الأربعاء 24 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

أول فيلم منتج بالكامل بالذكاء الاصطناعى فى مهرجان تريبيكا

«أحلام البنفسج» يشعل الجدل حول مستقبل السينما

لم يكن أشد المتفائلين بالتقنية أو أكثرهم تشاؤمًا يتخيل، حتى قبل سنوات قليلة، أن تقف صناعة السينما على حافة تحول جذرى يعيد تعريف وجودها نفسه. وبعد تخوفات وجدل كبير حول استخدامات الذكاء الاصطناعى جاء الإعلان عن مشاركة فيلم روائى طويل فى مهرجان دولى.. فيلم لا يشارك فيه ممثلون، ولا يتحرك فيه طاقم تصوير تقليدى، ولا تلتقط فيه عدسة كاميرا مشهدًا واحدًا، وهو ما بدا لفترة طويلة كأنه سيناريو خيال علمى أكثر منه احتمالًا واقعيًا.



لكن عام 2026 جاء ليكسر هذا التصور بالكامل، حاملًا لحظة مفصلية فى تاريخ الفن السابع؛ إذ استقبل مهرجان تريبيكا السينمائى الدولى بنيويورك فى دورته الخامسة والعشرين فيلم «أحلام البنفسج» (Dreams of Violets)، وهو عمل روائى طويل مُنتَج بالكامل عبر تقنيات الذكاء الاصطناعى التوليدى، ليصبح أول اختبار علنى واسع النطاق لحدود السينما كما عرفها العالم لأكثر من قرن.

وفى لحظة لا تخلو من الدلالة، وجد النموذج السينمائى الذى مثّلته «هوليوود» أمام سؤال غير مسبوق: هل ما زالت أدواته التقليدية قادرة على المنافسة، أم أن ما يحدث ليس مجرد تطور تقني… بل بداية اهتزاز فى مركز صناعة كاملة؟

 عصر التزييف

لا يمكن قراءة حالة الجدل الراهنة تجاه هذا العمل دون العودة بذاكرة السينما إلى الوراء. ففى التسعينيات، عاشت هوليوود صراعًا أخلاقيًا شبيهًا عندما بدأ المخرجون والممثلون يتمردون على استخدام المؤثرات البصرية الرقمية لتعديل ملامح النجوم. وكما أشارت مجلة «فارايتى» الأمريكية فى أرشيفها، كان هناك إجماع بين كبار المخرجين على أن «أصالة» السينما تكمن فى التجاعيد الحقيقية وفى تعبيرات الممثل التى تحمل ثقل تجاربه الإنسانية، لا فى التجميل الرقمى المصطنع.

بينما انتقل اليوم هذا الصراع من مجرد «تحسين» الملامح إلى «خلق» الفيلم من العدم. فإذا كانت مخاوف التسعينيات تتمحور حول «تزييف الواقع»، فإن مخاوف عام 2026 تدور حول «استبدال المبدع» ذاته. بعدما أصبح الذكاء الاصطناعى قادرًا على «النهب الفنى» عبر تدريبه على ملايين الأعمال السابقة لصياغة مشهد جديد، وهو ما يراه النقاد انتهاكًا لحقوق الملكية والجهد البشرى.

وبحسب تحليل نشرته صحيفة «ذا جارديان» البريطانية، فإن الخطر يكمن فى سرعة استبدال الوظائف البشرية التى تمنح الفيلم عمقه العاطفى، مما يجعل صراع الأمس يبدو وكأنه نزهة مقارنة بالزلزال الذى يحدثه النظام التقنى الحالى.

 دراما من خلف الجدار

خلف هذا المشروع يقف المخرج «آش كوشا»، الذى اختار الاعتماد على النماذج التوليدية لعدم قدرته على التواجد فى إيران أو استقطاب طاقم عمل فى ظل الظروف السياسية والأمنية هناك. استغرق العمل ثلاثة أشهر من البحث والتوليد عبر أدوات مثل «كلينج AI» و»كلاود AI»، بتكلفة لم تتجاوز 2000 دولار، وهو رقم يقل عن ميزانية تغذية طاقم عمل فى فيلم مستقل صغير!

ويتناول الفيلم فى 75 دقيقة معاناة خمسة إيرانيين قبل تنفيذ حكم الإعدام فيهم، يراقبهم صبى صغير مصاب بالشلل الدماغى من نافذته. كوشا يرفض وصف فيلمه بـ «التمرين التقنى»، مؤكدًا أنه محاولة لتخليد قصة إنسانية يعجز عن الوصول إليها ماديًا، واصفًا عمله بأنه «نصب تذكارى رقمى خلف جدار لا يمكن عبوره».

