باسْم «الإله الواحد» فى معابد الفراعنة!
هل كان المصريون القدماء موحدين يؤمنون بإله واحد أَمْ بآلهة متعددة؟ لماذا كان لدَى المصريين القدماء آلهة عديدة ذات أشكال آدمية أو آدمية وحيوانية أو حيوانية أو على شكل طيور وحشرات؟ وما مظاهر وطبيعة الآلهة فى مصر القديمة؟ وهل كان لدَى الفراعنة آلهة كونية وآلهة دولة وآلهة محلية وآلهة موتَى وآلهة عالم آخر وآلهة تمثل الملكية وآلهة مرتبطة بعاصمة الحُكم؟ وهل كان لدَى الفراعنة مجامع للآلهة؟ وهل كان الفرعون فى مصر القديمة مَلكًا أَمْ إلهًا؟ وهل كانت هناك آلهة أجنبية فى مصر القديمة؟.
هنا نحاول الإجابة عن كل هذه الأسئلة وغيرها الكثير. والآن دعونا ندخل إلى عالم الديانة المصرية القديمة الرحيب محاولين الإجابة عن فكرة وطبيعة ومفهوم الألوهية وتقديس الملوك الفراعنة فى حياتهم والبشر المبجلين بعد وفاتهم. فإلى هذا عالم الديانة الفرعونية الغامض والمثير.
لقد اتسم الفكر المصرى القديم بالتأمل والتتبع ومحاولة فهْم كل ما هو موجود فى البيئة المحيطة وتفسير الظواهر الطبيعية والكونية. غير أنه كان هناك الكثير من الأمور والظواهر يصعب على المصرى القديم إدراكها، مما دفعه إلى الإيمان بوجود قوة عُلوية غيبية لها القدرة العظمَى التى تفوق قدرته المحدودة وتتحكم فى مسار حياته وفى حدوث العديد من الظواهر المختلفة حوله. وكان لظواهر عدة، مثل قدوم الفيضان وانحسار النهر، والبرق والرعد وهطول الأمطار، وخروج النباتات من باطن الأرض ونموها وإثمارها، أكبر الأثر فى يقين المصرى القديم التام بوجود هذه القوة المؤثرة فى حياته والمدبرة للبيئة والكون الفسيح حوله.
> إله واحد أَمْ آلهة عديدة؟
تُعد طبيعة الإله فى مصر القديمة من أكثر الأمور التى كانت ولاتزال مثيرة للدهشة فى الديانة المصرية القديمة. فهل كان المصرى القديم يؤمن بإله واحد أمْ بآلهة عدة؟ لقد آمن المصرى القديم بعدد كبير من المعبودات المتنوعة التى أسبغ عليها القداسة منذ أقدم العصور التى مرّت بها الحضارة المصرية القديمة. واختلفت طبيعة كل معبود عن الآخر. وربط المصرى القديم كل معبود بظاهرة ما من الظواهر. واختلف اسم كل معبود عن الآخر.
وكان لإيمان المصرى القديم بحياة أخرى بعد الموت وبفكرة الثواب والعقاب والذهاب إلى حقول «الإيارو» أو جنات النعيم أو دخول بوابات الجحيم والإيمان بالسحر أكبر الأثر فى ظهور ذلك التنوع والتعدد فى المعبودات فى مصر القديمة. ومن هذا المنطلق يمكن تقسيم الآلهة المصرية القديمة إلى آلهة كونية وآلهة رسمية للدولة المصرية وآلهة محلية وآلهة خاصة بالموتَى والدفن والجبانة، وآلهة خاصة بالعالم الآخر، وآلهة شعبية، وآلهة منزلية تحمى المرأة والأطفال وترعَى شئون المنزل المصرى القديم. وكان لكل إله أكثر من طبيعة وأكثر من دور. وكان بعض الآلهة يشترك فى الصفات نفسها مع البعض الآخر. وحدث تداخل ودمج بين بعض الآلهة وبعضها البعض. وكان بعض الآلهة يتربط بالملكية المصرية المقدسة أو بعاصمة حُكم الدولة المصرية. وتنوعت كذلك مظاهر وهيئات الآلهة التى تم تصوير الآلهة المصرية فيها، فمَرّة نراها ذات هيئات بشرية خالصة، ومَرّة نراها فى هيئات حيوانية بحتة، ومَرّة ثالثة نراها فى هيئات تجمع بين الأشكال الآدمية والهيئات الحيوانية، ومَرّة رابعة نراها فى هيئات الطيور والحشرات.
