اليوم التالى لـاتفاق إيران
صعود التحالفات الشرقية.. ومواجهة سلسلة معقدة من الأزمات
آلاء البدرى
لا شك أن الشرق الأوسط بعد الحرب والاتفاق الإيرانى الأمريكى لم يعد كما كان؛ إذ تبدلت موازين القوى وتغيرت أولويات الدول، وارتسمت خريطة جديدة للنظام العالمى مع تراجع هيبة الولايات المتحدة فى المنطقة؛ وانشغالها بأزمات متعددة؛ بينما برزت تحالفات شرقية جديدة تعكس انتقال مركز الثقل نحو آسيا، وصعود دول شرق أوسطية مستقرة.
هذا بالإضافة لتعدد الأقطاب وتداخل المصالح؛ ليصبح الشرق الأوسط ساحة لإعادة توزيع النفوذ العالمي؛ حيث تتقاطع الأولويات الأمنية مع التحولات الاقتصادية، فى مشهد يعكس ولادة نظام إقليمى جديد، يختلف جذريًا عما كان قبل الحرب.
الاتفاق الأولى
عقب توقيع مذكرة الاتفاق الإطارى بين الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ونظيره الإيرانى بزشكيان من المنتظر أن تنطلق مرحلة تفاوضية جديدة تستمر ستين يومًا بهدف صياغة خطة متكاملة لرفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران؛ والتوصل إلى قرارات حاسمة، بشأن مستقبل برنامجها النووى.
وهذه المرحلة الانتقالية تعد بمثابة اختبار لجدية الأطراف فى تحويل التفاهمات الأولية إلى اتفاق شامل يضع أسس الاستقرار الإقليمي، وأعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب؛ أنه سيعرض الاتفاق على الكونخرس للمراجعة، مؤكدًا خلال لقائه مع الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات، على هامش قمة مجموعة السبع؛ أنه أعجب بالفكرة فى تصريح عكس رغبة البيت الأبيض فى إضفاء شرعية داخلية على الاتفاق، وربطه بمسار مؤسسى يضمن دعمًا سياسيًا أوسع.
ويظهر الاتفاق الأولى كخطوة تمهيدية، تحمل أبعادًا سياسية وأمنية واقتصادية، وتفتح الباب أمام مفاوضات معقدة، قد تحدد مستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران، وتعيد رسم ملامح التوازن فى الشرق الأوسط.
مضيق هرمز ونقاط الاختلاف
تكشفت بعض ملامح الاتفاق عبر تصريحات متفرقة لمسؤولين من الجانبين، اتسمت التصريحات بالتعقيد والتداخل، ركزت بعضها على الأبعاد الاقتصادية والأمنية؛ لكنها فى المجمل وازنت بين الضغوط الأمريكية والمطالب الإيرانية، فى انتظار أن تحدد المفاوضات المقبلة مدى قدرة الطرفين على تحويل هذه التفاهمات إلى اتفاق شامل ومستدام، يضع أسس للسلام بعد أكثر من مئة يوم من الصراع.
وأوضح هؤلاء المسئولون أن جوهر الاتفاق يتمثل فى رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، والتوصل إلى صيغة نهائية بشأن البرنامج النووى الإيراني، إضافة إلى فك تجميد الأموال المحتجزة فى الخارج.
وكشف الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، من جانبه عن معضلة مضيق هرمز، مؤكدًا أنه سيفتح أمام الملاحة الدولية اعتبارًا من يوم التوقيع على الاتفاق؛ لكنه لم يوضح تفاصيل تتعلق بشروط العبور أو رسوم المرور.
وأكد أن النص الكامل لاتفاقية السلام سينشر فى إطار رسمى لاحقًا، معربًا عن توقعه بأن المرحلة الثانية من الاتفاق ستسير بوتيرة أسرع، وفيما يخص العقوبات نقلت مصادر إيرانية أن الولايات المتحدة ستسمح لطهران باستئناف بيع النفط والوقود فورًا كجزء من اتفاق إنهاء الحرب.
ولكن مسئولًا أمريكيًا أوضح أن هذا الامتياز مشروط بالتزام إيران ببنود الاتفاق، وعلى رأسها ضمان حرية الملاحة فى المضيق، وعدم السعى لامتلاك سلاح نووي.
