من مساحة يفترض أنها تبحث عن الفن إلى ماكينة تبحث عن أى شىء إلا الفن:
برامج تدوير الفشل ..اكتشاف المواهب سابقًا
محمد شميس
فى لحظة ما، تحولت برامج اكتشاف المواهب فى العالم العربى من مساحة يُفترض أنها تبحث عن «الفن»، إلى ماكينة تليفزيونية ضخمة تبحث عن أى شيء.. إلا الفن نفسه.
المشهد أصبح رديئًا لدرجة الابتذال: متسابق يدخل مرتجفًا، ولجنة تحكيم تتقمص دور الآلهة الصغيرة، وموسيقى موترة فى الخلفية، وكاميرا تقتنص دموع مرافقى المتسابق، وتعليقات فارغة من الجميع، لجان تحكيم، متسابقون، وجمهور!
وأصبح لدينا للأسف، مع الوقت، وعى جمعى بأن هذه هى الطريقة الطبيعية لصناعة النجوم.
لكن الحقيقة؟ النجوم الحقيقيون لا يخرجون من هذه البرامج أصلًا.
فى سنة 2023، اختارت مجلة Rolling Stone «أم كلثوم» ضمن قائمة أهم 200 مغنٍ ومغنية فى تاريخ البشرية. كثيرون تعاملوا مع الخبر باعتباره لحظة اعتراف غربى متأخر بعظمة «الست»، وكأن قيمة «أم كلثوم» كانت تحتاج ختم اعتماد من مؤسسة أمريكية كى تصبح حقيقية.
لكن السؤال الأهم لم يكن: لماذا اختاروا «أم كلثوم»؟ السؤال الحقيقى كان: على أى أساس اختاروها؟. لأن تفسير المجلة للاختيار يهدم تقريبًا كل الخطاب الذى بنَت عليه برامج اكتشاف المواهب العربية فلسفتها خلال العقدين الأخيرين. لم يكن الحديث عن القرار والجواب، ولا عن المساحات الصوتية، ولا عن القدرة على الصعود إلى نوتة حادة ثم النزول منها باستعراض صوتى على طريقة تقييم الصوت بالعضلات كأنها مسابقات كمال الأجسام!
بل كان الحديث عن «الأثر». عن الهوية. عن الشخصية الفنية. عن القدرة على خلق عالم كامل يعيش داخله الجمهور.
وهنا تحديدًا تبدأ الكارثة.
لأن برامج المواهب العربية ما زالت تتعامل مع المغنى باعتباره «حنجرة تمشى على قدمين». كأن الفنان مجرد جهاز تنفس متطور يستطيع إخراج عُرب طويلة ونغمات مرتفعة. بينما التاريخ الموسيقى نفسه يثبت، مرة بعد أخرى، أن النجومية الحقيقية لا يصنعها الصوت وحده.
بدليل أن القائمة نفسها ضمت أسماء تعتمد أحيانًا على «الأوتوتيون» بشكل واضح مثل «Rosalía» هل معنى ذلك أنها أفضل صوتًا من عشرات مطربى الأوبرا؟ بالتأكيد لا. لكنها تمتلك مشروعًا وهوية وتأثيرًا ثقافيًا يتجاوز فكرة «مين بيعرف يقول ياليل أحسن».
وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا: إذا كانت أكبر المؤسسات الموسيقية فى العالم لم تعد ترى «الصوت» معيارًا أول للنجاح، فلماذا تصر برامج المواهب عندنا على استخدام معايير انتهى عمرها الافتراضى منذ سنوات طويلة؟ الإجابة ببساطة لأن هذه البرامج لا تصنع فنانين أصلًا… بل تصنع «تليفزيون».
خذ مثلًا الطريقة العبثية التى يتم بها اختيار لجان التحكيم. ستجد مطربًا يعيش حالة تخبط فنى منذ سنوات، لا يمتلك شكلًا موسيقيًا واضحًا، ولا مدرسة خاصة، ولا مشروعًا غنائيًا متماسكًا، ثم فجأة يتحول إلى حكيم زمانه، يوزع النصائح على المتسابقين وكأنه خرج للتو من معبد موسيقى فى فيينا.
المفارقة هنا تكاد تكون كوميدية.
«شيرين عبدالوهاب» مثلًا، واحدة من أهم الأصوات العربية بلا شك، وصاحبة إحساس استثنائى، لكن هل تمتلك مشروعًا موسيقيًا واضح المعالم؟ هل تستطيع أن تقول إن هناك خطًا موسيقيًا متماسكًا يربط ألبوماتها ببعض؟ هل لديها فلسفة واضحة فى اختيار الإيقاعات أو التوزيع أو الاتجاه الفنى؟
الإجابة: لا.
هى فنانة موهوبة جدًا، لكنها فى الوقت نفسه نموذج لفنان لم ينجح فى إدارة موهبته بأفضل شكل ممكن. ربع قرن تقريبًا فى السوق، وثمانية ألبومات فقط. حضور جماهيرى ضخم، نعم، لكن مع مسار فنى مرتبك ومتقلب. مرة تتوهج مع «نصر محروس» فى اللون الشعبى، ومرة تدخل مناطق ضبابية، ثم يظهر مستشار فنى جديد يعيد توجيه البوصلة مؤقتًا نحو عالم البوب مثل «حسام حبيب»، ومؤخرًا «عزيز الشافعى» بأسلوبه التلحينى المسترسل الذى يصنع فى الأغنية الواحدة ما يقرب من خمس أفكار لحنية!