وعلى سبيل المثال، كان الإله حورس إلهًا كونيّا سماويّا وتم تصويره فى هيئة الصقر المحلق فى سماء مصر، وكان كذلك ابنًا لرب الأرباب وسيد محكمة الموتى والعالم الآخر الإله الأشهر أوزيريس، وكان حورس وريثًا لأبيه على العرش وممثلًا للملكية المصرية وإلهًا رسميّا للدولة المصرية، وكان كذلك معبودًا محليّا فى بعض مقاطعات وأقاليم ومدن مصر. لكن تبقى الظاهرة الأهم والأشمل أنه كان هناك إله واحد أوحد قوى الإرادة وعظيم القوة ومنزّه الذات وعَلوى الصفات صَوَّرَه المصرى القديم مسيطرًا على أرجاء مصر القديمة قاطبة، وكان هو إله مصر القديمة الأقدم، غير أنه كان متعدد الصور والأسماء والهيئات عبر عصور مصر القديمة المختلفة.
>الفرعون مَلك أَمْ إله؟
لقد كان من المثير للدهشة أن نما إلى عِلمنا أنه تم تقديس وتأليه بعض الملوك الفراعنة فى حياتهم قصرت أَمْ طالت، وكذلك بعض الشخصيات المبجلة بعد مماتهم. وفى هذا السياق المثير للجدل، تُعد ظاهر تقديس وتأليه الملوك الفراعنة فى حياتهم من أكثر الظواهر إثارة للنقاش حول طبيعة ومفهوم تقديس البشر الأحياء فى ديانة مصر القديمة. وبالرجوع إلى النصوص المصرية القديمة، نجد أنها أطلقت على الحاكم لفظة مَلك «نسو» ولفظة إله «نثر». وقد قُدس المَلك فى العبادة المصرية القديمة فى حياته وبعد مماته وفقًا لهذا المفهوم ولتلك النظرة المقدسة للمَلك المصرى القديم. ورُغم أن دراسة طبيعة ومفهوم الملكية فى مصر القديمة توضح أنه إذا كان ملك مصر يُنعت عادة بلفظ «إله»، فإنه فى نصوص أخرى كان يُعامل على أساس غير إلهى مقدس بالمَرّة. فما قصة تأليه الحاكم فى مصر القديمة؟
فى واقع الأمر، فإن أصل الأمر يرجع إلى أن الملك فى مصر القديمة كان يحوز ويحافظ على الألوهية المقدسة نتيجة لعدد من الطقوس والمهام المَلكية المهمة، التى كان من خلال ممارسته لها تتحقق له ألوهيته الرمزية والفعلية على السواء، وكان من بين أهم تلك الطقوس، تتويج المَلك الإلهى على عرش مصر المقدس، الذى كان يُنظر إليه على اعتباره الطريقة المُثلى التى من خلالها كان يمكن للملك أن يتحد مع «الكا» (أو «القرين» الخاص به) الملكية المؤلهة الخاصة به. وكانت تمثل تلك «الكا» الملكية «قوة الحياة الموروثة». وكانت أيضًا تُعبر عن «الروح المبدعة الخالدة للملكية المؤلهة» فى مصر القديمة. وكان هذا الاتحاد ذا أهمية قصوى، إذ كان يقوِّى من حُكم الملك ويُدعم مفهوم وأُسّس ملكيته المقدسة. ومن هذا المنطلق، كان الملك يستقبل طقوس العبادة باعتباره مقدسًا مثل «الكا» الملكية المؤلهة الخاصة به. وأصبحت تلك الطقوس بارزة فى عصر الدولة الحديثة، وتحديدًا منذ بداية حُكم ملك الشمس «أمنحتب الثالث»، والد فرعون التوحيد الملك «أخناتون». وكانت تماثيل الملوك الفراعنة تستقبل القرابين مثلها مثل تماثيل الآلهة، وذلك من خلال طقوس تقديم الخدمة اليومية داخل المعابد المصرية القديمة العديدة. ولعل أبرز الآثار التى خُصصت لعبادة الملك الحى هو معبد الملك الشهير نجم الأرض رمسيس الثانى بـ«أبو سمبل» بمحافظة أسوان فى جنوب مصر. وهناك عدد من المناظر يُصور الملك المؤَّله فى حياته يقدم القرابين لذاته المؤَّلهة. وفى هذا السياق، فإن الملك لا يَعبد نفسه بقدر ما يعبد ويكرس ويقدس مفهوم الملكية المؤلَّهة فى «الكا» الملكية المؤلَّهة التى يمثلها وفقًا لمفهوم الملكية عند المصريين القدماء.
