محمد جمال الدين
ميكروفونات وخناجر
فى الوقت الذى كان من المفترض فيه أن يكون الميكروفون أداة للبناء والتحليل، بات يستخدم اليوم من قبل البعض ممن يعملون فى إعلامنا الرياضى، كوسيلة للطعن والتشويه وإشعال الفتن بين جماهير الرياضة ولجميع الجهات التى تنتمى لهذا الوسط. وبدلا من أن تكون تلك الأداة (الميكروفون) وسيلة لبناء ثقافة رياضية صحية تستند على الروح الرياضية، تحول الى خنجر يمزق جسد الرياضة والمجتمع. من خلال سيناريوهات وهمية ومؤامرات تتحدث عن انحياز جهة ضد أخرى، وتحكيم موجه يمنح البطولة لهذا ويحجبها عن ذاك، سيناريوهات نجحت فى تحويل المدرجات الى ساحات قتال وسباب وتشويه سمعة، وتحريض وكراهية، للعب على عواطف الجماهير. وللأسف لاقت هذه السيناريوهات العفنة رواجا لدى بعضهم، والتى للأسف أيضا شارك فى صنعها من يطلق عليهم نقاد رياضيون أو إعلاميون، وضع أمامهم هذا الخنجر (أقصد الميكروفون) وهم فى الحقيقة لا يمتلكون من المهنية شيئا، بعد أن تغلبت عليهم عاطفة التعصب لكيانات رياضية دون أخرى، فبات دورهم ينحصر إما فى الدفاع عن الكيان، الذى يتقاضى منه راتبا، أو فى توجيه سهام النقد نحو اشخاص بعينهم لا أفعالهم. وبالمرة يحققون الشهرة لأنفسهم. وعلى الرغم من علمى وعلم الجميع، أن الإعلام الرياضى كان يقف فى الماضى على مسافة واحدة من الجميع، إلا أنه أصبح اليوم يعتمد على مشجعين يمسكون بميكروفونات لا إعلاميين، هؤلاء يديرون برامج رئيسية. تستخدم للدفاع المستميت عن نادٍ معين، والهجوم الضارى على المنافسين، فى مشهد يفتقر لأدنى معايير الشرف المهنى.
وبالتالى تحول هذا التحيز الفج حول الحوار الرياضى من نقاش عقلانى إلى (ردح إعلامي) يثير الغثيان، حيث تعمد هذا المسمى بالإعلامى زورا وبهتانا، أن يغرز خنجره المسموم، فى جسد المجتمع الرياضى، متغافلا أن الكلمة التى تخرج من ميكروفونه لا تموت فى الهواء، بل تسقط كشرارة بين بعض الجماهير المستعدة للانفجار فى أى لحظة، نتيجة لهذا الشحن الممنهج، الذى يدفع ثمنه الأندية وكذلك المجتمع. لكن سيادته لا يبالى ما دامت الشهرة تتحقق ورصيده فى البنك يتزايد، ورضا من يروج له أو يخدمه متواصل. ونسب المشاهدة لبرنامجه الغث ترتفع.
وهذا تحديدا ما جعل كل (من هب ودب) يجعل من نفسه إعلاميا، سواء كان لاعبا سابقًا، أو شخصًا لم يسبق له أن مارس ولو حتى (رياضة شد الحبل)، أو محسوبين على أندية بعينها، المهم معرفة من أين تؤكل الكتف، أقصد الكيان الذى سيقف فى صفه داعما.
بالمناسبة ما يحدث من قبل هؤلاء وبرامجهم ليس ببعيد عن قنوات الأندية (أقصد هنا الأهلى والزمالك) والتى كان من المفترض فيها أن تكون منصات وثائقية وتثقيفية لتوثيق الإنجازات وربط الجماهير بفرقها، تحولت فى كثير من الأحيان إلى (غرف عمليات) لإدارة المعارك وتوجيه طعنات الميكروفون. بدلاً من أن تكون صوتًا عاقلًا، أصبحت من المسببات الرئيسية لارتفاع وتيرة التعصب والاحتقان، لاعتمادها على البعض ممن اكتشفوا أن الطريق الأسرع لجنى الأموال وزيادة نسب المشاهدة لا يمر عبر التحليل الفنى الراقى، بل عبر إشعال الحرائق وزرع الفتنة والكراهية. وتهويل ما يحدث فى غرف الملابس.
ولهذا فإن استمرار إعلامنا الرياضى بهذا الشكل، ينذر بكارثة حقيقية تسحق فى طريقها ما تبقى من قيم رياضية، الغرض من ممارسة الرياضة نفسها، واعتقد أن الوقت قد حان للتصدى لهذه الكارثة. لتجريد هؤلاء الموتورين من خناجرهم المسمومة، لأن الصمت على هذه المهزلة الإعلامية لم يعد مقبولاً، والوقوف فى منطقة الحياد أمام هذا العبث يعد تواطؤًا صريحًا. ولن يأتى الحل إلا بتطبيق قوانين رادعة تمنع تحويل الإعلام إلى ساحة للردح وتصفية الأحقاد.







