البحث عن «الله» فى مصر القديمة
من نحن، وماذا نفعل فى هذا الكون، وما غاية وجودنا؟، شكَّلت هذه الأسئلة الكبرى نقطة انطلاق الإنسان فى سعيه نحو فهم نفسه والعالم من حوله، وفى هذه الرحلة الممتدة عبر آلاف السنوات للإجابة عن هذه الأسئلة صاغ البشر عدة تصورات حول خلق الكون بحثًا عن تفسير منطقى أو غير منطقى يرضى شغفه بكشف السر وراء من ومتى وكيف نشأ الكون الفسيح من حوله.
فى ذلك البحث المضنى، بلورت خبرة الكائن البشرى المتراكمة بالعالم الذى كان يعيش فيه عبر ملاحظته الدقيقة أو العابرة على مر الزمن، أفكاره وتصوراته عن عملية الخلق. وساهمت كل حضارة بنصيب وافر أو ربما غير شاف فى هذا المضمار، سواء نسبت الخلق إلى إله خالق له مقدرة غير محدودة، أو أرجعت نشأة الكون إلى مجرد المصادفة البحتة التى لا دخل فيها لمقدرة ما إلهية كانت أو غير ذلك من قوى.
تعد قصة نشأة الكون فى مصر القديمة من أبدع ما توصل إليه فكر المصرى القديم، فقد تعامل مع هذه المعضلة بكثير من الرقى الفكرى والإبداع الفلسفى اللذين توصل إليهما قبل وصول الأديان السماوية بفترة زمنية طويلة إلى أرض مصر المباركة.
لم يبنِ المصريون القدماء تصوراتهم عن كيفية نشأة الكون ومختلف المخلوقات والكائنات على مجرد أفكار نظرية جوفاء، بل أرسوها على أسس ووقائع وحقائق مستمدة من البيئة المصرية القديمة أعطت معنى كبيرًا وأهمية بالغة تعكس خبرتهم بالحياة فوق الأرض وبالكون من حولهم.
ولا تشير نظريات خلق الكون لدى المصريين القدماء إلى أفكار علمية تشرح كيف أوجد الإله القادر الكون من حولهم بكل كائناته، بل هى تصورات رمزية تحاول فهم الخلق وطبيعته ودور الخالق فى عملية الخلق وكيف أبدع الحياة وعن دور العناصر المختلفة فى الخلق وأهمية كل منها فى هذه العملية المعقدة وتراتب ظهورها فى سلم الخلق.
وكان الخلق أمرًا مهمًا فى الفكر الدينى المصرى القديم. ووفقًا لمعتقداتهم الدينية، آمنوا بأنه كانت هناك قوة إلهية علية غير محدودة الإرادة والقدرة على الخلق والإبداع والابتكار أوجدت كل الكائنات وكل الأشياء منذ البداية واستمرت تخلق وتبدع وتجدد ما أخرجت للوجود بصورة لانهائية دون كلل أو ملل.
ومن اللافت للنظر أن المصريين القدماء لم يشيروا إلى جنس هذه القوة الإلهية؛ فلم تكن مذكرًا أو مؤنثًا، بل كانت مزيجًا من الجنسين معًا؛ وذلك لأهمية وجود عنصرى الذكر والأنثى من أجل التزاوج بغية استمرارية الخلق والتجدد ودورة الحياة.
وفى الأغلب الأعم، تشير تصورات المصريين القدماء عن الخلق -بوضوح جلى ودون أدنى شك- إلى وحدة وتناغم وتفرُّد الكائنات والأشياء التى خلقتها المقدرة الإلهية حين شرعت فى نشأة الكون وتهيئة المسرح للإنسان بإعلاء شأن الوجود والقضاء على العدم وإقرار النظام وإنهاء الفوضى من أجل استمرارية وتمكين الكائن البشرى الأسمى من العيش فوق سطح الأرض لأزمنة أبدية غير مقيدة بعدد معلوم. وتعددت نظريات المصريين القدماء عن الخلق، ونشير فيما يلى إلى أشهرها.
