائزهم الطائفية، وعندما وجه نقده للمسيحية وجدنا موقفًا غير الموقف وحولوا سيد القمنى من صديق إلى عدو.
أسعد أوضح أن الأزمة أنه حدث خلط شديد وخاطئ بين التراث باعتباره شهادات بشرية ورؤى شخصية وبين النص المقدس، فتحول التراث إلى مقدس، والمفترض أن المقدس هو ما نعتبره نصًا سماويًا والتراث رؤية وفكر إنسانى فى تفسير النص الدينى، ومن ثم يرتبط بالإنسان وضعفه وبما أن التراث نتاج إنسانى فإنه يخضع للظروف الزمنية والمكانية، فما كان يتماشى مع ما مر من قرون ليس بالضرورى يصلح الآن.
بعض رجال الدين يعتبرون التراث وسيلة يجدون بها مكانة وبالتالى يصرون على أن التراث جزء من الدين وممن ينتقده فإنما ينتقد الدين وعندما نطرح تجديد الفكر الدينى سواء المسيحى أو المسلم يقف رجال الدين فى الطرفين أمام هذا التجديد خوفًا على أنفسهم وليس خوفًا على الدين.
وأشار أسعد إلى أنه ينتقد أشياءً من التراث مر عليها ما يقرب من ثلاثة قرون منها تدخل الكنيسة فى السياسة وهو ما يُكرس للطائفية وفى المواطنة يجب أن تمثل الكنيسة الجانب الدينى فقط ودخولها السياسة يجعلها دولة موازية.
الكاتب سليمان شفيق قال إنه لابد من إتاحة حرية البحث العلمى فيما يخص الأديان ومقارنتها والتراث بين العلماء والمتخصصين أما نشر ذلك للعامة فهو عمل غير صحى من حق سيد القمنى وكل الباحثين فى التراث ومقارنة الأديان والعقائد أن يبحثوا كما يشاءون، لكن لا تنشر أعمالهم إلا فى المنتديات والمراكز البحثية ولرجال الدين المتخصصين لأن تداول مثل هذه الاجتهادات على الفضاء الإلكترونى يسبب صدمات لجماعات المؤمنين غير المتخصصين.
أوضح شفيق أن ما حدث مع الدكتور القمنى أثبت أن العقل المصرى واحد لا فرق فيه بين مسلم ومسيحى الذين أيدوا إسلام بحيرى هم الذين ثاروا فى وجه القمنى فالعقل المصرى منذ القرن الرابع الميلادى أغلق باب الاجتهاد فى التراث المسيحى نظرا لعدة عوامل وفى الإسلام أغلق باب الاجتهاد منذ القرن الثالث الهجرى وأرى أن الوقت غير مناسب بشكل أو بآخر للحوار فى هذا الأمر باعتبار أن أكثر من 90 % من الشعب المصرى غير مؤهل لاستيعاب أى اجتهاد لأن أغلب حياة المصريين تعتمد على التدين التراثى والشعبى وهذا عجز من الأزهر والكنيسة.
الرأى العام فى مصر يعانى من انفصام فى الشخصية إذا انتقدت دين الآخر فأنت على الصواب وإذا انتقدت دينى وعقيدتى فأنت على خطأ.
د.كمال مغيث خبير المناهج التعليمية قال أى تقدم لا بد أن يسبقه إصلاح دينى انتهى إلى وضع قواعد للتفكير العلمى ووضع حدود بين العلم والمقدس ومن ناحية أخرى حدد حريات الفكر والثقافة والتعبير باعتبار أن ذلك من الحريات الأساسية والإنسانية.
وأضاف إن أوروبا الآن تعطى الحرية للباحثين فى انتقاد الكتاب المقدس وما جاء به وأنه من حق الباحث الشك فى القصة أو غيرها ومن يعترض يرد لا يهاجم أو يتطاول، لكن فى مصر الوضع مختلف فيكفى أن هناك من هاجم طه حسين لمجرد انتقاده الشعر الجاهلى وكذلك حينما انتقد فرج فودة الحكم فى الإسلام تعرض للاغتيال وحكم البعض بالردة على نصر حامد أبوزيد لمجرد مطالبته بفهم مختلف لنصوص القرآن والتصرف واحد هو ما يحدث الآن مع سيد القمنى فالتطرف واحد سواء فى اليهودية أو المسيحية أو الإسلام.