وأما نائب وزير الخارجية الإيرانى مجيد تخت روانجي، فأعلن أن الحصار البحرى الأمريكى المفروض على الموانئ الإيرانية منذ شهرين قد رفع بالفعل، قبل التوقيع الرسمى المقرر يوم الجمعة، مؤكدًا أن رفع الحصار كان مطلبًا أساسيًا منذ بداية المفاوضات، فى المقابل انتقد نائب الرئيس الأمريكى جيه دى فانس بشكل غير مباشر المذكرة الأولية، مشيرًا إلى أنها لا تتجاوز صفحة ونصف، وأنها لم تعكس بشكل كافٍ الالتزامات الجوهرية التى تعهدت بها إيران، وهو ما اعتبره الخبراء دليلًا على هشاشة التفاهمات الأولية رغم أهميتها الرمزية.
أولويات اليوم التالي
وفى خضم الصراع برزت مجموعة من الأولويات والمشاريع الاستراتيجية التى اتخذتها دول الخليج كرد فعل مباشر للحرب والاضطرابات، بهدف حماية مصالحها الاقتصادية وضمان استمرار تدفق الطاقة والتجارة، حيث تم توسيع شبكات الأنابيب، فالإمارات سرعت إنشاء خط أنابيب الغاز بين الشرق والغرب لتجاوز مضيق هرمز، ما يضاعف القدرة التصديرية عبر ميناء الفجيرة، والسعودية رفعت تدفق النفط عبر خط بترولاين إلى طاقته التشغيلية الكاملة 7 ملايين برميل يوميًا، وذلك مع التصدير من ميناء ينبع على البحر الأحمر، والعراق أقر تسريع صادراته عبر خط كركوك جيهان، لكن النزاع مع تركيا يعرقل تشغيله بكامل الطاقة رغم إمكانية رفع الصادرات إلى 770 ألف برميل يوميًا، وأيضًا ظهرت روابط جديدة بين الموانئ، فالإمارات دشنت مجمع الذيد اللوجستى متعدد الوسائط؛ لربط موانئها الشرقية بالغربية مع إمكانية دمجه مستقبلًا فى شبكة قطار الاتحاد.
والسعودية أنشأت ممرًا جديدًا يجمع النقل البحرى والبرى بين الدمام والشارقة لتقليل الاعتماد على الطرق البحرية وتعزيز كفاءة العبور الحدودي، بالإضافة إلى مشاريع سكك حديدية الإمارات، والأردن اتفقتا على تطوير شبكة سكك حديدية مشتركة بقيمة 2.3 مليار دولار؛ لخفض تكاليف نقل الفوسفات والبوتاس وتحسين الخدمات اللوجستية عبر ميناء العقبة.
والسعودية أطلقت ممرًا دوليًا للبضائع يربط موانئها الشرقية بالحدود الأردنية، ما يقلص زمن الشحن إلى النصف، ويزيد القدرة الاستيعابية للنقل الإقليمى إلى جانب استمرار الاستثمارات العالمية.
ورغم الحرب فلم يتوقف تدفق الاستثمارات الخليجية نحو الاقتصادات الكبرى خصوصًا الولايات المتحدة، الإمارات أكدت التزامها باستثمار 1.4 تريليون دولار خلال عشر سنوات فى قطاعات الطاقة والبنية التحتية وصناعة الألمنيوم، وهو ما يؤكد رغبة الخليج فى تعميق الارتباط بالاقتصاد العالمي، ورغبته أيضًا فى تجاوز الأزمة والاتجاه نحو بناء بدائل استراتيجية طويلة الأمد تتجاوز نقاط الاختناق، وليس مجرد حلول مؤقتة بل تمثل ملامح سياسة جديدة تهدف إلى ترسيخ موقع المنطقة كعقدة مركزية فى شبكة التجارة والطاقة العالمية.
مكاسب وخسائر الحرب
يرى د. أحمد مكاوى الخبير السياسى وعضو المجلس المصرى للشئون الخارجية، إن الولايات المتحدة من البداية دخلت الحرب وهى تحمل أهدافًا بدت فى مضمونها شخصية مرتبطة بالرئيس الأمريكى نفسه، والذى تصرف وكأنه يقود العالم بأسره مدفوعًا بما يشبه داء العظمة وإحساسه بأنه رئيس للكون، هذا التوجه انعكس سلبًا على الداخل الأمريكي، حيث وجد الشعب نفسه فى مواجهة تدنٍ اقتصادى وتداعيات معيشية صعبة وانتقاد سياسى عالمي، كما امتدت الآثار إلى منطقة الخليج الحليف التقليدى للولايات المتحدة وإسرائيل أيضًا، حيث ساد الغضب الشعبى نتيجة ارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية، واستمرار حالة الحرب لسنوات.
