السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

7 ساعات فى الوادى المقدس طوى

التجلى الأعظم.. مصر تهدى العالم عاصمة روحية

خلعتُ «نعليَّ».. لا مجازًا هذه المرة؛ بل حقيقة كاملة، وأنا أعبر إلى الوادى المقدس طوًى، ممتثلاً للنداء الإلهى الذى خاطب االله به نبيه موسى عليه السلام: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى)  «طه، الآية 12».



فى تلك اللحظة شعرت أن الإنسان، مَهما حمل فوق كتفيه من ضجيج الدنيا لا يملك أمام رهبة المكان إلا أن يتجرد من كل شىء؛ من صَخبه، ومن أسئلته، ومن أثقال الأيام التى تراكمت فوق روحه.. ومنذ زيارتى الأولى إلى جنوب سيناء قبل سنوات طويلة ظلت هذه الأرض تثير داخلى أسئلة لا تنتهى.

 

كلما اقتربت من جبالها الصامتة أو سرت بين وديانها الممتدة وسط الصخور القديمة كنت أتساءل: لماذا اختار الله هذه البقعة تحديدًا لتكون أرض الوحى والمناجاة؟ 

ولماذا ارتبط اسم الوادى المقدس طوًى وجبل الطور بسيرة النبى موسى عليه السلام دون غيرهما من بقاع الأرض؟ 

وما السّر فى اقتران شجرة الزيتون المباركة بطور سيناء فى القرآن الكريم؟ وهل «حوريب» المذكور فى التوراة هو نفسه «طور سيناء» و«طور سينين» الواردان فى النص القرآنى؟

لم تكن الإجابات مجرد روايات شعبية متوارثة؛ بل وجدتها متناثرة بين كتب التفسير، والمَراجع الجغرافية القديمة، والنصوص الدينية التى تعاملت مع سيناء باعتبارها أرضًا استثنائية جمعت بين قداسة السماء وعمق التاريخ. 

فالقرآن الكريم ذكر سيناء فى أكثر من موضع، فى سور طه، والنازعات، والتين، والمؤمنون، والبقرة، فى حضور يكشف المكانة الروحية الفريدة لهذه الأرض فى الوجدان الإنسانى.

وفى تفسير قوله تعالى: (إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) يرى المفسرون أن «طوًى» اسم حقيقى لوادٍ مقدس فى جنوب سيناء اكتسب قداسته من وقوع التكليم الإلهى فيه.. وتصفه كتب التراث بأنه الوادى الواقع بجوار جبل الطور، بالقرب من المنطقة المعروفة اليوم بوادى الراحة؛ حيث تلقى النبى موسى عليه السلام النداء الإلهى للمرة الأولى.

أمّا تعدد أسماء الجبل بين «حوريب» فى التوراة و«طور سيناء» و«طور سينين» فى القرآن فلا يعنى تعدد المواقع بقدر ما يعكس اختلاف اللغات والتسميات عبر العصور..  فكثير من الباحثين يؤكدون أن هذه الأسماء تشير إلى الجبل نفسه أو إلى المنطقة المحيطة به فى جنوب سيناء؛ حيث يقع جبل موسى الحالى بارتفاعه الشاهق وإطلالته المهيبة التى جعلته مقصدًا للحجاج والرّحّالة عبر مئات السنين.

وكان أكثر ما لفت انتباهى أثناء البحث هو ارتباط شجرة الزيتون بطور سيناء فى النص القرآنى: 

(وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ)..

فالمَراجع الجغرافية القديمة تتحدث عن انتشار أشجار الزيتون المعمرة فى هذه المنطقة منذ قرون طويلة، وعن جودة زيتها الذى استُخدم للطعام والإضاءة، فى صورة تتطابق بشكل لافت مع الوصف القرآنى الدقيق.

ولأننى مؤمنٌ تمام الإيمان بكل ذلك اعتدت لسنوات طويلة أن أخلع «نعليَّ» معنويًا وفعليًا منذ عبور نفق الشهيد أحمد حمدى والدخول إلى أرض سيناء المباركة.. لكن الزيارة الأخيرة كانت مختلفة تمامًا؛ زيارة تحمل نفحة روحانية نادرة؛ لأننى دخلت هذه المرة إلى الوادى المقدس طوًى من باب داخلى فى دير سانت كاترين.. وعشت سبع ساعات كاملة داخل المشروع الأضخم فى تاريخ سيناء الحديث: مشروع «التجلى الأعظم فوق أرض السلام».