المسيحيون فرحوا بما يقوله سيد القمنى من انتقاد لتاريخ الصحابة وإظهار سلبياتهم، لكنهم ثاروا عليه حينما تعرض لإشعيا والازدواجية التى يتعاملون بها نوع من التطرف والسلفيون موجودون فى كل الأديان، لكنهم فى الأديان الوضعية أخف وطأً.
الداعية الأزهرى محمد عبدالله نصر قال إن التعصب للتراث فكر مجتمعى موجود وكل أصحاب ملة فعلوا مثل السابقين وتحولوا إلى سلفيين، فالأصولية الدينية متجذرة فى كل الملل.
أمة محمد وقفت عند الرعيل الأول الذى جاء فى القرن الأول والثانى الهجرى وما جاء به البخارى واليهود وقفوا عند التلمود والمسيحيون وقفوا عند الأناجيل الأربعة رغم أنها رؤية التلاميذ وليست كلام السيد المسيح، فكل تلميذ كتب الرؤية التى رآها فى السيد المسيح والانغلاق الفكرى وقف أصحاب الأديان الثلاثة عند الأصولية الدينية وانتهجوا النهج السلفى.
«نصر» أوضح أن الأرثوذكس سلفية المسيحية لم تحدث عندهم أى درجة من درجات الاستنارة كالتى حدثت عند الإنجيليين والكاثوليك والبروستانت.
مضيفًا إن القمنى تعرض لما تعرض له عندما اقترب من نصوص الكتاب المقدس وهو ما يؤكد أن التيارات المسيحية لا تدعم التنوير أو التجديد بل لهم غرض طائفى ولن يتخلصوا من الطائفية قريبًا وغرضهم الأساسى استقطاب من خرجوا من الإسلام بسبب التراث ولا يريدون حالة من التقدم تحدث التعايش والأرثوذكس أشد ظلامية من التراثيين الإسلاميين وأكد نصر أنه أجرى نفس محاولة من شهر ونصف الشهر تعرض لهجوم أشد مما تعرض له الدكتور القمنى فكلما كتبت شيئًا عند نقد التراث الدينى وجدت المسيحيين فرحين ويهللون قائلين لابد من ذبح التراث وانتقلت إلى نقد التراث المسيحى والكتاب المقدس كباحث حر يمر على كل الأديان والشرائع فوجدت سيلاً من الشتائم والتكفير وانقلبوا إلى داعشيين، والبعض يظن أن التجديد يقف عند الإسلام فقط والأصولية الإسلامية فقط ومن يريد الدولة المدنية التقدمية يجب أن تكون كل الأديان والعقائد على مائدة البحث والشك وإعمال العقل، فالأصولية موجودة فى كل الأديان. وأوضح أنه مما عرضه لإعادة القراءة فى المسيحية هل الأناجيل نصوص إلهية مقدسة أم كلام التلاميذ الأربعة للسيد المسيح؟ وأخذت نصوصاً من الكتاب المقدس التى لا تتواءم مع السلام والمحبة والعقل فقالوا مثلما قال التراثيون المسلمون أنت لا تفهم لأنك لست متخصصًا فى الأمر وكان من بين هذه النصوص، نصوص مهمة للرسل فى العهد القديم يقول أن النبى لوط حينما خرج من القرية سقته ابنتاه خمرًا فزنى بهما وأنجبا ولدين، وفى واقع الأمر أن النبى لوط خرج من قريته مضطهدًا يحارب الرذيلة فيقع هو فى الزنى وهذا أمر لا يليق بنبى وكان رد البعض منهم أن لوط ليس نبيًا، وإذا افترضنا صحة ما ذهبوا إليه ولنقيس الأمر على العوام هل يليق برجل من الشارع أن يزنى ببناته؟ وكل طبيعيًا أن يحمل رجل فضيلة وهو لا يستطيع أن يسيطر على نفسه أمام بناته وماذا عن سلوك البنتين، وهناك رفض لإعمال العقل فى مثل هذه النصوص، لكن لابد أن نواجه الأمر ونقول أن هذا النص ليس صحيحًا.
وأوضح نصر أنه توقف عن قراءة التراث المسيحى مؤقتًا وكان الغرض من محاولته فضح الأصوليين المسيحيين وكشفهم أمام أنفسهم ومن يريد التجديد وإعمال العقل فى الدين فعليه أن يقبله فى دينه قبل أديان الآخرين.







