الأحد 6 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
«الفراعنة» فى أعمال نجيب محفوظ

«الفراعنة» فى أعمال نجيب محفوظ


منذ بلوغه سن المراهقة، وقع الأديب الأكبر نجيب محفوظ فى غرام «مصر الفرعونية»، فقد كتب الرجل عددًا لا بأس به من أعماله عن تاريخ وآثار تلك الحضارة العريقة. وقامت أعماله على الدقة الأدبية والصياغة الفنية الفائقة وصدق المعلومة التاريخية وبعث الأجواء القديمة باقتدار. وقد بنى معمار معظم أعماله الفنى على قصة أدبية ذات بُعد سياسى وأسطورى أو على قصة متواترة من التراث أو على حدث تاريخى معروف أو عن شخصية ملكية مثيرة.
وقد يبدو غريبًا لدى البعض اهتمام محفوظ بمصر الفرعونية، غير أن هذا الاهتمام له ما يبرره، فقد بدأ حبه لها حين كان يعيش فى منطقة الحسين، ثم فى حى العباسية الشرقية العريق بعد ذلك؛ إذ كانت أمه المرأة المصرية البسيطة ذات الحس الحضارى العفوى والعميق تأخذ ابنها الصغير لزيارة الأماكن الأثرية، خصوصًا المتحف المصرى بوسط القاهرة. ولم يكن نجيب الطفل يعرف لماذا تقوم هذه المرأة البسيطة بهذه الزيارات لتلك الأماكن التاريخية الخالدة. وظل هذا السؤال دون إجابة إلى نهاية حياة كاتبنا الكبير.
بدأ أديب نوبل خطوات عملية فى تأصيل وعى المصريين بتراثهم الحضارى العريق، فقام فى الصيف فى نهاية مرحلة دراسته الثانوية بترجمة كتاب «مصر القديمة» للمؤلف جيمس بيكي؛ وذلك كى يُحسّن من لغته الإنجليزية، ثم أرسله بعد ذلك إلى الأستاذ سلامة موسى الذى أصدره فى دار النشر الخاصة به وأرسل منه نسخة بالبريد للطالب نجيب محفوظ. ومن هنا نشأت علاقة قوية بين التلميذ النجيب وأستاذه وأبيه الروحى سلامة موسى الذى توسَّم خيرًا فى الكاتب الشاب وآمن به وبموهبته وتعهَّده برعايته. ونُشر هذا الكتاب عام 1932.
بدلًا من أن يدرس نجيب محفوظ الأدب كما كان يخطط، التحق بقسم الفلسفة فى كلية الآداب فى جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة) تأثرًا بأستاذه سلامة موسى وغيره من كبار المفكرين المصريين فى أوائل القرن العشرين الميلادى أمثال عباس محمود العقاد ود. محمد حسين هيكل ود. طه حسين وتوفيق الحكيم وإبراهيم عبدالقادر المازنى وغيرهم. ونظرًا لولعه الشديد بمصر القديمة وحضارتها، كان محفوظ يتردد على قسم الآثار المصرية القديمة بالكلية نفسها ليتعلم ويستمع إلى محاضرات أساتذتها من علماء المصريات الأجانب عن مصر القديمة وآثارها وتاريخها، فضلاً عن دراسته وقراءاته الذاتية عنها.
وكان نجيب محفوظ قد بدأ بكتابة المقال الفلسفى متأثرًا بدراسته، وشرع بالفعل فى إعداد وكتابة رسالة للماجستير فى الفلسفة عن موضوع «الفلسفة الجمالية عند الشيخ مصطفى عبدالرازق»، غير أن تأثره بالأدب كان أقوى، فترك البحث الأكاديمى وانغمس إلى أذنيه فى كتابة الأدب، لكنه لم يهجر الفلسفة أو تهجره كلية فظهرت مرارًا فى كتاباته الأدبية، ويعد واحدًا من أوائل الروائيين العرب الذين مزجوا فى كتاباتهم بين الأدب والفلسفة معيدًا بذلك ذكر ومسيرة فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة «أبوحيان التوحيدى».
وتأثر أيضًا نجيب محفوظ بأستاذه الأدبى الكاتب الكبير توفيق الحكيم وروايته الفذة «عودة الروح» التى استوحى فيها توفيق الحكيم أسطورة إيزيس وأوزيريس من أجل بعث وإحياء مصر والأمة المصرية كما تم بعث وإحياء أوزيريس عن طريق زوجته المخلصة إيزيس.
