السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

ما الذى يجب أن يفعله الاتحاد الأوروبى بعد أن فهم الدرس أخيرا

يوم اكتشف الغرب أن الإخوان = داعش والقاعدة

خلال    السنوات الأخيرة، لم تعد جماعة الإخوان بالنسبة لكثير من الدوائر الأوروبية مجرد «حركة سياسية ذات مرجعية دينية»، بل تحولت تدريجيًا إلى ملف أمنى واستخباراتى معقد، يرتبط بقضايا التطرف، والاختراق المجتمعى، وبناء الشبكات العابرة للحدود، واستغلال قيم الديمقراطية الغربية لصالح مشروع أيديولوجى طويل الأمد. ولهذا لم يكن مفاجئًا أن تشهد أوروبا خلال الأشهر الأخيرة موجة جديدة من التحركات ضد الجماعة، بدأت من هولندا، وامتدت إلى ألمانيا، وسط دعوات متزايدة لإعادة تقييم العلاقة الأوروبية مع تنظيم طالما استفاد من حالة التردد السياسى الغربى.



فى مارس 2026، وافق مجلس النواب الهولندى على مقترح يدعو إلى حظر جماعة الإخوان والمنظمات التابعة لها، فى خطوة اعتبرها مراقبون تحولًا سياسيًا مهمًا فى طريقة تعاطى أوروبا مع ملف الإسلام السياسي. وفى ألمانيا، تصاعدت الضغوط البرلمانية لملاحقة شبكات الجماعة، مع استجوابات وتحركات سياسية تتعلق بتمويل التنظيم واختراقه للمؤسسات والجمعيات.

لكن السؤال الحقيقى لا يتعلق فقط بما إذا كانت أوروبا بدأت تتحرك، بل: هل جاءت هذه التحركات متأخرة؟ وهل تكفى الإجراءات الحالية للتعامل مع تنظيم يمتلك خبرة ممتدة لعقود فى إعادة التموضع والتغلغل داخل المجتمعات الغربية؟

أزمة الغرب مع الجماعة

الحقيقة أن جزءًا كبيرًا من الأزمة الأوروبية مع الإخوان يعود إلى الطريقة التى تعامل بها الغرب مع الجماعة منذ عقود. فبعد صعود موجات الهجرة الإسلامية إلى أوروبا منذ سبعينيات القرن الماضى، بحثت الحكومات الأوروبية عن “شركاء” يمكن التفاهم معهم داخل الجاليات المسلمة. وفى تلك اللحظة، نجحت جماعة الإخوان فى تقديم نفسها باعتبارها “الإسلام المعتدل” القادر على تنظيم المسلمين داخل أوروبا، والتحدث باسمهم، وإدارة المساجد والمراكز الإسلامية والجمعيات الخيرية.

غير أن ما لم تدركه كثير من الحكومات الأوروبية آنذاك، أن الجماعة لم تكن تتحرك باعتبارها مجرد تيار دعوى أو اجتماعى، بل كتنظيم عابر للحدود يمتلك مشروعًا أيديولوجيًا طويل الأمد، يعتمد على بناء النفوذ التدريجى داخل المجتمعات الغربية، واستغلال الهامش الديمقراطى لتكوين شبكات اقتصادية وإعلامية وتعليمية ضخمة.

وفى ألمانيا تحديدًا، حذرت تقارير أمنية وبرلمانية خلال السنوات الماضية من تنامى نفوذ الجماعة داخل المساجد والجمعيات الإسلامية، ومن اعتمادها على التمويل غير المباشر والعمل عبر واجهات مدنية وخيرية. كما تحدثت تقارير ألمانية عن محاولات اختراق للمؤسسات التعليمية والثقافية، واستغلال الثغرات القانونية الأوروبية لبناء شبكات نفوذ ممتدة.

ورغم ذلك، ظلت قطاعات واسعة داخل أوروبا تتعامل مع الجماعة بمنطق “الاحتواء” وليس “المواجهة”. وكانت الحجة الأساسية أن الإخوان لا يمارسون العنف المباشر داخل أوروبا، وأنهم يمكن أن يمثلوا حاجزًا ضد التنظيمات الأكثر تطرفًا مثل داعش والقاعدة.

لكن التجربة العملية كشفت مع الوقت أن هذا التصور كان شديد التبسيط. فالكثير من الدراسات الغربية بدأت تربط بين خطاب الإسلام السياسى الذى تتبناه الجماعة، وبين إنتاج بيئات فكرية مغلقة تسهّل لاحقًا عمليات التطرف. وهنا ظهر التعبير الذى بات يتكرر فى بعض الدوائر الأمنية الأوروبية: “الإخوان ليسوا تنظيمًا إرهابيًا تقليديًا فقط، بل حاضنة أيديولوجية طويلة المدى”.

أوروبا تدفع الثمن

ولعل ما يفسر التحول الأوروبى الحالى هو أن القارة بدأت تدفع ثمن سنوات من التساهل مع التنظيمات الإسلاموية. فمنذ هجمات باريس وبروكسل ونيس، مرورًا بعمليات الطعن والدهس التى شهدتها عدة دول أوروبية، وصولًا إلى تنامى ظاهرة “التطرف المحلي”، أدركت الأجهزة الأمنية أن المشكلة لا تبدأ عند التنظيمات المسلحة فقط، بل عند البنية الفكرية التى تخلق حالة العزلة والانفصال عن المجتمع.

