ملامح الشخصية المصرية
هى أول كلمة فى كتاب التاريخ وأهم موقع فى مراجع الجغرافيا، هى مهد الحضارات والقيم الإنسانية؛ على أرضها التقى الشرق بالغرب وتلاقحت الثقافات قديمًا وحديثًا، أينما تذهب تجد حتمًا جزءًا من تاريخ مصر ومن تاريخ العالم؛ ظهرت الحضارة مبكرًا فى وادى النيل ودلتاه ويجد المرء أنه من الصعب اختيار نقطة زمنية معينة يسرد منها قصة التاريخ المصرى.
فمصر موغلة فى القدم قدم الزمن نفسه. وإذا تغاضينا عن البداية المبكرة لظهور الإنسان فى مصر منذ حوالى 37 ألف عام قبل الآن، فإن معرفة المصرى حرفة الزراعة المنظمة والمستقرة على ضفاف النيل فى الألف السادس قبل الميلاد تعد هى البداية الحقيقية لنشأة الحضارة المصرية التى سوف تستمر آلاف السنين.
تعددت الأسماء والصفات التى أُطلقت على مصر. وجاء اسم مصر فى الإنجليزية «إيجيبت» من التعبير المصرى القديم «حوت كا بتاح» («معبد قرين بتاح»)، وهو اسم معبد مصرى خُصص للمعبود المصرى «بتاح»، إله مدينة «منف». بينما اُشتق اسم مصر، «مصر»، من كلمة مصرية قديمة «مجر» «الحد» وانتقل إلى اللغات السامية ومنها إلى العربية، ومنها جاء اسم «المصريون». وينتمى المصريون إلى الجنسين السامى والحامى. ويطلق المصريون على مدينة القاهرة، العاصمة، «مصر»، مختزلين اسم بلدهم فى عاصمتهم.
وتبدأ قصة الحضارة المصرية المكتوبة فى حوالى عام 3000 قبل الميلاد، حين أبدعت مصر القديمة الكتابة وأدخلت العالم إلى دنيا التدوين فتراكمت الخبرة الإنسانية والتراثية وحافظت على الذاكرة البشرية من الضياع. وهذا العصر هو عصر المركزية والذى سوف يستمر طويلاً ويصبح سمة غالبة للإدارة المصرية عبر تاريخها خصوصًا فى عصور القوة، وقد يتحول إلى عقبة فى مسيرة التنمية والقضاء على المركزية فى صنع القرار.
وبتوحيد مصر العليا (الصعيد) ومصر السفلى (الدلتا) فى مملكة واحدة وقيام الدولة المركزية على يد الملك «مينا»، استقرت فى هذه الفترة قيم ومعايير سوف تحكم الدولة المصرية وتصبغ الشخصية المصرية دومًا وأبدًا. وبعد هذا التاريخ المبكر الذى اشتمل على الأسرتين الأولى والثانية، دخلت مصر عصر الدولة القديمة، «عصر بناة الأهرام».
تقف الآثار المصرية شامخة شاهدًا ودليلاً على عبقرية الأداء وروعة الإنجاز والإعجاز المعمارى والهندسى والفلكى والإدارى الخاص بالمصريين. وبعد ذلك العصر الذهبى، مرت مصر بفترة اضمحلال، خرجت بعدها قوية إلى عصر الدولة الوسطى حين وصل الأدب المصرى القديم إلى القمة، «عصر الأدب الكلاسيكى». وبعد هذا العصر، مرت مصر بأصعب محنة عرفتها فى تاريخها الفرعونى، ألا وهى احتلال أرض مصر من قبل قبائل آسيوية، «الهكسوس»، («حكام الأراضى الوعرة»)، تسللت بطرق سلمية فى غفلة من الزمن إلى مصر عبر حدودها الشرقية وبسطت سيطرتها على أجزاء كبيرة من مصر حين ضعفت. وبعد كفاح طويل ومرير، استطاع الملك «أحمس الأول» طرد الهكسوس من مصر ودفعهم إلى فلسطين. وبتحرير مصر منهم، نشأت الدولة الحديثة، العصر الذهبى الثالث والأخير فى مصر الفرعونية.
قامت على التوسع فى الفتوحات الخارجية وضم العديد من الممالك إلى زمرة مصر، وهو «عصر الإمبراطورية» الفرعونية. ويعد الفرعون تحتمس الثالث هو مهندس الإمبراطورية المصرية فى آسيا وأفريقيا. ومن بين أشهر الملوك الفراعنة فى هذا العصر، أحمس الأول وحتشبسوت وتحتمس الثالث وأمنحتب الثالث وأخناتون وتوت عنخ آمون وسيتى الأول ورمسيس الثانى وغيرهم.
وبعد ذلك العصر، دخلت مصر «عصر الانتقال الثالث» وفيه ساد التوتر والانقسام واللامركزية. ثم جاء العصر المتأخر وحكمت فيه مصر أسرات مصرية، مع بعض فترات الاحتلال الفارسى إلى أن جاء الإسكندر الأكبر، وعلى يديه وعلى أيدى خلفائه الملوك البطالمة، تحولت مصر إلى مملكة إغريقية-بطلمية. وبهزيمة الملكة البطلمية كليوباترا السابعة على يد الرومان، صارت مصر جزءًا من الإمبراطورية الرومانية حتى فتحها العرب المسلمون وأصبحت مصر ولاية من ولايات الخلافة الإسلامية إلى أن أسّس محمد على باشا وخلفاؤه دولة مصر الحديثة على الطراز الأوروبى حتى قامت 23 يوليو 1952 وأنهت حكم الأسرة والملكية من تاريخ مصر.
