عودة الحريف بعد 43 عامـا:
مهرجان الغردقة لسينما الشباب ينتصر لـ«محمد خان» ويحتفى بالمهمشين
آية رفعت
لم يكن الإعلان عن البوستر الرسمى للدورة الرابعة من مهرجان الغردقة لسينما الشباب مجرد كشف عن ملصق دعائى جديد، بل بدا وكأنه بيان فنى وثقافى يحمل موقفًا واضحًا تجاه الذاكرة السينمائية المصرية، ويعيد طرح سؤال طالما شغل المهتمين بالفن: كيف نحتفى برموزنا الكبار دون الوقوع فى فخ التكرار؟
فمع اقتراب انطلاق الدورة الرابعة للمهرجان، المقرر إقامتها خلال الفترة من 10 إلى 15 سبتمبر 2026، فاجأت إدارة المهرجان الوسط السينمائى باختيار بوستر فيلم «الحريف» للمخرج الراحل «محمد خان» ليكون الشعار الرسمى للدورة الجديدة، فى خطوة أثارت حالة واسعة من الجدل والترحيب فى الوقت نفسه، خاصة أنها تأتى بالتزامن مع مرور عشر سنوات على رحيل أحد أهم صناع الواقعية الجديدة فى السينما المصرية.
فكر بروح المهرجان
اللافت أن أغلب الفعاليات والمهرجانات السينمائية هذا العام اتجهت للاحتفاء بمئوية المخرج العالمى «يوسف شاهين»، بينما اختار مهرجان الغردقة أن يلتفت إلى ذكرى أخرى ربما لم تحظ بالاهتمام الكافى، وهى الذكرى العاشرة لرحيل «محمد خان»، أحد أبرز المخرجين الذين أعادوا اكتشاف الإنسان المصرى البسيط وقدموه على الشاشة بصدق استثنائى.
السيناريست «محمد الباسوسى»، رئيس مهرجان الغردقة لسينما الشباب، أكد فى تصريحات خاصة لـ«روزاليوسف» أن فكرة البوستر جاءت بعد سلسلة طويلة من الاجتماعات والنقاشات داخل إدارة المهرجان، التى تسعى كل عام لتقديم تصميم مختلف يحمل روح المهرجان وفلسفته.
وقال «الباسوسى» إن الإدارة كانت حريصة على الابتعاد عن القوالب التقليدية المعتادة فى تصميمات المهرجانات السينمائية، والتى تعتمد غالبًا على البحر أو شريط السينما أو الرموز البصرية المتكررة، موضحًا أن البحث هذه المرة انطلق من محاولة إيجاد فكرة تمتلك قيمة فنية ورسالة ثقافية فى الوقت نفسه.
وأضاف: إن النقاشات قادت فى النهاية إلى الاحتفاء بمرور عشر سنوات على رحيل «محمد خان»، خاصة مع وجود خطة متكاملة لإقامة احتفالية كبيرة تليق باسمه وإرثه الفنى خلال الدورة المقبلة، ومن هنا جاء التفكير فى ربط البوستر الرسمى بالمخرج الراحل، ليقع الاختيار بالإجماع على ملصق فيلم (الحريف).
ويرى «الباسوسى» أن اختيار بوستر لفيلم سينمائى ليصبح شعارًا لمهرجان ليس أمرًا غريبًا أو غير مسبوق، مشيرًا إلى أن مهرجان «كان» السينمائى نفسه سبق أن استخدم صورًا وملصقات مرتبطة بأفلام ونجوم كبار فى تصميماته الرسمية.
(الحريف).. المهشمين فى المجتمع والسينما
(الحريف) بالنسبة لإدارة مهرجان الغردقة لم يكن مجرد فيلم ناجح فى تاريخ السينما المصرية، بل عمل يحمل روح المهرجان نفسه. فالفيلم الذى قدمه «محمد خان» عام 1983، وشارك فى تأليفه مع السيناريست «بشير الديك»، يعد واحدًا من أبرز الأفلام التى إنحازت للمهمشين والبسطاء وأبطال الحياة اليومية.
ويتذكر «الباسوسى» جيدًا تأثير الفيلم وقت عرضه الأول، عندما كان طالبًا فى الجامعة، وكيف استطاع «عادل إمام» أن يقدم صورة مختلفة للبطل السينمائى المعتاد، بعيدًا عن النمط التقليدى للبطل المنتصر دائمًا، ليجسد شخصية «فارس»، العامل البسيط الذى يعيش على هامش المجتمع ويصارع من أجل إثبات ذاته وسط أزمات الحياة اليومية.