واستمرت عبادة الملك المؤلَّه بعد وفاته. وترجع أهمية الملك فى مصر القديمة إلى عظم الدور الذى كان يقوم به فى المجتمع المصرى القديم سواء من الناحية الدينية أو من الناحية السياسية وحفظ النظام الكونى. ومن هذا المنطلق، فقد كان الملك المصرى القديم شخصًا مقدَّسًا فى أغلب الأحوال، وكانت عبادة الملك من أهم الملامح الحضارية فى مصر القديمة.
> مفهوم التوحيد فى مصر القديمة
ورُغم الإيمان الظاهر للمصرى القديم بآلهة عديدة ظهرت على جدران المعابد والمقابر والنصوص من مناظر وصفات وتمثيلات لعدد كبير من المعبودات؛ فإنه فى حقيقة الأمر كان المصرى القديم يؤمن بإله واحد فقط، واهتدى بعقله إلى توحيد الخالق وعدم التفكير فى إله غيره، لكنه آمن أيضًا بأن هذه الآلهة الأخرى ما هى إلا مظاهر وتمثيلات لهذا الإله الواحد الذى ذرأها من ذاته العَلية واختصها برعايته وأسبغ عليها من جليل صفاته وعظيم حمايته وبالغ رحمته، فامتدت قداسة المصرى القديم لها. ومع الوقت، ظهر هذا العدد الكبير من الآلهة، مما جعلنا نشك فى توحيد المصرى القديم ونؤمن بأن المصرى القديم كان يؤمن بتعدد الآلهة. وكل ما جاء فى الأساطير من تصوير لمعبودات عدة ما هو إلا مظاهر مختلفة لصفات إلهية لرب واحد وكان فى تعددها ما لا يتناقض مع عقيدة التوحيد لدَى المصرى القديم المؤمن بعظمة هذا الإله وتفرّده بالكمال واتصافه بالجلال والجَمال.
ومن المؤكد أن الكثير من الأنبياء والرسل على مَرّ التاريخ قد نقلوا الكثير من الأفكار السماوية إلى البشر، ومنهم أهل مصر المتدينون. وعلى هذا النحو فليس غريبًا اعتقاد المصرى القديم فى البعث والحساب فى العالم الآخر، والعقاب بدخول الجحيم، والثواب بدخول الأبرار إلى جنات النعيم، وهو فى ذلك يشبه كثيرًا ما جاء فى الكتُب السماوية المقدسة المنزلة من ربنا رب العزة سبحانه وتعالى. فقد كان الاعتقاد فى خالق لهذا الكون عبر النطق بالكلمة، كما هو موجود فى مذهب منف فى مصر القديمة، قريبًا إلى حد كبير مما جاء فى الإنجيل «فى البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله (إنجيل يوحنا-الإصحاح الأول- 1)، وما جاء فى القرآن الكريم «سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (سورة مريم، الآية 35).
إن مصر القديمة هى ثمرة الدين والتوحيد فى أسمَى آياتهما. والتوحيد هنا فى أجلِّ معانيه وأقدس سِماته وصفاته. والتوحيد، فى هذا السياق، يقوم على توحيد الإله الأحد الأوحد الخالق المدبِّر للإنسان والكون، وهو الرب صاحب الرؤية الكلية والذات العَلية والصفات الجلية والروح الرحيمة التى شملت كل هيئاته من المعبودات الأخرى. ومن هنا نظر إليه المصرى القديم كإله كامل وشامل غير أنه كان بعيدًا؛ فتقرّب إليه بعدد من المعبودات التى تمثله كهيئة أسمَى جَلَّ شأنه وذاته وتقدست هيئاته وأسماؤه؛ ونتج التوحيد هنا وفقًا لهذا المفهوم المُرَكّب وهو ما آمن به المصرى القديم كدين فطرة سليمة وعقيدة توحيدية راجحة لديه. ومما سبق يتضح لنا عظمة الإبداع المصرية والمخيلة الجمعية وعبقرية الفكر الدينى وتميزه فى مصر عن غيرها من الحضارات المجاورة فى بلاد الشرق الأدنى القديم. وكل هذا الفكر الإبداعى والتحليل الدينى يؤكد، دون شك، على تنوع وثراء فكر الإنسان المصرى القديم صاحب هذه الحضارة المذهلة التى لعب الدين والاعتقاد دورهما الأكبر فى تكوينها وجعلها مثيرة ومدهشة لكل من يزور أرض مصر المباركة أو يقرأ عنها أو يشاهد آثارها العظيمة الفريدة المتميزة.>
* مدير متحف الآثار- مكتبة الإسكندرية