 صدام المهرجانات

تتفاوت مواقف المهرجانات تجاه هذه الظاهرة. ففى حين شهد مهرجان «كان» عرضًا لفيلم «Hell Grind» على هامش «سوق الفيلم» لا فى المسابقة الرسمية، حيث وضعت الإدارة حواجز صريحة ضد أعمال الذكاء الاصطناعى، اختار «تريبيكا» مسارًا مغايرًا.

ويشير موقع «إندى واير» إلى أن استراتيجية «تريبيكا» قد تكون محاولة للريادة فى تقبل التطور التكنولوجى، لكنها تضع المهرجان فى مأزق أخلاقى؛ فهل يتعامل مع هذه الأعمال كأفلام كلاسيكية، أم يحتاج لابتكار تصنيف جديد يسمى «السينما التوليدية»؟

 رفض الجمهور

انفجرت التعليقات على منصات التواصل؛ فالجمهور الذى يرى فى السينما «مرآة للواقع البشرى» عبر عن مخاوف متزايدة. أما النقد الأبرز فكان حول الخوارزميات التى تستنزف موارد هائلة من الطاقة لتشغيل مراكز البيانات، فى وقت تدعى فيه الأفلام مناقشة قضايا إنسانية. كما أن غياب «العنصر البشرى» فى الإنتاج يجعل الفيلم أشبه بـ «لوحة بلا روح» تفتقر لتلك اللحظة العفوية التى تلمس قلب المشاهد.

ووفقًا لتحقيق أجرته صحيفة «واشنطن بوست»، تقف الصناعة أمام مفترق طرق، حيث تضغط النقابات الفنية فى الولايات المتحدة لسن تشريعات تضمن «توقيعًا بشريًا» على الأعمال، خوفًا من موجة أفلام منخفضة التكلفة تهدد أرزاق الآلاف.

 حرب القوة الناعمة

لا يمكن فصل عرض «أحلام البنفسج» عن سياقه السياسى المشحون. إذ يندرج اختيار موضوع «المعارضة الإيرانية» والتركيز على معاناة المدنيين تحت ما يُعرف بـ«الحرب بالوكالة عبر الأدوات الناعمة»، وهو ما ذكرته صحيفة «وول ستريت جورنال» مؤكدة وجود توجه داخل الولايات المتحدة الأمريكية فى أروقة الفن والإعلام للتحريض على النظام الإيرانى بعد فشل المواجهات العسكرية فى تحقيق أهداف الإدارة الأمريكية.

فبدلًا من الصواريخ العابرة للقارات، يتم الاعتماد هنا على فيلم يخاطب الرأى العام، محولًا القضية من ملف سياسى جاف إلى مأساة إنسانية تعزز الضغط الشعبى. وهى استراتيجية ذكية، فى نظر المراقبين، لتجنب خيبة أمل الحرب التى انتهت بخروج الرئيس الأمريكى دونالد ترامب «خالى الوفاض» من تطلعاته الكبرى.

وتكمن المفارقة فى أن المخرج استغل تقنيات التوليد لتصميم واقع لا يمكن تصويره ميدانيًا. هذا التناقض بين «المنفى الجغرافى» و«التمكين الرقمى» يخلق نمطًا من السينما التى لا تنبع من التجربة المباشرة فى الأرض، بل من «تجميع البيانات». يمنح هذا النوع من السينما «الخوارزمية» صانعها حصانة من المخاطر الأمنية، ولكنه يضع المهرجانات فى جدل أخلاقي: هل نحن أمام عمل فنى، أم أمام «وثيقة سياسية» مُنتجة تقنيًا لخدمة أجندات معينة؟ وبعدما أثبتت التجربة أن التكنولوجيا تنحاز لمن يمتلك خوارزمياتها ومن يغذيها بالبيانات. ومع دخول الذكاء الاصطناعى بقوة فى صناعة الأفلام، سيصبح من الصعب على المشاهد التمييز بين ما هو «واقع معاش» وبين ما هو «واقع مُصمم» لغايات سياسية، مما يجعل هذه الأفلام «الوقود الجديد» للدبلوماسية العامة.

 نهاية السينما!!

لكن، يظل الفارق الجوهرى أن السينما كانت دائمًا «فن تجسيد الإنسانية». وإذا نجح الذكاء الاصطناعى فى محاكاة تلك الإنسانية، فهل سنظل بحاجة للبشر؟ هذا هو السؤال الذى سيبقى معلقًا فى أروقة «تريبيكا» هذا العام، وسيكون الفيلم نفسه هو الحكم الوحيد. ربما نكتشف فى النهاية أن السينما قادرة على استيعاب كل شيء، ما دام هناك قلب بشرى يقرر ما الذى يستحق حقًا المشاهدة.