مذهب عين شمس
ويعد مذهب عين شمس أو هليوبوليس، مدينة إله الشمس المقدسة، («أونو» فى اللغة المصرية القديمة؛ «مدينة الشمس» فى اللغة اليونانية؛ حاليًا منطقتا «عين شمس والمطرية» فى محافظة القاهرة) من أهم وأقدم مذاهب الخلق فى الفكر الدينى المصرى القديم. وقام غالبًا بتأليفه كهنة إله الشمس فى مدينة هليوبوليس فى عصر الدولة القديمة (حوالى 2687-2191 قبل الميلاد).
يقوم هذا المذهب على إيمان المصرى القديم بأن العدم كان يسبق ظهور الإله الخالق. وفى هذا الصدد يشير متن مهم وهو رقم 1466 من متون الأهرام إلى أنه: «لم تكن السماء قد خُلقت بعد؛ ولم تُشكل الأرض بعد؛ ولم تُوجد الإنسانية بعد؛ ولم تُولد الآلهة بعد؛ ولم يحدث الموت بعد». وفى هذا السياق العدمى الغارق فى مستنقع الخواء، كان لا بد من وجود إله خالق. وكان لنهر النيل وفيضانه السنوى والقوى المتجددة الكامنة فى مائه أكبر الأثر فى لفت نظر المصرى القديم إلى أهمية الماء كمصدر مطلق للحياة أطلق عليه «المياه الأزلية».
وكانت تلك المياه الأزلية ذات طبيعتين سلبية وإيجابية: سلبية نظرًا لكونها هلامية، وعديمة الشكل، وغير محددة، وعدمية؛ وإيجابية فى كونها احتوت داخلها على قوى خلق مؤكدة. وأطلق المصرى القديم على المياه الأزلية «نون»؛ ذلك الإله الذى خلق نفسه بنفسه، وعبر ذلك الإله عن نفسه فى التعويذة رقم 17 من كتاب الموتى (كتاب الخروج فى النهار) قائلاً: «أنا الإله العظيم الذى أوجد نفسه بنفسه، نون الذى أبدع اسمه كإله فى زمن الآلهة الأزلى». ويشير هذا المذهب إلى أنه فى البدء كان العدم، غير أن هذا العدم احتوى داخله القوة الدافعة على النظام والخلق.
كان «آتوم» هو هذه القوة الدافعة على النظام والخلق، وتحققت تلك القوة حين بزغ ذلك المعبود المؤّسس من المياه الأزلية كأصل لكل المخلوقات والأشياء، وبدأ عملية الخلق والإبداع. ويحمل اسم آتوم معنى مزدوجًا؛ فهو تارة يعنى «الأكمل»، أو «الكلى» أو «الأتم» أو «المنتهى»، ويشير هذا إلى تمامه واكتماله مثلما يوحى بذلك الفعل العربى «تمّ» بمعنى «اكتمل» أو «انتهى»؛ وهو تارة أخرى يعنى «غير الموجود»، أو «الذى لم يحدث أو يُوجد بعد». وفى ذلك ما يشير إلى حالته الساكنة فى المياه الأزلية قبل أن يقرر البزوغ خارج المياه الساكنة ويبدأ عملية الخلق المتوالية بشكل لانهائى.
هكذا فإن آتوم كان الكائن المطلق واللاكائن المطلق معًا، حاملاً داخله تلك المتضادات المتناقضة فى الوقت ذاته. وكان يُصور هذا المعبود الحديث الظهور، الذى كان يجلس على التل الأزلى (أو«بن بن» فى اللغة المصرية القديمة) على هيئته كرع-آتوم، إله الشمس الخالق، مرتديًا تاج مصر الملكى المزدوج، رامزًا بذلك إلى أن ملكية الأرضين، مصر السفلى ومصر العليا أو الدلتا والصعيد، ظهرت إلى الوجود مع ظهوره. وفى ذلك ما يؤكد أن مذهب هليوبوليس حمل، غالبًا لأغراض سياسية قوية، داخله الكون المخلوق والنظام السياسى كوحدتين غير قابلتين للانفصال أو التقسيم.
