الأحد 6 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
هى مش فوضى!

هى مش فوضى!


كان المصريون القدماء من أوائل الشعوب التى قدست الحق وأعلت من شأن العدالة، واحترمت الصدق والقانون، وبنت حضارتها بما يتوافق مع قوانين النظام الكونى المستقر، ورمزوا إلى ممارسة الحقيقة والعدالة والحق والقانون والنظام بمعناه العام بإلهة ذات طبيعة حساسة وصفات عُظمَى. وكان من صدق حسهم وحدسهم بها وتعظيمهم لشأنها أن أطلقوا عليها اسم «ماعت». ويعنى هذا الاسم حَرفيّا «الصدق» أو «العادلة». واعتبروا هذه الربة المميزة ابنة لرب الأرباب، المعبود الكونى رب الشمس «رع».

صور المصريون القدماء عادة تلك الرّبة المهمة على هيئة سيدة تشير إلى العدالة فى مفهومها العام، إمّا واقفة أو جالسة، تعلو رأسها ريشة ترمز إلى نزاهة الحُكم والعدالة المطلقة وتمسك بيدها اليُمنى علامة «عنخ» (وتعنى «الحياة») التى كانت ترمز إلى الحياة فى كل مناحيها، مما يعنى أن الحياة لا تستقيم دون عدالة.
كان الحاكم المصرى بصفته ابن الآلهة وممثل الأرباب على الأرض مكلفًا تطبيق «الماعت»، وأقام الملوك الفراعنة دولتهم العريقة والمستقرة على هذه الأسُس، وكان هذا أحد أهم أسباب نجاح وتميز وازدهار الدولة المصرية القديمة ورأس النظام الحاكم المتمثل فى شخص الملك الذى كان يتولى الحُكم نيابة عن الآلهة، وكذلك ممثلوه من كل رجال الحُكم مثل الوزير والكهنة وكبار رجال الدين وقادة الجيش وحكام الأقاليم والقضاة وكل الموظفين العسكريين والمدنيين إلى أصغر موظفى الدولة.
اعتبر المصرى القديم أن قرارات المحكمة لها أكبر تأثير على حياة المجتمع، وكانت تجب معاقبة الخارجين على القانون، بل تقديم المساعدات للأطراف المتضررة، ورُغْمَ تعيين أفضل الرجال من مختلف أنحاء مصر كقضاة؛ فإنهم لم يصلوا إلى النهاية التى كانت فى ذهنهم.
كان العدل مفهومًا مركزيّا داخل المجتمع المصرى القديم، وكان الملوك مسئولين عن جميع الأمور القانونية، وكانوا فى كثير من الأحيان يُصدرون المراسيم ذات الطابع القضائى. وكان الوزير تحت الفرعون مباشرة، يعمل على رأس الإدارة البيروقراطية القوية، وكان مسئولًا عن النظام القضائى للدولة، وفوّض الفرعون والوزير مسئولياتهما القضائية والإدارية إلى المسئولين المحليين.
ومنذ عهد الدولة القديمة (2686- حوالى 2181 ق.تقريبًا) كانت مصر تُدار من قِبَل مجموعة من الموظفين المتعلمين، وهم الكُتّاب الذين اجتازوا المهمة الشاقة المتمثلة فى تعلم القراءة والكتابة. 
ومن هذا الوصف الواسع للهيكل الإدارى لمصر، لا يمكننا استنتاج الطريقة التى كان يُمارس بها القانون فى الواقع. ورُغْمَ أن الحجم الهائل للمصادر المتاحة لنا؛ فإنه لم يتم بعد العثور على أى مثال للقانون المصرى المقنن  قبل عام 700 قبل الميلاد.
وفى غياب قانون مقنن موجود، يجب أن تستند معرفتنا بالقانون المصرى فى الواقع إلى وثائق أخرى متاحة، مثل العقود والوصايا وسجلات المحاكمة والمراسيم المَلكية. وهذه للأسف، لم تنجُ بأعداد كبيرة. ولحُسن الحظ، هناك استثناء واحد لهذه المسألة جاء إلينا من مجتمع العمال فى الدولة الحديثة فى دير المدينة. وعلى مدار ما يقرب من 400 عام، أنتج سكان هذا المجتمع عشرات الوثائق التى تمت أرشفتها. وتمتد السجلات التى خلّفها أولئك العمال على مدار عصر الدولة الحديثة. وتقدم النصوص معلومات عن الحياة اليومية التى ساهمت بشكل كبير فى معرفتنا بالنظام القضائى المصرى القديم.