سبع ساعات كاملة بين الجبال والوديان، رأيت خلالها كيف تتحول واحدة من أقدس بقاع الأرض إلى مدينة روحانية عالمية، دون أن تفقد روحها القديمة أو قدسيتها التاريخية.

المشروع، بحسب ما أكده اللواء خالد فودة، مستشار رئيس الجمهورية ومحافظ جنوب سيناء الأسبق، اقترب من إنجاز ما يزيد على 80 % من مَراحله على أن يكون الافتتاح الرسمى فى احتفال عالمى ضخم خلال أكتوبر 2027.

ومن اللحظة الأولى داخل الموقع، بدا واضحًا أن الأمر لا يتعلق بمجرد مشروع سياحى تقليدى؛ بل بمحاولة لإعادة تقديم سانت كاترين للعالم كله باعتبارها عاصمة للسياحة الروحية والإنسانية، ومكانًا يجمع بين الأديان والحضارات والتاريخ والطبيعة فى مشهد واحد.

يمتد مشروع «التجلى الأعظم» على مساحة تقترب من مليونىّ متر مربع بين جبل موسى وجبل سانت كاترين، فى قلب منطقة وادى الراحة، إحدى أكثر المناطق ارتباطًا بالسرديات الدينية والتاريخية. ويستهدف المشروع تحويل المنطقة إلى مقصد عالمى للسياحة الروحية والثقافية والبيئية، مع الحفاظ الكامل على طبيعتها الجبلية الفريدة.

وخلال جولتى داخل المشروع كان المشهد مدهشًا بكل التفاصيل.. فالمشروع لا يقتصر على إنشاء فنادق أو طرق جديدة؛ بل هو مدينة متكاملة جرى تصميمها بعناية شديدة حتى تبدو وكأنها جزء طبيعى من الجبل نفسه.. المبانى تتناغم مع لون الصخور، والطرق تنساب بين الوديان دون تشويه الطبيعة، وحتى الإضاءة جرى تنفيذها بما يحافظ على الهدوء البصرى والروحانى للمكان.

ومن المقرر أن تضم المرحلة الأولى نحو ألف غرفة وشقة فندقية، تم الانتهاء بالفعل من نسبة كبيرة منها داخل جبل سانت كاترين بينما يجرى استكمال وحدات إضافية تشمل شققًا وفيلات فندقية تستهدف استيعاب الزوار المتوقع تدفقهم من مختلف أنحاء العالم.

لكن أكثر ما يلفت الانتباه أن المشروع لا يعتمد فقط على فكرة الإقامة الفندقية؛ بل يقدم مفهومًا متكاملاً للسياحة الروحية والثقافية. 

فهناك مركز مؤتمرات عالمى جرى إنشاؤه داخل الجبل ليستضيف الفعاليات الدولية والدينية والثقافية، إلى جانب مركز زوار ضخم تحت الأرض صُمم بحيث لا يؤثر على الطبيعة المحيطة، ومستشفى متخصص فى العلاج بالأعشاب والنباتات الطبية التى تشتهر بها جبال سيناء.. ساحة السلام.. وهى منطقة واسعة مخصصة للاحتفالات والفعاليات الروحية والثقافية، مصممة كأيقونة معمارية مفتوحة.. مركز الزوار الجديد.. وهى بوابة عصرية لاستقبال السائحين وتقديم كافة المعلومات والخدمات الإرشادية والتنظيمية لهم.. الفندق الجبلى والنزل البيئى.. وفيه يتم توفير خيارات إقامة فاخرة تتناغم مع الطبيعة الجبلية المحيطة.

