لسه الصحافة ممتعة
روزاليوسف
فى زمنٍ يقال فيه كل يوم إن الورق ينسحب، وإن الشاشات انتصرت، والقراءة أصبحت عادةً من الماضي، تأتى صورة عابرة داخل عربة مترو لتقول شيئا مختلفا تماما.
رجلٌ يجلس فى هدوء بين عشرات الركاب، لا ينظر فى هاتف، ولا يتنقل بين مقاطع قصيرة، بل ينحنى على صفحات مجلة روزاليوسف يقرأها باهتمام وتركيز. مشهد بسيط ربما يمر على كثيرين دون انتباه، لكنه بالنسبة لنا يحمل معنى أكبر بكثير من مجرد قارئ يطالع مجلة. إنه تذكير صامت بأن العلاقة بين الصحافة وقارئها لا تزال حية، وأن الكلمة الجيدة ما زالت قادرة على أن تجد طريقها إلى الناس.
حين وصلت هذه الصورة إلينا فى «روزاليوسف»، لم يكن أول ما فكرنا فيه عدد النسخ أو مؤشرات التوزيع. كان الشعور الأول هو الامتنان. الامتنان لأن هناك قارئًا منح وقتًا من يومه ليفتح صفحات المجلة وسط زحام الحياة..هذه هى الجائزة الحقيقية للصحافة.
قد تحصد المؤسسات الجوائز، وقد تتصدر الموضوعات قوائم القراءة، وقد تحقق المواد الصحفية انتشارًا واسعًا، لكن المكسب الأكثر قيمة يظل دائمًا تلك اللحظة الإنسانية الخالصة التى تجد فيها مطبوعتك بين أيدى الناس. لحظة تؤكد أن ما يُكتب لا يضيع فى الفراغ، وأن الرسالة تصل، وأن الصحافة لا تزال قادرة على أن تكون جزءًا من الحياة اليومية للمجتمع.
ولعل ما تمنحه هذه الصورة يتجاوز الاحتفاء بقارئ.
إنها احتفاء بفكرة الوصول نفسها، فالمجلة التى تنجح فى مرافقة قارئ فى طريقه إلى عمله أو منزله، هى مجلة ما زالت تؤدى دورها الحقيقي، والصحافة التى تستطيع أن تحجز لنفسها مكانًا وسط هذا الزخم الهائل من المحتوى المتدفق كل ثانية، هى صحافة تمتلك ما يستحق أن يقرأ.
من هنا تكتسب الصحافة الورقية قيمتها المستمرة، ليس لأنها تنافس الوسائط الجديدة أو تعاديها، بل لأنها تقدم تجربة مختلفة. فالورق يمنح القارئ فرصة للتأمل، ويمنح المادة الصحفية عمرًا أطول من عمر اللحظة العابرة. وبينما تتزاحم الأخبار على الشاشات ثم تختفى سريعا، تبقى المجلة وثيقة وشاهدا وسجلا يمكن العودة إليه مرارا.
كما أن هذه الصورة تذكرنا بقيمة الصحافة القومية التى ظلت لعقود جزءا من الذاكرة الوطنية والثقافية للمصريين.
هذه المؤسسات لم تكن مجرد ناشر للأخبار، بل مدرسة لصناعة الوعي، ومنبرا للحوار، وحاضنة لأجيال من الصحفيين والمبدعين والمفكرين، وما زالت قادرة على أداء هذا الدور كلما تمسكت بمعايير المهنية، وراهنت على المحتوى الجاد، واقتربت من هموم الناس وتطلعاتهم.
لهذا لا نرى فى هذه الصورة مجرد قارئ فى المترو.. بل نرى حكاية كاملة عن معنى الصحافة، وعن قيمة الجهد الذى يبذل خلف كل عدد، وعن ذلك الخيط الرفيع الذى يربط بين الكاتب والقارئ مهما تغيرت الوسائط والأزمنة، نراها شهادة على أن الكلمة الجيدة لا تشيخ، وأن المحتوى الذى يحترم عقل الناس يجد دائمًا من يبحث عنه.
ولهذا أيضًا نقول بثقة.. ما دامت هناك عين تبحث عن المعرفة، وما دامت هناك يد تمتد إلى مجلة أو صحيفة لتقلب صفحاتها بشغف، فستظل الصحافة ممتعة، وستظل قادرة على الحياة والتأثير.
وبينما نحتفى بصورة قارئ منحنا لحظة أمل جميلة، فقدت «روزاليوسف» أحد أبرز الفنانين الذين تركوا بصمتهم على صفحاتها وذاكرة قرائها، الفنان الكبير إسماعيل دياب، الذى فقدناه هذا الأسبوع بعد رحلة طويلة من الإبداع أثرت المجلة وأثرت فى أجيال من قرائها، لتبقى أعماله شاهدة على موهبة استثنائية لن تنسى.