ويبدو أن السرقة كانت موجودة إلى حد ما فى دير المدينة؛ فلدينا فى السجلات الاتهامات والتحقيقات والعقوبات المفروضة. ومع ذلك فإن العقوبات لم تتجاوز العقوبات الاقتصادية؛ حيث كان يضطر اللص إلى إعادة البضائع المسروقة. وكان يتعين عليه دفع تعويض يمكن أن يصل إلى أربعة أضعاف القيمة الأصلية للبضائع المسروقة. أمّا إذا كانت البضاعة المسروقة مِلْكًا للدولة فتكون العقوبة أثقل بكثير. وأمّا إذا كان المسروق مِلْكًا للفرعون، فكان اللص مُطالبًا بدفع ثمانين إلى مائة ضعف للأشياء المسروقة بالإضافة إلى العقاب الجسدى مثل الضرب أو فى حالات نادرة تصل العقوبة إلى الإعدام.
ولم تكن النصوص القضائية الصادرة من دير المدينة غير محسومة فيما يتعلق بالموقف القانونى المصرى من الزنى والاغتصاب، لكن بالتأكيد، كان المصريون ينظرون إلى كل من الاغتصاب والزنى كسلوك غير مشروع، وكان يتم التعامل معه فى كثير من الأحيان من قِبَل المحاكم. أمّا فيما يتعلق بالأفعال الأخرى التى يمكن أن نطلق عليها سوء سلوك جنسى مثل المِثلية والبغاء، فلا يبدو أن هذه كانت جرائم جنائية. وكان الاعتداء الجسدى بالتأكيد جريمة يُعاقب عليها القانون فى المجتمع المصرى القديم، وهناك بعض الحالات التى تمت فيها إدانة شخص ما؛ حيث تلقى الجانى عقوبة جسدية من نوع ما.
كانت العدالة تتم وفقًا لمبادئ «ماعت». وكانت مسئولية جماعية. ومن ثم ليس من المستغرب أن نزاهة القضاة تعتبر ذات أهمية استثنائية؛ حيث كان القضاة مسئولين حكومِيين، يمثلون الفرعون فى المسائل القانونية والإدارية؛ لذا فإن أى سوء تصرُّف قضائى ينعكس بشكل مباشر على الفرعون؛ لذا تم اتخاذ جميع الاحتياطات لضمان نزاهة المحكمة. كما هو موضح فى نصوص دير المدينة.
بالنسبة للعقوبات كان الأكثر شيوعًا الضرب بالعصا وبتر الأنف والأذنين وإلحاق الجروح. ومع ذلك، يبدو أن المصريين القدماء كانوا مترددين تمامًا فيما يتعلق بتطبيقها.
وقرب نهاية عهد رمسيس الثالث، تشكلت مؤامرة لاغتيال الملك بين واحدة من المَلكات والخدَم المَلكى. وكان فى المؤامرة العديد من الحريم المَلكى،  فضلًا عن عَشرة من مسئولى الحريم وزوجاتهم. وقبل تنفيذ الخطة، تم كشف الخيانة والقبض على جميع المعنيين وأمَرَ الفرعون بملاحقتهم. وبما أنه لا يمكن معالجة قضية بهذا الحجم من قِبَل محكمة قانونية عادية، فقد تم تعيين لجنة خاصة تتألف من أربعة عشر من كبار المسئولين للتحقيق فى الجرائم ومعاقبة المذنبين. وكانت المقابر؛خصوصًا التابعة للطبقة العليا، هدفًا للسّرقة، وكان ذلك جريمة يعاقب عليها القانون؛ حيث وصلت عقوبة السطو على المقابر المَلكية إلى الإعدام. وكانت المحكمة الكبرى التى يرأسها الوزير هى التى تحكم بنفسها فى حوادث السطو على المقابر المَلكية.
وفى أعقاب غزو الإسكندر الأكبر السّلمى إلى حد ما لمصر فى عام 332 قبل الميلاد، حدث تغيير فى القيادة داخل المجتمع والإدارة فى مصر، وعلى وجه الخصوص على نظامها القانونى؛ حيث أصبح تطبيق القانون والولاية القضائية المصرية أكثر تعقيدًا بكثير فى ظل البطالمة. ومن الواضح أن النظام القانونى فى مصر قد تطوّر ليصبح أكثر تعقيدًا فى الفترة البطلمية المبكرة، فقد أنشأ البطالمة نظامًا بيروقراطيّا من أجل فرض السيطرة الكاملة على البلاد وإنتاجها الزراعى،  كما سعى البطالمة للسيطرة على السُّلطة القضائية المصرية من أجل تعزيز قوتهم. وأدمج النظام البطلمى القانونين اليونانى والمصرى معًا. وفى حالات الجرائم الجنائية ميز القانون اليونانى بوضوح بين أنواع الجرائم، مثل الجرائم ضد الأفراد، والجرائم المالية، والخيانة العُظمَى، والجرائم الدينية.
كانت أخطر جريمة يمكن ارتكابها ضد فرد هى القتل. ومن الواضح أنه تم التمييز بين القتل المتعمد وغير المتعمد. ورُغم أننا لا نعرف الكثير عن العقوبة على القتل فى مصر البطلمية؛ فمن المرجح أن العقوبة كانت تنطوى على مصادرة الممتلكات. وكانت الجرائم ضد الأفراد تشمل أيضًا التهديد بقطعة من المعدن، والاعتداء العنيف، والافتراء كان يُنظر إليه على أنه جريمة عظيمة. وأيضًا كل من يرتكب ضررًا لشخص فى حالة سُكْر أو ليلًا أو فى معبد أو فى مكان السوق سيخسر ضعف مقدار العقوبة المقررة.