وكى تتضح المفارقة فلا بد من وجود رؤية مضادة، وبطل التضاد هو «أمير عيد» الذى يمتلك شكلًا أوضح بكثير. مشروعًا قائمًا على الروك وتفرعاته، وتجريبًا مستمرًا داخل نفس الهوية، واستقرارًا فى الرؤية الفنية. قد يختلف الناس حول جودة التجربة، لكن على الأقل هناك «هوية» يمكن الإمساك بها.
وهنا المفارقة الساخرة: كيف لفنان لا يستطيع تحديد ملامح مشروعه بدقة، أن يصبح مسئولًا عن تحديد مستقبل الآخرين؟
ولهذا السبب تحديدًا، نحن نتذكر دائمًا لحظات الانهيار والبكاء والمشاجرات أكثر مما نتذكر الأغانى نفسها.
نتذكر «شيرين» وهى تخلع حذاءها فى لحظة استعراضية مبالغ فيها كى تقوم بعملية التصويت.. لكن لا أحد تقريبًا يتذكر اسم المتسابق الذى غنى أمامها. نتذكر الإحراج، لا الفن. نتذكر اللقطة، لا الصوت.
لأن الهدف الحقيقى لم يكن الصوت أصلًا.
وهنا نصل إلى النقطة الأخطر: هذه البرامج لا تكتفى بإنتاج فن هش، بل تسهم أيضًا فى تشكيل ذائقة مشوهة لدى الجمهور.
المشاهد يتعود على الحكم السريع، على الإقصاء الفورى، على السخرية من الفشل، على فكرة أن الموهبة يمكن اختصارها فى دقيقة ونصف أمام لجنة متحفزة لإطلاق الأحكام. ومع الوقت، يتحول الفن نفسه إلى سباق استهلاكى سريع، لا مساحة به للتطور البطيء أو التجريب أو النضج.
ولهذا تحديدًا تفشل أغلب «نجوم» هذه البرامج بمجرد انتهاء الموسم.
لأن الفنان الحقيقى لا يُولد داخل بيئة معقمة وموجهة بالكامل بالإنتاج والمونتاج. الفنان الحقيقى يتشكل عبر الفشل، والتخبط، والتجريب، والسقوط، وإعادة بناء نفسه عشرات المرات.
وباعتبار أن «عمرو دياب» هو الأنجح فى مجال سوق البوب ميوزك، فالقياس عليه يعد أمرًا منطقيًا، خاصة أنه فى بداياته، كان يُدفع نحو شكل غنائى يدعى العمق ويناسب موضة الثمانينيات: أغنيات ثقيلة تميل إلى الرمزية والتأملات الوجودية عن المدينة والقدر والرياح والشوارع الحزينة. وقطعا لو استمر داخل هذا القالب، لما أصبح «الهضبة».
نجوميته الحقيقية بدأت حين خرج من الوصاية. حين جرب وفشل وقلد وتأثر واختلط بالشارع، وغنى فى «الملاهى الليلية»، واحتك بأشكال موسيقية مختلفة، حتى اكتشف تدريجيًا أين تكمن شخصيته الخاصة.
برامج المواهب تمنع هذه الرحلة بالكامل.
هى تريد نجمًا جاهزًا وفوريًا. نسخة سريعة التحضير من النجاح. لكنها لا تفهم أن النجومية الحقيقية عملي ة طويلة وفوضوية ومليئة بالأخطاء.
ولهذا تبدو اللجان أحيانًا مضحكة وهى تحاول لعب دور «حراس الفن»، بينما كثير من أعضائها أنفسهم لم يصنعوا مدارس حقيقية، أو يعيشون أصلًا أزمات فنية واضحة.
الأطرف من كل ذلك أن بعض البرامج تستبعد بالفعل أصحاب الهويات الفنية الحقيقية لأنهم لا يناسبون «الشكل التليفزيونى» المطلوب.
مثل حالة «عبدالرحمن بلالة»، ربما لا تتذكرونه، ولكن أبحثوا عنه على «يوتيوب» بعد الانتهاء من قراءة المقال، واستكشفوا بنفسكم قصة الرجل الذى دخل بجلبابه وعمامته وصوته المصرى الشعبى الصافى، فتم التعامل معه باعتباره خارج القالب المطلوب. رغم أنه عمليًا أكثر خبرة وتجذرًا من كثيرين داخل لجنة التحكيم نفسها.
رجل غنى فى الموالد، وشارك فى التراث الشعبى، وعمل مع منشدين كبار، وامتلك تاريخًا طويلًا مع الفلكلور المصرى الحقيقى. وقام بالغناء فى مهرجان الموسيقى العربية، ومحكى القلعة، وتم اعتماده أصلا فى الإذاعة المصرية عام 1982، ولكنه لا يصلح لهوية البرنامج، لأنه لا يشبه «الكاركتر» الذى يبحث عنه المنتج، فلم يختره أحد، رغم أنه يغنى بشكل صحيح، ولديه مشروع قائم بذاته.
وهنا تنكشف اللعبة كلها.
هذه البرامج لا تحب الاختلاف الحقيقى. هى تحب النسخ القابلة للبيع فقط.
فى النهاية، المشكلة ليست فى وجود برامج مواهب بحد ذاته. المشكلة فى الفلسفة التى تحكمها. فلسفة ترى الفن مجرد محتوى سريع، وترى الفنان مجرد مشروع تسويقى، وترى الجمهور مجرد أرقام تصويت ومشاهدات وإعلانات.
ولهذا لم تعد هذه البرامج قادرة على إنتاج نجوم حقيقيين يعيشون طويلًا.