مثلت ثورة 23 يوليو 1952، نقطة فارقة وخطًا مختلفًا عن الخط الملكى الذى كان سائدًا منذ بداية مصر الفرعونية إلى قيام هذه الثورة. فقد قامت هذه الثورة بإنهاء حكم أسرة محمد على باشا وتأسيس النظام الجمهورى الذى أسّسه الرئيس جمال عبد الناصر إلى أن حدثت هزيمة الخامس من يونيو عام 1967 التى كانت شرخًا عميقًا فى الشخصية المصرية، بل العربية أيضًا. وقد حاول عبد الناصر، فى السنوات الثلاث الأخيرة قبل رحيله غير المتوقع فى 28 سبتمبر 1970، إصلاح الجيش وتطهيره من العناصر التى جلبت عار الهزيمة على مصر القوية التى لم تحارب هذه المعركة قط.
وكما كانت هزيمة1967 عظيمة ومزلزلة للشعب المصرى، كان انتصار الجيش المصرى المجيد فى يوم السادس من أكتوبر عام 1973 ليس له مثيل فى تاريخ مصر والعرب المعاصريين حتى أن الرئيس أنور السادات وصفه بأنه «يوم من أعظم أيام التاريخ». ففى هذا اليوم، الذى لم يتكرر كثيرًا، غسلت القوات المسلحة المصرية الباسلة عار الهزيمة التى لحقت بمصر والأمة العربية جمعاء واستردت مصر أرضها المحتلة على أثره. وكان قيام الرئيس السادات بزيارة إسرائيل وعقد اتفاقية سلام معها سببًا لغضب الكثيرين من السادات فى مصر والدول العربية وخارجها. ويعتقد البعض أن اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل كانت من بين أهم الأسباب التى أدت إلى اغتيال الرئيس أنور السادات وهو يحتفل بالذكرى الثامنة لانتصاره فى هذه الحرب الخالدة يوم 6 أكتوبر عام 1981. وكان يومًا عجيبًا؛ فكيف يُقتل القائد المنتصر وسط جيشه وهو يحتفل بنشوة انتصاره؟!
وكان لقيام جماعة «الإخوان» فى مصر، على يد الشيخ حسن البنا عام 1928 فى مدينة الإسماعيلية أكبر الأثر فى تغيير السياسة المصرية فى القرن العشرين وأوائل القرن الحادى والعشرين. مما أدى إلى ظهور العديد من المعضلات الكثيرة على الساحتين السياسية والفكرية، ومن بينها الإسلام والحداثة والإسلام والديمقراطية والدولة الدينية ونظام الحكم والشورى وولاية الفقيه ووضع المسيحيين فى الدولة والاقتصاد وحكم المرأة والحجاب وغيرها. وأغلب هذه الإشكاليات تعنى بالشكل على حساب المضمون. ولعب الإسلام السياسى دوره الخطير فى إثارة المشكلات والقلاقل فى مصر فى العهدين الملكى والجمهورى على حد سواء.
ومنذ عدة أعوام أُذيع مسلسل «الملك فاروق»، فأثار اهتمامًا لم يحدث مع عمل فنى من قبل. وتناول هذا المسلسل قصة حياة الملك فاروق الأول من البداية إلى النهاية، وأظهره فى صورته الحقيقية: صورة الحاكم الإنسان الذى يحب شعبه ويرضخ لإرادة الشعب عبر صناديق الانتخابات وينفذ ما يطلبه رئيس الحكومة والوزراء ويستشير رئيس الديوان الملكى ولا يستبد برأيه أو فى حكمه. وكانت المفاجأة هى هذا الإقبال الجماهيرى خصوصًا من الأجيال الجديدة التى لم تكن قد وُلدت فى عهد هذا الملك.
وتظل المقارنة بين أحوال مصر فى العصر الملكى والعصر الجمهورى أكثر ما يثير اهتمام المصريين. فهناك مؤيدون وفخورون كثر بالعصر الملكى يحزنون ويندمون أشد الندم على إجهاض التجربة الديمقراطية الوليدة وتقييد سلطة الحاكم ومحاسبته أمام الحكومة والبرلمان وفاعلية وتواصل وتجاوب السلطات مع بعضها البعض وقوة ومتانة وحيوية الاقتصاد المصرى وتقدم مصر فى كثير من المجالات والانفتاح الحضارى والاحتكاك المثمر والمستمر بالغرب خصوصًا أوروبا منذ أن قرر محمد على باشا تأسيس مصر الحديثة مستعينًا بالأوروبيين، على الرغم من الاحتلال البريطانى لمصر بعد ذلك.
ومن خلال هذا العرض الموجز لتاريخ مصر يتضح لنا أن الصفة المميزة الجامعة المانعة التى تصف التجربة الحضارية المصرية عبر التاريخ الإبداعى الطويل، هى الاستمرارية والتواصل. فالحضارة المصرية تمتاز بالتواصل والتراكم، لا بالانقطاع وبعدم الإنتاج الحضارى.
سوف تعود مصر عظيمة كما كانت. وكما قامت الحضارة المصرية القديمة على فكرة البعث والخلود والتجدد والاستمرارية، فإن روح مصر التى سكنت المصريين وألهمتهم الإبداع، سوف تكون المعين والدافع للمصريين حتى يستعيدوا مجدهم القديم.
*مدير متحف الآثار-مكتبة الإسكندرية