طورت مصر البطلمية نظامًا متطورًا لتطبيق القانون؛ حيث كان الموضوع فى أيدى مسئولى الشرطة، إذ كانوا يقومون بإلقاء القبض على المجرمين المشتبه بهم واعتقالهم، كما كانوا يقومون بإجراء التحقيقات. وقد تمتع هؤلاء الضباط بقسط كبير من الحرية والاستقلالية.
وكانت العقوبات فى أغلب الأحيان عبارة عن عقوبات مالية، إمّا فى شكل غرامة، أو مصادرة ممتلكات. وكانت الغرامات تُدفَع للدولة. وفى هذه الحالة كانت ثابتة بموجب القانون، أو يتم دفع الغرامات للفرد كتعويض مالى عن الجريمة التى اُرتكبت فى حقه، ويتم تحديد الغرامات المدفوعة للأفراد بموجب القانون. وتعد المصادر المتعلقة بالعقاب البدنى أو حُكم الإعدام فى مصر البطلمية نادرة جدّا. وتستند أى استنتاجات تتعلق بهذا الموضوع إلى أدلة مجزّأة، ومع ذلك فإننا نستطيع القول إنه كانت هناك عقوبة الجَلد وعقوبة الضرب بالعصا بالإضافة إلى عقوبة الإعدام.
أدخل الرومان تغييرات جوهرية فى الأنظمة الإدارية والقانونية فى مصر. وعُبِد اُغسطس فى البداية كفرعون ولم يعد يحكم مصر كمَملكة، وأصبحت مصر مقاطعة رومانية، واستُبدلت المحكمة البطلمية بمسئولين رومان. 
كان من ضمن التغيرات الإدارية التى أثرت على المجتمع المصرى بعد الفتح الرومانى هو الوجود العسكرى؛ فقد ساعد الجنود فى مختلف الشئون الحكومية، مثل نقل الحبوب. وقام الضباط ببعض الواجبات الإدارية والقضائية. ووضع الإمبراطور أغسطس أسُس النظامَين الإدارى والقانونى الرومانى فى مصر بعد فترة وجيزة من حُكمه. وبقت هذه الأسُس إلى حد كبير فى مكانها حتى إصلاحات دقلديانوس فى أواخر القرن الثالث.
وكانت الأفعال التى تُعتبر جريمة فى القانون الرومانى مشابهة تمامًا لما يعاقب عليه فى القانون البطلمى. وكان يمكن تحديد فئات الجرائم فى مصر الرومانية وهى الجرائم ضد الأفراد، والجرائم المالية، والجرائم السياسية، والجرائم ضد النظام الاجتماعى،  والجرائم الدينية. وبالمقارنة مع العصر البطلمى نرى أن الجرائم السياسية قد حلت محل الخيانة.
كانت عقوبة القتل شديدة مثل الصَّلب والسّخرة فى المناجم. وكما كانت الحال فى القانون البطلمى، تضمنت الجرائم ضد الأفراد السرقة والابتزاز ومنع مسئولى الدولة من القيام بأعمالهم، بالإضافة إلى تدمير الممتلكات الخاصة. ولكن فى القانون الرومانى، تنوعت الجرائم ضد الأفراد بصورة أكبر؛ حيث شملت تدمير الوثائق وتقييد الحريات والحرمان من الدفن. وتم تكليف المسئولين الحكوميين بالإشراف على عملية العدالة الجنائية، سواء من خلال الفصل بين كبار المسئولين أو من خلال الشرطة المحلية. ورُغم ذلك؛ فإن تطبيق القانون فى مصر الرومانية لم ينجح بالصورة نفسها التى كان عليها فى العصر البطلمى.
هناك مشكلة فى نظام العدالة الجنائية فى مصر الرومانية وهى أن السُّلطة القانونية بالكامل كانت مركزية؛ حيث كان الحاكم فقط صاحب الحق فى الفصل فى النزاعات؛ لذا أصبحت عملية التقاضى بطيئة ومعقدة للغاية. ويبدو أن نظام العدالة الجنائية الرومانى فى مصر كان غير فعّال. وكان يفتقر إلى المواد اللازمة للتعامل مع الجريمة على نحو ملائم؛ إذ لم يكن لدَى معظم مسئولى الدولة السُّلطة الفعلية لاتخاذ القرار بشأن مثل هذه الأمور. وبسبب هذا يبدو أن القانون والعدالة كان لهما معنى أقل فى المستويات الأدنى من الإدارة وفى جميع أنحاء الريف المصرى. 
مدير متحف الآثار- مكتبة الإسكندرية