بالإضافة إلى تطوير النزل البيئى القائم.. المجمع الإدارى والمنطقة السكنية وهى المنطقة التى يتم فيها إقامة مجمعات خدمية متكاملة ومناطق سكنية متطورة لخدمة المجتمع المحلى والزوار.. وتهدف الدولة وصول عدد السكان فى هذه المنطقة إلى 3 ملايين نسمة إضافة إلى تطوير المنطقة السياحية والخدمية.. وإعادة تخطيط شاملة للمدينة لربط المعالم السياحية ببعضها البعض، مع تحديث شبكات الطرق والمرافق الأساسية بالكامل.

وتجاوزت التكلفة الاستثمارية للمشروع 15 مليار جنيه، فى واحدة من أكبر الاستثمارات التى شهدتها جنوب سيناء عبر تاريخها..  وتراهن الدولة على أن يتحول «التجلى الأعظم» إلى نقطة جذب عالمية قادرة على مضاعفة أعداد السائحين وخلق فرص عمل جديدة لأبناء المنطقة؛ خصوصًا فى مجالات السياحة البيئية والروحانية والحِرَف التراثية.

وفى قلب هذا المشهد تظل القيمة الحقيقية للمكان أكبر من أى أرقام أو منشآت..  فهنا، بحسب الروايات الدينية والتفسيرات التاريخية، شهد الوادى المقدس طوًى أكثر من لقاء بين النبى موسى وربه.. هنا بدأت رحلة النداء الإلهى عند شجرة العليقة المشتعلة، وهنا تلقى موسى ألواح الشريعة فوق جبل الطور، قبل أن يعود مرة أخرى معتذرًا عن عبادة قومه للعجل الذهبى.

ويشير عدد من الباحثين والمتخصصين فى تاريخ سيناء إلى أن القيمة الروحية للمكان لا تنفصل عن تفاصيله الجغرافية.. فالمشهد الطبيعى المحيط بجبل موسى ووادى الراحة والمنطقة المواجهة لجبل التجلى يمنح الزائر شعورًا بأنه يتحرك داخل رواية دينية مفتوحة على الزمن.

ويكشف الجدل التاريخى حول الموقع الدقيق للجبل الذى تلقى عنده موسى ألواح الشريعة عن مدى تعقيد وثراء هذه المنطقة.

فبينما يرى بعض الباحثين أن المقصود هو جبل سربال فى وادى فيران، يُرَجح آخرون أن جبل الصفصافة أحد قمم جبل موسى الحالى، هو الأقرب إلى الوصف الوارد فى التوراة والقرآن. 

ويستند هذا الرأى إلى طبيعة المكان؛ حيث يطل الجبل على سهل واسع يُعرف بوادى الراحة، وهو ما يتوافق مع الروايات التى تحدثت عن وقوف بنى إسرائيل أسفل الجبل أثناء مناجاة موسى لربه.

أمّا النص القرآنى؛ فيمنح هذه الرحلة بُعدًا إنسانيًا عميقًا.. فالنبى موسى ابتعد عن قومه أربعين ليلة كاملة لتلقى الشريعة، وهو الغياب الذى دفع بعض بنى إسرائيل إلى الانسياق وراء فتنة السامرى وعبادة العجل الذهبى. 

ويرى الشيخ «محمد متولى الشعراوى» أن هذه الفترة كانت لحظة تأسيس المنهج الإلهى لبنى إسرائيل بعد نجاتهم من فرعون؛ إذ لم تكن الرسالة قد اكتملت بعد الخروج من مصر وشق البحر.

أمّا اللقاء الثالث فجاء حين عاد موسى إلى الجبل ومعه سبعون رَجلاً من قومه طلبًا للتوبة والاعتذار فى مشهد يضيف بُعدًا جديدًا لقدسية المكان، باعتباره مسرحًا للحوار الإلهى والاختبار الإنسانى معًا.

وخلال جولتى داخل سانت كاترين، كان واضحًا أن الدولة المصرية تحاول الحفاظ على هذه الروح التاريخية والدينية، حتى وهى تبنى واحدًا من أضخم المشروعات التنموية فى المنطقة.. فكل التفاصيل هنا تخضع لفكرة أساسية: التطوير دون المساس بقدسية المكان.

ولهذا جرى تصميم المشروع بحيث يراعى الطبيعة البدوية والبيئية للمدينة، مع الاعتماد على الطاقة النظيفة، وتوسيع المساحات الخضراء، وإنشاء مسارات للمشاة والدراجات، إلى جانب تطوير البنية التحتية بالكامل، بما يشمل شبكات الطرق والمرافق والحماية من أخطار السيول.