تفاعلت قوة رع-آتوم الخلاقة فى هذه اللحظة فى خلق الزوج الأول التوأم شو (الهواء) وتفنوت (الرطوبة أو الندى) عبر عملية الاستمناء. وفى هذا المقام، ذكر المتن رقم 1248 من متون الأهرام ما يلى: «إنه آتوم، الذى ظهر للوجود واستمنى فى أونو (عين شمس).
بينما تشير التعويذة رقم 76 من متون التوابيت (نصوص دينية من عصر الدولة الوسطى) إلى أن خلق شو وتفنوت تم من خلال بصق الإله آتوم، ومن المحتمل أن الرمزين، الاستمناء والبصق، قد وجدا معًا فى أى من النسخ الكاملة لهذا المذهب الدينى فى الخلق. ومع ميلاد الذكر شو والأنثى تفنوت، تم فصل الذكر عن الأنثى كعنصرين مستقلين، وفى الوقت نفسه هما مكملان وفاعلان ومهمان لعملية الخلق حتى تستمر عملية التزاوج والتكاثر والتناسل كأحد أهم وأبرز مظاهر الخلق.
ووُلد الزوج الثاني: الذكر جب (الأرض) والأنثى نوت (السماء) من اتحاد والتقاء الزوج الأول شو وتفنوت. وفى تلك اللحظة من الخلق، خرج الكون إلى الوجود، ولم تكن الأرض ولا السماء مجرد مخلوقين عاديين؛ بل كانا عنصرين ضرورين ومهمين لهما قدرة إلهية فاعلة وخلاقة يهيئان بدأب مسرح الحياة للموجودات القادمة، على أساس أنهما مصدر كل شىء آخر سوف يخرج لاحقًا إلى الوجود. وصُورت مرارًا الإلهة نوت عارية كربة للسماء ومحددة لأفقها العلوى متقوسة تلامس بأطراف أصابع يديها وقدميها الكون، وكزوجة لإله الأرض جب الذى تم تمثيله عاريًا أيضا، فوق ذلك الإله فى لقاء زوجى رمزى يشير إلى استمرارية قوى الحياة والخلق.
واستمرت دورة الخلق ونتج عن لقاء جب ونوت ميلاد الزوج الثالث المعبود أوزير («أوزيريس» فى اللغة اليونانية) كرمز للنظام والخير وأخته، وزوجته لاحقًا، إيزيس («إيست» فى اللغة المصرية القديمة)، والزوج الرابع ست كرمز للفوضى والتناقض وأخته وزوجته بعد ذلك نفتيس (نبت حت فى اللغة المصرية القديمة). وشكل أولئك الآلهة التسعة: آتوم، وشو وتفنوت، وجب ونوت، وأوزير وإيزيس، ست ونفتيس تاسوع هليوبوليس أو عين شمس، جوهر ذلك المذهب الخلقى الدينى فى تفسير كيفية نشأة الكون والموجودات.
وكان إدراج الإله ست، رب الفوضى والتناقض، ضمن آلهة هذا المذهب الدينى عظيم الأهمية؛ نظرًا لتجسيده المفهوم المصرى الراسخ عن الصراع المتواصل دونما انقطاع بين الخير والنظام من ناحية وبين الشر والفوضى من ناحية أخرى؛ لذا فقد كان دوره حتميًا وبالغ الخطورة كممثل للفوضى والشر وقواهما المدمرة فى صراعه الأبدى مع الإله أوزير كممثل للخير والنظام والعدالة وقواها الخلاقة، وفى صراع ست من بعد أوزير مع ولده ووريث عرشه، ومن ثم الملكية المصرية المقدسة، الإله حورس، وذلك سواءً بسواء فى كل من النظام الكونى والنظام السياسى.
