موسم يحاول إعادة تعريف العلاقة بين السينما التجارية والفنية..
«أفلام الأضحى» فى ميزان النقاد
شريف عبدالظاهر
مع بدء موسم عيد الأضحى السينمائى، تعود دور العرض إلى حالة من الزخم والترقب، حيث تتنافس مجموعة من الأفلام الجديدة على جذب الجمهور وتحقيق أعلى الإيرادات فى واحد من أهم المواسم السينمائية على مدار العام، بل إنه أيضًا «افتتاحية» موسم الصيف الأكثر أهمية على مدار السنين.
وبين رهانات النجوم الكبار، ومحاولات صناع السينما لاستعادة بريق شباك التذاكر، يظل السؤال الأهم مطروحا: هل أصبحت أفلام العيد مجرد سباق تجارى يعتمد على أسماء النجوم والكوميديا السريعة، أم أن هناك محاولات حقيقية لتقديم أعمال تحمل قيمة فنية وتطرح أفكارا مختلفة؟
هذا الموسم، الذى يشهد تنوعًا نسبيا بين الكوميديا والأكشن والأفلام ذات الطابع الاجتماعى، فتح الباب أمام نقاش واسع بين النقاد والمتابعين حول طبيعة السينما التجارية فى مصر، ومدى قدرتها على تحقيق المعادلة الصعبة بين الإيرادات والجودة الفنية.
بعض النقاد يرون أن أفلام العيد أصبحت تخضع بشكل كامل لحسابات السوق، مع الاعتماد على «الخلطة المضمونة» التى تضمن الإقبال الجماهيرى، حتى وإن جاء ذلك على حساب الابتكار أو العمق فى المعالجة، وفى المقابل، يرى آخرون أن السينما التجارية ليست بالضرورة نقيضا للفن، وأن نجاح بعض الأفلام جماهيريا يعكس قدرة صناعها على فهم ذوق الجمهور والتفاعل مع تغيراته.. فى السطور التالية نستعرض آراء النقاد فى أفلام العيد فى محاولة مبكرة لتقييم هذا الموسم.
ماجدة خير الله: طفرة إنتاجية تعيد رسم شكل السينما المصرية
أشادت الكاتبة والناقدة الفنية ماجدة خير الله بالمستوى الفنى والإنتاجى الذى يشهده موسم أفلام عيد الأضحى، واصفة إياه بالموسم الاستثنائى والقوى، والذى يعكس تحولًا جذريًا فى صناعة السينما المصرية.
وأكدت خير الله أن أبرز ما يميز الموسم هو الاعتماد على إمكانيات تقنية وفنية عالية الجودة، إلى جانب ضخ ميزانيات إنتاجية تجاوزت الأطر التقليدية المعتادة، وهو ما انعكس بوضوح على الصورة ومستوى التنفيذ.
وأضافت إن بعض الأعمال تكشف عن حالة من الجرأة الإنتاجية غير المعتادة، سواء من حيث تصميمات الديكور، أو مواقع التصوير، أو مشاهد الحركة، وهو ما يمنح الجمهور تجربة مشاهدة أكثر تطورًا مقارنة بالمواسم السابقة، وفى سياق متصل، توقفت عند فيلم (أسد) لمحمد رمضان، مؤكدة أنه يتصدر الأعمال التى تراهن على الإنتاج الضخم والصورة البصرية، سواء من حيث تصميم الملابس أو تنفيذ المشاهد، معتبرة أن الفيلم يمثل تجربة مختلفة عن السائد داخل السينما التجارية.
ناهد صلاح: الإنتاج الضخم سلاح السينما لاستعادة الجمهور
أكدت الناقدة الفنية ناهد صلاح أن موسم عيد الأضحى يبدو مختلفًا وجاذبًا فى تنوعه وطموحه الإنتاجى، مشيرة إلى أنه يعكس محاولة جادة لاستعادة الجمهور إلى قاعات العرض، فى ظل عصر أصبحت فيه المنصات الرقمية منافسًا شرسًا. وأوضحت أن الأفلام المطروحة لم تعد تراهن فقط على الحكاية أو السياق الدرامى التقليدى، وإنما أصبح الرهان الأكبر على الحدث الإنتاجى نفسه، من خلال أعمال ضخمة بصريًا قادرة على خلق حالة من الإبهار والانجذاب، وتوقفت ناهد عند عودة محمد رمضان بفيلم (أسد)، معتبرة أن العودة تتجاوز فكرة الغياب، وتحمل دلالة فنية، خاصة أن رمضان يحاول التحرك نحو منطقة مختلفة عن الصورة النمطية التى ارتبطت به لسنوات.
كما أشادت بالتعاون بين رمضان والمخرج والمؤلف محمد دياب، معتبرة أن هذا التعاون يكشف عن رغبة حقيقية لتقديم سينما مختلفة وأكثر طموحًا.
كذلك تطرقت إلى حضور أحمد عزوكريم عبد العزيز فى فيلم (7 Dogs)، مؤكدة أن العمل لا يعتمد على الشعبية فقط، بل على إنتاج ذكى يجمع نجومًا كبارًا وضيوف شرف من هوليوود والخليج، بما يمنحه زخماً جماهيريًا كبيرًا.
حنان أبوالضياء: منافسة شرسة وموسم استثنائى
وصفت الناقدة الفنية حنان أبو الضياء موسم عيد الأضحى بأنه «موسم استثنائى» بكل المقاييس، مؤكدة أن دور العرض تشهد منافسة قوية وشرسة بين الأعمال التى تراهن على النجوم والإنتاج الضخم معًا.
