الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
عقد رقمى جديد

عقد رقمى جديد

مثل هذا التقرير تنتفض له حكومات ومجالس نيابية، وتحتشد جهود مؤسسات ووسائل إعلام، ويصبح محور الاهتمام الرئيسى للرأى العام المنشغل (أو الذى يشغله أسرى ومهاويس ومتأمرو منصات التواصل الاجتماعي) بأمور تافهة وقضايا مصطنعة، بينما تبقى قضاياه الكبرى حبيسة الصدور والمكاتب المغلقة أو غارقة فى دوامات التشوش والاستسلام والكسل!



عن «بيت الخبرة للعلوم الاجتماعية» فى جامعة القاهرة، صدر مؤخرًا تقرير شديد الأهمية والخطورة عن «الطفل والعالم الافتراضى».. ذلك العنوان الذى نتداوله منذ سنوات فى الخطاب الرسمى والإعلامى وفى الندوات والمؤتمرات ولكن ببطء وبأداء روتينى، دون نتائج ولا تأثير حقيقى على مستوى الوعى العام، ودون إجراءات مؤسسية تنفيذية وتشريعية حتى اللحظة توقف (أو تقلل) خطرًا حقيقيًا أحاط فعليًا بجيل هو المستقبل بذاته.

هذا التقرير العلمى الذى شارك فيه أساتذة كبار وباحثون شبان تحدث بوضوح عن «بيئة تنشئة موازية» أصبحت لها السيادة والسيطرة على كل من هم دون 18 عامًا، وحدد مخاطر مرعبة يستحق كل منها أن نقف أمامه بمنتهى الجدية واليقظة وأن تأخذ الأولوية الأولى فى اهتماماتنا، ووصفها بأنها «مخاطر متعددة الأبعاد تهدد سلامة الطفل» وبأنها «عابرة للحدود الثقافية» فى ظل الاستخدام المبكر وغير المنضبط للمنصات الرقمية والألعاب الإلكترونية.

ويمكن هنا أن نقف عند تأثيرات نفسية وسلوكية ذكرها التقرير مثل «ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب» و«الإدمان الرقمى» و«ضعف تقدير الذات» الناتج عن المقارنات الزائفة مع أطفال آخرين يعرضون مستوى ومظاهر حياة شخصية لا يعيشها أغلب أقرانهم.

 يمكن أيضًا أن ندرك خطورة تأثيرات اجتماعية تكاد تكون قد أصبحت «أوبئة» مثل شيوع «التنمر الإلكترونى» و«الابتزاز الرقمى»، وأيضًا ما أسماه التقرير - فى توصيف مؤلم - «الطلاق العاطفى الرقمى» داخل الأسرة الواحدة، حيث ينعزل الطفل فى خندق وسائل التواصل والألعاب الإلكترونية عن أهله المعزولين أصلًا فى خنادقهم الشخصية.

ولن يكون مستغربًا مع هذا النمط الحياتى اليومى أن تتوحش مخاطر صحية تفترس أطفالًا صغارًا، مثل السمنة واضطرابات النوم وضعف الإبصار، وأيضًا «متلازمة نَص الرقبة» الناتجة عن الإجهاد المتكرر للعمود الفقرى العنقى وانحناء الرأس المستمر للأمام وللأسفل خلال التعامل مع الهواتف والأجهزة.

مخاطر أمنية جسيمة حذر منها التقرير كذلك، أهمها «المخدرات الرقمية» و«المقامرة الإلكترونية»، والظاهرة الأخطر «الطفل المؤثر» الذى يتم استغلاله اقتصاديًا - من أهله على الأغلب - دون أطر قانونية تحميه. 

وفى قراءة اقتصادية كشف التقرير عما اعتبره «فجوة وأرقام صادمة» حين تحدث عن التكاليف غير المباشرة مؤكدًا أن الاستخدام الرقمى المفرط لم يعد مجرد مشكلة تربوية، بل تحول إلى عبء اقتصادى يهدد رأس المال البشرى المستقبلى، فهناك تكاليف مترتبة على مشكلات الأطفال الرقمية مثل رعاية الاضطرابات النفسية والجسدية، والخسائر الإنتاجية الأسرية لاضطرار بعض الأهالى لتقليص ساعات عملهم أو ترك وظائفهم أحيانًا والخطير أن ذلك يتكلف نسبة من 85 % إلى 88 % من إجمالى تكاليف الرعاية الأسرية فى بعض الحالات (!!)

الخطير أيضًا هو وجود «فجوة رقمية واجتماعية» قال التقرير أنها: «تعيد إنتاج عدم المساواة»، حيث تستفيد الأسر الميسورة من الفرص التعليمية الرقمية بينما لا يتمكن من ذلك أطفال الأسر الأقل دخلًا.

وربما يكون أهم ما فى التقرير- فى تقديرى - هو ما وصل إليه بعد المقارنة بين التشريعات الدولية، من أن وضع قيود عمرية على الإستخدام الرقمى غير كافٍ وذلك لسهولة التحايل عليها، ليس فقط من جانب الأطفال المستخدمين، بل أيضًا - للأسف - من جانب الأهالى الذين يفعلون ذلك تحت إلحاح أطفالهم (!!).. لذلك أوصى التقرير بضرورة إلزام منصات التكنولوجيا عالميًا ومحليًا بتطبيق مايُسمى «الأمان بالتصميم» وتفعيل آليات دقيقة للتحقق من العمر.

 قد لا يكون ما ورد فى تقرير جامعة القاهرة الذى يطالب بتدشين «عقد رقمى جديد»،غريبًا على المختصين والمهتمين ولا جديدًا عليهم.. وأعلم أن هناك عشرات الدراسات والكتب التى صدرت عن تلك القضية الخطيرة.

ولكن السؤال : هل انتبهنا لها؟ وماذا فعلنا بها؟

علينا الآن أن نقف بشجاعة واهتمام فى مواجهة هذا التحدى الذى إن استسلمنا له نكون قد طعننا بأيدينا مستقبلنا فى مقتل.