ولم يحتل الإنسان مكانة متميزة فى هذا المذهب الخلقي؛ فعندما انفصل شو وتفنوت عن آتوم وفُقدا فى المياه الأزلية، أرسل آتوم عينه للبحث عنهما، وبمجرد عودتهما بكى بدموع الفرحة، ومن تلك الدموع جاءت الإنسانية. وعلى الرغم من أن ذلك يشير إلى أصل إلهى مؤكد للإنسانية، فإن خلق البشر جاء مصادفة وليس وفقًا لمنهج مخطط له منذ بداية الخلق؛ فقد خُلقت البشرية نتيجة حدث عاطفى انفعالى للإله الخالق؛ ولذا وبشكل مؤكد فلم يشغل الكائن البشرى قمة سلم الخلق عند إبداع الكون وفقًا للتفكير المصرى القديم.
ارتبط مذهب هليوبوليس ارتباطًا وثيقًا بإله الشمس؛ إذ مثل كل يوم فى الحقيقة تجددًا وإعادةً لعملية الخلق. واعتبر المصرى القديم أن شروق الشمس يضمن استمرارية وأبدية النظام الكونى والحياة وإعاشة البشرية؛ فكان شروق الشمس فى معنى ما رمزًا مقدسًا يضمن استقرار الكون المخلوق والنظام السياسى الملكى الذى كان يحكمه.
مذهب الأشمونين
أما مذهب الأشمونين أو هرموبوليس (الأشمونين فى المنيا فى مصر الوسطى)، فيذهب إلى أن خلق العالم تم عن طريق تل من الطمى ظهرت عليه أربعة أزواج: أربعة من الذكور على هيئة الضفادع، وأربع من الإناث على شكل الحيات كما يلى: الزوجان الذكر «نو» والأنثى «نونت» ويمثلان المياه الأزلية، والزوج «كو» و«كوكت» (الظلام)، والزوج «حو» و«حوحت» (اللانهائية)، والزوجان «آمون» و»آمونت» (الخفاء). وهاجر الزوجان آمون وآمونت (الخفاء) إلى طيبة ودُفنا فى مدينة هابو بالبر الغربى لمدينة الأقصر، ثم اتخذ آمون صورة «كم آت إف» أى «الذى أكمل وقته». وكانت هناك بيضة خرجت من أوزة أحالت الظلام إلى نهار وضاح هو الشمس، ثم طارت الأوزة صائحة فسُميت «الصائحة الكبيرة» التى قضت على صمت المحيط الأزلى.
مذهب منف
ويعد مذهب منف أو ممفيس من أقدم المذاهب الدينية المصرية القديمة فى تفسير نشأة الخلق والوجود. ووُجد المذهب مكتوبًا على لوح حجرى من عهد الملك الكوشى شاباكا من الأسرة الخامسة والعشرين (حوالى 712-698 قبل الميلاد)، وربما يرجع أصله إلى عصر الدولة القديمة أو أبعد من ذلك. وخلاصة هذا المذهب أن الإله بتاح، المعبود الرئيسى لمدينة منف، قد خلق الكون عن طريق التفكير بالقلب، موطن العقل والتدبروالتفكر، ثم عن طريق اللسان الذى يخرج ما فى القلب. ويقترب هذا المذهب الدينى من قول الله سبحانه وتعالى فى محكم كتابه القرآن الكريم « إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (سورة يس: آية 82).
ومما سبق يتضح لنا رقى الفكر الدينى فى مصر القديمة وظهور به بعض ما جاءت به الأديان السماوية من كيفية الخلق وبداية نشأة الكون وتطور الفكر عن طريق الفكر والقول ثم الفعل والنشأة وكل هذه الأفكار التى تشير دون شك إلى سبق وعبقرية الإبداع والأداء وتطور الفكر الدينى فى مصر القديمة بشكل مذهل قبل أن تحط الأديان السماوية رحالها بقرون طوال عديدة على أرض مصر الطيبة منبع الأديان وأرض الرسالات ومعلمة وملهمة الإنسانية ومهد الحضارات.
* مدير متحف الآثار- مكتبة الإسكندرية