كما يشمل المشروع تطوير المنطقة البدوية المحيطة، ودعم الصناعات السيناوية التقليدية، وإنشاء بازارات لبيع المنتجات المحلية والأعشاب الطبية فى محاولة لربط التنمية الاقتصادية بالحفاظ على هوية المكان وثقافته التاريخية.. ومن بين أكثر المَشاهد تأثيرًا خلال الزيارة رؤية الجبال المحيطة بالوادى المقدس وقت الغروب.

اللون الذهبى الذى يغمر الصخور، والصمت الذى يلف المكان يجعلان الإنسان يشعر أنه أمام مشهد خارج الزمن.. هنا تدرك لماذا ظلت سانت كاترين عبر القرون مقصدًا للباحثين عن السكينة والتأمل، ولماذا بقيت هذه البقعة حاضرة فى وجدان أتباع الديانات السماوية الثلاث.

ولا يمكن الحديث عن سانت كاترين دون التوقف أمام قيمتها العالمية باعتبارها ملتقى للأديان.. فالمدينة تضم إلى جانب جبل موسى والوادى المقدس عددًا من أهم المواقع الدينية والتاريخية فى العالم، وفى مقدمتها دير سانت كاترين، أحد أقدم الأديرة المأهولة على وجه الأرض، والمسجل ضمن قائمة التراث العالمى.

ورغم الطبيعة الجبلية القاسية تحولت المدينة إلى قبلة لآلاف الزوار سنويًا، ليس فقط بدافع السياحة الدينية؛ وإنما أيضًا للاستمتاع بالمشهد الطبيعى الفريد؛ حيث الجبال الشاهقة والسماء الصافية والهواء النقى الذى يمنح المكان إحساسًا نادرًا بالعزلة والصفاء.

واليوم، مع مشروع «التجلى الأعظم»، يبدو أن سانت كاترين تستعد لمرحلة جديدة تمامًا فى تاريخها؛ مرحلة تجمع بين التنمية والحفاظ على التراث، وبين السياحة والروحانية، وبين الحداثة وقداسة المكان.

فالمشروع لا يقدم مجرد فنادق أو منشآت جديدة؛ بل يطرح رؤية مختلفة للسياحة فى مصر، قائمة على احترام الطبيعة والتاريخ والإنسان، وتحويل المواقع الروحية إلى مراكز عالمية للحوار والثقافة والتأمل.

وخلال الساعات السبع التى قضيتها فى الوادى المقدس طوًى، أدركت أن سر سيناء الحقيقى لا يكمن فقط فى جبالها أو تاريخها؛ بل فى ذلك الشعور الغامض الذى يسيطر على الإنسان بمجرد دخوله هذه الأرض.

شعور يجعلك أكثرَ هدوءًا، وأكثرَ قربًا من نفسك، وأكثرَ إدراكًا لمعنى الرحلة الإنسانية فوق هذه الأرض.

ولهذا لم تكن سيناء يومًا مجرد صحراء عابرة؛ بل ظلت عبر التاريخ أرض الأنبياء والرسل، ومهبط الرسالات السماوية، ومسرحًا للحظات فارقة فى تاريخ الإنسانية.

من الوادى المقدس طوًى حيث نودى موسى إلى طور سيناء المبارك الذى أقسَم الله به فى كتابه الكريم، إلى أرض الزيتون التى تنبت بالدهن والصبغ، إلى وادى فيران الذى ارتبط فى التراث الدينى بسيرة الخضر وإيليا، تظل سيناء واحدة من أكثر بقاع الأرض قدرة على الجمع بين الإيمان والتاريخ والطبيعة فى صورة نادرة لا تتكرر.

وفى نهاية الرحلة، وأنا أغادر الوادى المقدس، أدركت أن خلع «نعليَّ» لم يكن مجرد امتثال لآية قرآنية؛ بل كان محاولة للتخفف من ضجيج العالم كله، والدخول إلى هذه الأرض بروح أكثر صفاءً؛ لأن بعض الأماكن لا يمكن الاقتراب منها إلا بالقلب.