وأضاف أن الحرب أظهرت أن الولايات المتحدة لم تحقق ما كانت تطمح إليه، بل على العكس فقد بدت وكأنها قللت من وزنها العسكرى والسياسى والاستراتيجى فى المنطقة.
ومن الواضح أن واشنطن تحاول الآن البحث عن مخرج آمن، يحفظ ماء الوجه لتبدو وكأنها ما زالت الطرف المسيطر، وقد تداول أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب كان يرغب فى توقيع الاتفاق الأولى مع إيران يوم عيد ميلاده، غير أن الحرس الثورى الإيرانى تنبه إلى ذلك وغير الموعد، حتى لا يفسر الأمر وكأنه هدية شخصية له.
وبالنسبة لإيران فقد أفرزت الحرب صراعًا داخليًا بين تيارين متناقضين، الإصلاحيون الذين رأوا فى الدبلوماسية المخرج الوحيد لتخفيف العقوبات وإنقاذ الاقتصاد، والمتشددون الذين اعتبروا أن هذا الاتفاق مع الولايات المتحدة يمثل تراجعًا لمحور المقاومة وتقليصًا لمكانة إيران الإقليمية.
وأكد مكاوى أن النتيجة النهائية التى يمكن استخلاصها هى أن هذه الحرب لم تنتج نصرًا حقيقيًا لأى طرف ولم تسجل هزيمة كاملة، الخاسر الأكبر كان الشعوب، شعوب المنطقة أولًا، وشعوب العالم المتأثرة بالحرب أيضً، الكل عانى من آثار القتل والدمار، إضافة إلى وقوع موجات هجرة ونزوح بسبب الوضع الانسانى المتردى.
وأما دول الخليج فقد تكبدت أعباء اقتصادية ونفسية ومعنوية جسيمة، وباتت عمليًا تتحمل فاتورة الحرب، إذ استخدمت أراضيها وأموالها كمنصة لتجارب السلاح الأمريكي، حتى فى مصر الأكثر استقرارًا فى المنطقة كانت التداعيات الاقتصادية واضحة، حيث تأثرت الأسواق وأسعار الطاقة بشكل مباشر.
تحولات ما بعد الحرب
وعلقت الدكتورة سلوى فراج أستاذ العلوم السياسة وعميد كلية التجارة جامعة قناة السويس، قائلة: إن التحالفات الدولية ستشهد تغيرًا جوهريًا فى بنيتها ومراكز ثقلها، حيث لم تعد مقتصرة على الغرب التقليدى بل بات الشرق فى موقع الصعود القوى والمؤثر، فالصين أصبحت طرفًا رئيسيًا فى معادلة دولية بالغة الأهمية، وروسيا استعادة دورها كقوة عالمية رغم محاولات الولايات المتحدة كبحها أو إبطاء تمددها.
وفى ظل هذا المشهد تسعى العديد من الدول إلى بناء علاقات متوازنة مع القوى الصاعدة وعلى رأسها الصين وروسيا، لما تمثله هذه الدول من مصادر قوة استراتيجية سواء فى مجال الطاقة أو من خلال التكتلات الاقتصادية الجديدة.
وهذه التحولات تمنح الدول فرصة لإعادة صياغة أدوارها ومواقعها، ضمن توازنات إقليمية ودولية جديدة تتجاوز الهيمنة الغربية التقليدية، وتفتح المجال أمام نظام عالمى أكثر تعددية وتنوعًا فى مراكز القرار والتأثير، خاصة بعد أن ظهرت الولايات المتحدة فى ظل إدارة ترامب بشكل مختلف ومثير للقلق.
وأضافت أن اللافت أيضًا هو دخول دول أمريكا اللاتينية على خط الأحداث، رغم انشغالها التقليدى بقضاياها الداخلية، إذ بدأت تتخذ مواقف إنسانية وقانونية تتماشى مع مبادئ القانون الدولي، وهو ما يعكس اتساع رقعة التفاعل الدولى ضد غطرسة الولايات المتحدة.
وأضافت على صعيد المكانة الدولية والوساطة، فلابد أن نثمن الدور الدولى الذى تلعبه مصر بقوتها الكامنة التى تفرض نفسها على الساحة العالمية، وأن مصر تظل فاعلًا رئيسيًا فى ملفات المنطقة كلها وصاحبة كلمة مسموعة فى المحافل الدولية.