وقالت إن جمهور هذا العام جاء مختلفًا، حيث شهدت صالات العرض حضورًا لفئات عمرية متنوعة، خصوصًا الشباب الذين أصبح لهم تأثير كبير فى اختيار الأفلام، وأضافت إن فيلم (أسد) يمتلك مقومات ضخمة تؤهله ليكون من أبرز أعمال الموسم، سواء من حيث الرؤية الفنية أو مستوى الإنتاج، مشيدة بالأداء التمثيلى لمحمد رمضان، الذى نجح فى فهم أبعاد الشخصية بشكل يعكس تطورًا واضحًا فى أدواته.
كما توقعت أن يحقق فيلم (7 Dogs) نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، خاصة أنه يجمع عددًا من النجوم، ويعتمد على رؤية إخراجية واضحة وإنتاج ضخم يضعه فى صدارة المنافسة، ولفتت إلى أن الحكم النهائى على حجم نجاح الموسم لن يتضح إلا بعد انتهاء الامتحانات وانطلاق الإجازة الصيفية، التى تشهد أعلى نسب الإقبال على السينما.
على الكشوطى: النجوم حاضرون.. لكن التنوع غائب
أكد الناقد الفنى، على الكشوطى أن موسم عيد الأضحى يشهد منافسة قوية مدفوعة بحضور قامات سينمائية كبيرة تمتلك وزنًا جماهيريًا واضحًا، وفى مقدمتهم كريم عبد العزيز وأحمد عز، إلى جانب العودة القوية لمحمد رمضان بعد غياب ثلاث سنوات. وأشار إلى أن هذا الزخم الكبير يرفع سقف المنافسة، لكنه قد يصعّب مهمة بعض الأفلام الأخرى جماهيريًا مهما كانت جودتها.
وعلى مستوى نوعية الأعمال، أوضح أن التنوع الفعلى محدود، حيث تقتصر الكوميديا على فيلم واحد هو (الكلام على إيه)، بينما يمثل (أسد) اللون التاريخي، و(7 Dogs) يمثل الأكشن، وهو ما يكشف عن غياب التعدد الحقيقى فى الأنماط السينمائية داخل الموسم الواحد. وأضاف إن التنوع عنصر أساسى فى نجاح أى موسم، لأنه يسمح باستهداف شرائح مختلفة من الجمهور بدل الاعتماد على نوعيات محددة فقط.
أروى تاج الدين: موسم يفتقد السينما العائلية
أكدت الناقدة الفنية أروى تاج الدين أن الموسم يشهد تنوعًا بين الأكشن والكوميديا، لكنه لا يعكس احتياجات جمهور الأعياد، الذى يميل للسينما العائلية الخفيفة.
وأضافت، إن جمهور سينما عيد الأضحى يمتلك خصوصية شديدة، إذ يميل نحو الأعمال الكوميدية الخفيفة والسينما العائلية التى تجمع كافة أفراد الأسرة، مؤكدة أن الموسم الحالى يفتقر تماماً لهذه النوعية من الأفلام العائلية، مما يجعله غير متناسب كليًا مع تطلعات ورغبات الشريحة الأكبر لرواد دور العرض السينمائى فى هذا الموسم. أما عن تقييمها الفنى لفيلم (أسد) فذكرت «أروى تاج الدين» أن العمل يمثل عودة قوية لـ»محمد رمضان» إلى الشاشة بعد فترة غياب، ويمتاز بإنتاج ضخم للغاية وتكلفة إنتاجية عالية تجسد جودة تنفيذ مشاهد الأكشن والحركة التى قدمت بشكل مختلف، لكنها رأت أن رمضان لا يزال يعتمد على النمط نفسه فى الأداء، دون تقديم اختلاف جذرى فى أدواته التعبيرية، معتبرة أن العمل لا يبتعد كثيرًا عن خط السينما القائمة على العنف التى اشتهر بها.
الخلاصة: موسم ضخم والأسئلة النقدية لا تزال مطروحة
والخلاصة، يكشف موسم عيد الأضحى هذا العام عن مشهد متباين يحمل مؤشرات إيجابية بشأن عودة الرهان على الإنتاج الضخم واستعادة بريق دور العرض، لكنه يطرح تساؤلات نقدية حول طبيعة هذا التطور وحدوده.
كما أجمعت آراء النقاد، فإن الموسم استثنائى من حيث حجم الإنفاق الإنتاجى، والاعتماد على تقنيات تنفيذ متقدمة، وسعى صناع الأفلام لتقديم أعمال تراهن على الإبهار البصرى والحضور الجماهيرى.
ورغم ذلك، هناك ملاحظات تتعلق بمحدودية التنوع الفنى، وغياب الأفلام العائلية، وتساؤلات حول قدرة بعض النجوم على تقديم تجارب مختلفة وأكثر عمقًا.
وبين التفاؤل الحذر والتحفظ النقدى، يبقى الحكم النهائى على الموسم مرهونًا بما ستكشفه شباك التذاكر خلال الأسابيع المقبلة، وبمدى قدرة هذه الأعمال على الصمود جماهيريًا وفنيًا، إلا أن المؤكد أن السينما المصرية تعيش محاولة جديدة لإعادة تعريف العلاقة بين السينما التجارية والقيمة الفنية، وهى المعادلة التى ستظل التحدى الأكبر أمام أى موسم سينمائى.