ويحكى الفيلم، المستند إلى قصة حقيقية مستوحاة من حياة أسطورة الكرة الشعبية «سعيد الحافى»، رحلة رجل يعمل فى مصنع للأحذية ويعيش وحيدًا بعد انفصاله عن زوجته، بينما يجد ملاذه الوحيد فى مباريات كرة الشارع التى يخوضها فى شوارع القاهرة وأحيائها الشعبية.
ومن خلال هذه الشخصية، تمكن «محمد خان» من كسر البناء الكلاسيكى للحكاية السينمائية، والغوص داخل النفس الإنسانية بكل تناقضاتها وضعفها وأحلامها المكسورة، ليصنع أحد أهم أفلام الواقعية المصرية الحديثة.
ولأن «الحريف» كان دائمًا فيلمًا عن المهمشين، فإن روح الدورة الرابعة من مهرجان الغردقة ستسير فى الاتجاه نفسه، بحسب «الباسوسى»، الذى كشف عن خطة واسعة للتواصل مع أبناء المدينة والشباب غير المتخصصين فى المجال السينمائى.
وأوضح أن المهرجان لن يكتفى هذا العام بعروض الأفلام والندوات، بل سيعمل على تنظيم ورش تدريبية متخصصة لأهالى الغردقة على مدار العام، بهدف اكتشاف المواهب الجديدة ومنحها فرصًا حقيقية للتعلم والإبداع. وأشار إلى أن أحد أحلام إدارة المهرجان خلال السنوات الماضية كان إعادة تشغيل قصر ثقافة الغردقة وتفعيله كمركز دائم للأنشطة الفنية، وهو ما تحقق بالفعل، لتبدأ مرحلة جديدة من العمل المستمر بعيدًا عن أيام المهرجان فقط.
وأكد أن الورش السينمائية ستقام بشكل دورى طوال العام، على أن يتم عرض نتاجها خلال الدورات المقبلة للمهرجان، مع السعى لترشيح الأعمال المتميزة للمشاركة فى مهرجانات محلية ودولية أخرى، بما يخلق منصة حقيقية لدعم المواهب الشابة.
احتفالية خاصة بـ«خان»
أما الاحتفاء بـ«محمد خان»، فيؤكد «الباسوسى» أنه لن يقتصر على استخدام بوستر «الحريف» فقط، بل ستشهد الدورة الرابعة برنامجًا خاصًا لتكريم اسم المخرج الكبير، يتضمن عرض عدد من أبرز أعماله السينمائية، إلى جانب استضافة مجموعة من المخرجين والفنانين الذين عاصروه وعملوا معه، فى محاولة لاستعادة تجربته وتأثيره الكبير على أجيال متعاقبة من السينمائيين.
وفى المقابل، نفى رئيس المهرجان وجود أى خطط لإقامة احتفالية خاصة بمئوية «يوسف شاهين» خلال الدورة المقبلة، موضحًا أن المهرجان سبق أن احتفى باسمه فى دورته الأولى من خلال تكريم خاص بمناسبة مرور 15 عامًا على رحيله، وشمل تكريم عدد من شركائه وأصدقائه وصناع أفلامه، من بينهم المنتج «جابى خورى» والفنان «هانى سلامة».
وأضاف: إن إعادة الفكرة نفسها الآن لن تقدم جديدًا، مؤكدًا أن فلسفة المهرجان تقوم على البحث الدائم عن زوايا مختلفة وأفكار غير تقليدية تضيف إلى المشهد السينمائى ولا تكرر ما قدمته المهرجانات الأخرى.
وكشف «الباسوسى» أن باب التقديم للدورة الجديدة فُتح مطلع مايو الماضى، وأن المهرجان استقبل بالفعل مئات الأفلام من مختلف دول العالم، مشيرًا إلى أنه يحرص شخصيًا على مشاهدة الأعمال المرشحة للمسابقات المختلفة، بما فيها أفلام الطلبة، للتأكد من مستوى الجودة الفنية للأفلام المختارة.
التصريح الرسمى للمهرجان
وقد نفى «الباسوسى» ما تردد خلال الفترة الماضية بشأن وجود ملاحظات رسمية من لجنة المهرجانات بوزارة الثقافة على المهرجان، مؤكدًا أن إدارة المهرجان لم تتلق أى مخاطبات رسمية فى هذا الشأن، وأنها حصلت بالفعل على الموافقات اللازمة لإقامة الدورة الرابعة.
ويبدو أن مهرجان الغردقة لسينما الشباب قرر هذا العام أن يرفع شعارًا غير معلن وهو: الانحياز إلى من يقفون خارج الضوء. لذلك لم يكن اختيار «الحريف» مجرد بوستر، بل إعلانًا عن دورة تحتفى بالمهمشين، وتعيد الاعتبار لمخرج كبير اسمه «محمد خان»، ظل طوال مسيرته السينمائية يبحث عن أبطال يشبهون الناس أكثر مما يشبهون الأساطير.