ولهذا تبدو التحركات الأوروبية الحالية محاولة متأخرة لإغلاق مساحات واسعة تحركت فيها الجماعة لعقود. ففى هولندا، لم يعد النقاش مقتصرًا على النشاط الدعوى، بل امتد إلى الحديث عن “التغلغل البطيء” ومحاولات التأثير فى المؤسسات الغربية تحت غطاء العمل المدنى والخيري.

أما فى ألمانيا، فقد ركزت التحركات الأخيرة على ملف التمويل، باعتباره أحد أهم مفاتيح نفوذ الجماعة داخل أوروبا. وتشير تقارير ألمانية إلى أن الجماعة استفادت لسنوات من شبكات اقتصادية وجمعيات ومنصات تمويلية مكّنتها من بناء حضور واسع داخل الجاليات المسلمة.

لكن رغم أهمية هذه الإجراءات، فإن السؤال الأهم يبقى: هل تكفي؟

الإجابة الأقرب إلى الواقع هي: لا.

فالتحرك الأمنى وحده لا يكفى فى مواجهة تنظيم يعتمد أساسًا على العمل طويل المدى، وإعادة تشكيل نفسه باستمرار. كما أن الجماعة تمتلك خبرة كبيرة فى العمل عبر كيانات غير مباشرة، أو عبر شخصيات لا تحمل صفة تنظيمية رسمية، وهو ما يجعل عملية الحظر القانونى أكثر تعقيدًا داخل الأنظمة الديمقراطية الأوروبية.

بل إن بعض الدول الأوروبية لا تزال مترددة فى الذهاب إلى مواجهة شاملة، خوفًا من اتهامات تتعلق بالحريات الدينية أو استهداف المسلمين. وهنا تقع أوروبا فى واحدة من أكبر أزماتها الفكرية والسياسية: كيف يمكن مواجهة الإسلام السياسى دون تحويل المعركة إلى صدام مع المسلمين أنفسهم؟

هذه النقطة تحديدًا استغلها الإخوان لسنوات طويلة. فالجماعة حاولت دائمًا تقديم أى انتقاد لها باعتباره “عداءً للإسلام”، بينما الحقيقة أن القضية تتعلق بتنظيم سياسى عابر للحدود، له مشروع أيديولوجى واضح، وليس بالدين الإسلامى ذاته.

ومن هنا، فإن أوروبا تحتاج إلى استراتيجية أكثر شمولًا، لا تقتصر فقط على الحظر الأمنى أو الملاحقات القانونية، بل تشمل أيضًا إعادة بناء العلاقة مع الجاليات المسلمة بعيدًا عن احتكار جماعات الإسلام السياسى للتمثيل الدينى والاجتماعي.

تشديد الرقابة

كما تحتاج الحكومات الأوروبية إلى تشديد الرقابة على التمويل الأجنبى، ومراجعة أوضاع الجمعيات والمراكز التى تعمل تحت غطاء العمل الخيرى بينما تمارس نشاطًا أيديولوجيًا وسياسيًا منظمًا. إضافة إلى ضرورة الاستثمار فى نماذج اندماج حقيقية تمنع عزل الشباب المسلم داخل مجتمعات موازية يسهل اختراقها فكريًا.

الأهم من ذلك أن أوروبا مطالبة أخيرًا بالتخلص من الوهم القديم القائل إن “الإخوان أقل خطرًا من التنظيمات الإرهابية المسلحة”. فالتجارب أثبتت أن الجماعات المسلحة لا تنشأ فى الفراغ، بل تخرج غالبًا من بيئات فكرية تتبنى خطابًا يقوم على تقسيم العالم، ورفض الدولة الوطنية، واعتبار المجتمع “جاهليًا” أو معاديًا للدين.

ولهذا يرى كثير من الباحثين أن جماعة الإخوان مثلت تاريخيًا التنظيم الأم الذى خرجت من عباءته معظم التنظيمات المتطرفة الحديثة، سواء عبر الانشقاقات المباشرة، أو عبر التأثير الفكرى والأيديولوجي. فمن سيد قطب إلى الجماعات الجهادية المعاصرة، ظل الخيط الفكرى حاضرًا بدرجات متفاوتة.

وربما لهذا السبب بدأت بعض العواصم الأوروبية تدرك متأخرة أن التعامل مع الإسلام السياسى باعتباره مجرد تيار محافظ كان خطأً استراتيجيًا كبيرًا. فالقضية لم تكن أبدًا قضية تدين أو هوية دينية، بل قضية مشروع سياسى منظم يستغل الديمقراطية الغربية لإعادة تشكيل المجتمع من الداخل.

ومع ذلك، فإن أوروبا لا تزال فى بداية الطريق. فالحظر البرلمانى فى هولندا، أو الضغوط السياسية فى ألمانيا، قد تكون خطوات مهمة، لكنها لن تكون حاسمة ما لم تتحول إلى سياسة أوروبية موحدة، تقوم على فهم عميق لطبيعة التنظيم، وآليات عمله، وشبكاته العابرة للحدود.

لقد احتاج الغرب سنوات طويلة حتى يدرك خطورة الجماعات الجهادية المسلحة، ثم اكتشف لاحقًا أن المعركة الحقيقية تبدأ قبل حمل السلاح بوقت طويل. واليوم يبدو أن أوروبا تعيد اكتشاف الدرس ذاته مع جماعة الإخوان، لكن بعد عقود من التردد، والتغاضى، وسوء التقدير السياسي.

ويبقى السؤال: هل استوعبت أوروبا الدرس أخيرًا؟ أم أن القارة ستحتاج إلى صدمات جديدة حتى تدرك أن مواجهة التطرف لا تبدأ فقط عند الرصاصة، بل عند الفكرة التى تبررها؟.