وبعد أن هجر نجيب محفوظ كتابة المقال الفلسفى، اتجه كليّة إلى كتابة القصة القصيرة. وكان من ثمار بداية الإنتاج الأدبى عند أديبنا الشاب ما يقرب من ثمانين قصة نشر أغلبها فى الصحف والمجلات فى تلك الفترة، خصوصًا فى مجلة الرسالة التى كان يرأس تحريرها أستاذه سلامة موسى. وجمع عددًا من قصص بداياته الأدبية ونشرها فى مجموعته القصصية الأولى «همس الجنون» عام 1938 (تأثرًا -أغلب الظن- باسم الديوان الشعرى لميخائيل نعيمة «همس الجفون»). وكان من بين قصص هذه المجموعة، قصتان إحداهما تتماس مع مصر الفرعونية، والأخرى تدور أحداثها فى مصر القديمة. القصة الأولى تسمى «يقظة المومياء»، والأخرى تدعى «صوت من العالم الآخر».
وتأثرًا بما فعله السير الإنجليزى والتر سكوت عندما كتب تاريخ إنجلترا فى شكل روائى،خطط نجيب محفوظ لكتابة أربعين رواية عن تاريخ مصر، غير أنه لم يكتب منها إلا ثلاث روايات هى «عبث الأقدار» (عام 1939)، «رادوبيس» (عام 1943) و«كفاح طيبة» (عام 1944)، وماتت الروايات السبع والثلاثون الباقية بالسكتة كما قال نجيب محفوظ نفسه.
ورغم انشغال محفوظ بالواقع المصرى ابتداءً من روايته الشهيرة «القاهرة الجديدة» (عام 1945)، لم ينسِ غرامه القديمة بفاتنته، مصر الفرعونية، فكتب واحدة من أهم رواياته فى عقد الثمانينات من القرن العشرين أعنى رواية «العائش فى الحقيقة» (عام 1985) والتى كتبها من وجهة نظره المصرية البحتة عن فرعون التوحيد، الملك المصرى الفيلسوف، «أخناتون»، وأغلب الظن أن فكرة هذه الرواية ظلت تطارد عقل ومخيلة نجيب زمنًا طويلاً منذ أن خطّط أن يكتب تاريخ مصر بشكل روائى فى بداياته الأدبية؛ إذ لا يمكن تخيل كتابة تاريخ مصر دون الحديث عن الفرعون الشهير أخناتون ودعوته الدينية المثيرة.
وتعتبر ثلاثية نجيب محفوظ الفرعونية «عبث الأقدار»، رادوبيس»، و«كفاح طيبة»، ورواية «العائش فى الحقيقة» هى الأعمال الروائية الفرعونية فى مسيرة أديبنا الطويلة.
وتعد رواية «عبث الأقدار» (عام 1939) أول رواية كتبها محفوظ فى مسيرته، وتدور أحداثها فى عصر بناة الأهرام العظام، وتحديدًا فى عصر الأسرة الرابعة فى عهد الملك «خوفو»، بانى الهرم الأكبر، وكان محفوظ أطلق عليها اسم «حكمة خوفو»، غير أن أستاذه سلامة موسى غيّر الاسم إلى الاسم الحالى «عبث الأقدار».
وكانت رواية «رادوبيس» (عام 1943) الثانية فى الثلاثية الفرعونية المحفوظية. وتدور أحداثها حول الغانية الحسناء والفاتنة «رادوبيس»، جميلة جزيرة «آبو» (أو إلفنتين) فى الجنوب بالقرب من أسوان الحالية، التى عشقها علية القوم وصفوة رجال المملكة المصرية وعلى رأسهم الفرعون نفسه. وكان هذا الملك الشاب فاسدًا ومتهورًا، على عكس زوجته الملكة نيتو قريس التى كانت تتمتع بحكمة كبيرة. وفى نهاية الرواية، قُتل ذلك الملك الفاسد وانتحرت عشيقته الغانية رادوبيس.
والرواية الثالثة والأخيرة فى الثلاثية الفرعونية هى رواية «كفاح طيبة» (عام 1944)، وتقص قصة كفاح شعب مصر الطويل ضد احتلال الهكسوس للأرض المصرية. وتنتهى أحداث الرواية بانتصار مصر بقيادة الملك أحمس على الهكسوس وطردهم من مصر إلى فلسطين. وقد قرأ الناقد الأدبى سيد قطب -قبل أن يتحول إلى جماعة الإخوان- هذه الرواية وأوصى بإقرارها على طلبة المدارس كى يتعلموا منها تاريخ مصر والدرس الذى قدمته من أجل طرد المحتل المغتصب وتحرير الأرض المصرية.
وتعد رواية «العائش فى الحقيقة» (عام 1985) آخر ما كتب كاتبنا الكبير من أعمال عن مصر الفرعونية، وفيها يسرد محفوظ قصة فرعون مصر الأشهر «أخناتون» من خلال إعادة سرد قصة حياته وفترة حكمة من منظور من عايشوا تلك الفترة المثيرة والحرجة من تاريخ مصر القديمة.
وعلى هذا لم ينسحب بساط مصر القديمة الساحر من أدب نجيب محفوظ، وإنما ظهرت مصر القديمة متخفية تحت ستار فى هيئة أفكار وشذرات نثرية، أو استوحى أحداثها ومعالمها دون مباشرة هنا وهناك فى أدبه الرائع عبر مسيرته الإبداعية الحافلة.>