بعد إشادات الجمهور والنقاد بعرض التياترو:
المخرج أحمد فؤاد: لا أحب البقاء داخل المنطقة الآمنة وكل عرض يفرض أبطاله
هبة محمد على
نجح عرض (التياترو) منذ انطلاقه على خشبة مسرح السلام فى لفت انتباه الجمهور والنقاد، ليس فقط لما يقدمه من جرعة كوميدية واستعراضات متنوعة، ولكن أيضا لما يطرحه من أفكار وأسئلة حول الفن والموهبة ومعايير النجاح فى زمن أصبحت فيه الشهرة السريعة أحيانا تتقدم على القيمة الحقيقية.
العرض الذى كتبه «أحمد الملوانى» ويلعب بطولته «نور محمود وأحمد السلكاوى، وعبدالمنعم رياض، ألحان المهدى، ومحمد يوركا، وشريهان الشاذلى» يأتى استمرارا لتجارب مسرحية عديدة قدمها المخرج «أحمد فؤاد» خلال السنوات الأخيرة، ونجح من خلالها فى لفت الأنظار إلى اسمه كأحد أبرز مخرجى جيله، خاصة بعد أعمال حققت صدى جماهيريًا ونقديًا مثل (أم كلثوم..دايبين فى صوت الست) و(متحف باكثير) وغيرهما من العروض التى اتسمت بالتنوع فى الشكل والمضمون، حتى بات اسمه عنصر جذب للجمهور، ويواصل «فؤاد» فى (التياترو) رهانه على تقديم لغة مسرحية مختلفة، وفى هذا الحوار يتحدث عن كواليس صناعة المسرحية، وفلسفته فى توظيف الاستعراض داخل الدراما، ورؤيته لفكرة تنوع تجاربه المسرحية.
ما الذى جذبك إلى نص (التياترو)؟
- النص فى الأصل فكرتى، وهو مستوحى من La Médiocratie للفيلسوف الكندى «آلان دونو»، وهو كتاب فلسفى يناقش علاقة المجتمع بالقيمة الحقيقية والتميز، وبعد أن انتهيت من تطوير الفكرة عرضتها على الكاتب «أحمد الملوانى» ليقوم بكتابتها كنص مسرحى، وما جذبنى إليها أنها تناقش قضية مهمة، وهى علاقة المجتمع بالفن، وكيف أصبحنا فى أحيان كثيرة نبحث عن «التريند» أكثر من بحثنا عن الموهبة الحقيقية، واستغرقنا أكثر من عامين من أجل تطوير النص، وكتبنا أكثر من 18 نسخة حتى وصلنا إلى الشكل الذى نقدمه اليوم على المسرح.
العرض يجمع بين الكوميديا والاستعراض، وفى الوقت نفسه يطرح أفكارا ورسائل فلسفية وإنسانية، فلو طُلب منك تصنيف (التياترو) فإلى أى نوع مسرحى تنتمى هذه التجربة؟
- أنا لا أميل كثيرا إلى التصنيفات الجامدة، و(التياترو) بالنسبة لى عرض متكامل يجمع أكثر من عنصر فنى فى الوقت نفسه، فهدفى كان تقديم وجبة مسرحية متكاملة تناسب جمهور المسرح العام، بحيث يستطيع الجميع مشاهدتها والاستمتاع بها دون حواجز، وبالتالى العرض فيه ضحك ورسالة وموسيقى واستعراض، ويقدم أشكالا متعددة من الفنون، وأعتقد أن هذه الروح قريبة جدا من طبيعة المسرح المصرى وقدرته على الجمع بين المتعة والفكرة فى الوقت نفسه.
يضم العرض عددًا من الفنانين الذين سبق أن تعاونت معهم فى أعمال سابقة، فإلى أى مدى تلعب الثقة والانسجام دورًا فى اختياراتك للممثلين؟ وهل تميل كمخرج إلى تكوين (شلة فنية) أم أن كل عرض يفرض اختياراته الخاصة؟
- بالفعل تعاونت قبل عامين مع «نور محمود» فى مسرحية (النقطة العميا) ومع «عبدالمنعم رياض» فى (خطة كيوبيد) قبل أربع سنوات، بينما هى المرة الخامسة التى أتعاون فيها مع «أحمد السلكاوى» الذى أراه فنانًا مميزًا جدًا، وقادرًا على شغل مساحات مختلفة داخل أى عرض، ومع ذلك أنا لست مع فكرة (الشلة الفنية) أو الاعتماد على فريق ثابت فى كل الأعمال، وأرى أن كل عرض يفرض احتياجاته الخاصة، واختيار الأبطال يرتبط بما تتطلبه الشخصيات، وبالتالى كان اختيارى لهؤلاء الأبطال فى المسرحية سببه أن النص والشخصيات مناسبين لقدراتهم الفنية.
أشاد كثير من الجمهور بتوظيف الاستعراضات داخل العرض، وأنها ليست مجرد فواصل غنائية، بل جزءا من السرد الدرامى، فكيف تعاملت مع هذه الفكرة؟
- الاستعراضات فى العرض جاءت استجابة لضرورة درامية حقيقية، فأنا فى الأصل راقص ومصمم استعراضات قبل أن أكون مخرجًا، و«محمد بيلا» مصمم الاستعراضات فى المسرحية هو صديقى، ولذلك نحن نتفق تمامًا على رفض فكرة الاستعراض لمجرد الاستعراض وفى كل أعمالى السابقة-باستثناء (أم كلثوم) كعرض غنائي- لم ألجأ إلى الاستعراض إلا عندما يكون له دور حقيقى داخل البناء الدرامى، وحتى فى (التياترو) الاستعراض يقوم بدور الانتقال بين المشاهد، ويختصر أحيانا مساحات كبيرة من الحوار، فبدلا من شرح فكرة أو حدث عبر مشهدين أو ثلاثة، يمكن لاستعراض واحد أن يحقق هذا الهدف بشكل أكثر كثافة وجمالاً.
قدمت خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا عروضًا حققت نجاحًا كبيرًا مثل (دايبين فى صوت الست) و(متحف باكثير) ثم (التياترو)، فهل تؤمن بفكرة التراكم والزخم من خلال العمل المتواصل، أم أن المخرج يحتاج أحيانا إلى التوقف والتقاط النفس بين التجربة والأخرى؟ وكيف تحافظ على اختلاف الرؤية والأسلوب بين هذه العروض؟
- أنا لا أرتب الأمر بهذه الطريقة، فالإخراج بالنسبة لى مرتبط بالفكرة التى تشغلنى فى لحظة معينة أكثر من ارتباطه بفكرة التواجد المستمر أو تقديم عدد محدد من الأعمال، أحيانًا تكون هناك مجموعة من الأفكار المتلاحقة التى تدفعنى للعمل بشكل متواصل، وأحيانا أخرى قد تمر فترة طويلة دون أن أجد المشروع الذى أشعر بأنه يستحق أن أقدمه.. أما مسألة الاختلاف بين العروض فهى مقصودة، فأنا لا أحب البقاء داخل منطقة آمنة، وأؤمن أن المخرج يجب أن يمتلك أدوات متنوعة تسمح له بتقديم أشكال وتجارب مختلفة. لذلك أحرص دائمًا على أن تكون كل تجربة مختلفة عن سابقتها، حتى يظل عنصر المفاجأة حاضرًا لدى الجمهور.
اعتاد الجمهور لفترة طويلة أن يرتبط العرض المسرحى بأسماء أبطاله، لكن فى السنوات الأخيرة أصبح اسم «أحمد فؤاد» نفسه عامل جذب لدى قطاع من الجمهور، فهل تعتبر ذلك مكسبًا أم عبئًا؟
- أعتبره فضلا من الله فى المقام الأول، فهذه الحالة ليست شائعة فى مجال الإخراج، إذ غالبا ما يرتبط العمل بأسماء النجوم المشاركين فيه، وأن يصل المخرج إلى مرحلة يذهب فيها الجمهور لمشاهدة العمل لأنه يحمل اسمه، يعنى أن هناك حالة من الثقة تشكلت عبر السنوات، وأن الجمهور يشعر أن المخرج يحترم عقله وأصبح لديه يقين بأنه سيشاهد مستوى معينًا من الجودة، لكن فى الوقت نفسه هذه الثقة تمثل مسئولية كبيرة، لأنك تصبح مطالبًا فى كل تجربة جديدة بأن تحافظ على هذا الرصيد.







