حسام الغمرى
تابعه قفة
عزام التميمى.. «العجوز المتصابى»
فى مسرحية «على جناح التبريزى وتابعه قُفّة»، لم تكن شخصية «قُفّة» مجرد تابع لرجل محتال، ولا خادمًا يمشى خلف سيده حاملًا أمتعته وأوامره، بل كان المحرّك الخفى للحكاية كلها، والعصب الذى لولاه ما اكتملت الخدعة ولا اكتمل المسرح العبثى!
دخل اللعبة مترددًا فى البداية، ينظر إلى ما يجرى بعينٍ نصف مصدقة ونصف مرتابة؛ يقترب خطوة ويتراجع أخرى، يتشكك حينًا وينبهر حينًا.
لكنه خرج منها شيئًا آخر تمامًا؛ خرج مؤمنًا بالحكاية أكثر من مؤلفها، ومتشبثًا بالوهم أكثر من صانعه.
كان يعرف فى البداية أن المسرح مسرح، وأن الخدعة خدعة، وأن الستار مصنوع من قماش لا من قدر؛ لكنه عاش طويلًا داخل المشهد حتى التبس عليه التمثيل بالحقيقة، واختلط الدور بالمصير، فتحول الوهم إلى يقين، والحيلة إلى عقيدة، والدور الخبيث إلى قدرٍ لا فكاك منه.
وهنا كانت عبقرية الكاتب المصرى ألفريد فرج؛ فالمسرحية لم تكن عن رجل يخدع الناس بقدر ما كانت عن بشر يشاركون فى صناعة الوهم، ثم يتحولون مع الوقت إلى حرّاس له، بل يصبحون أكثر إخلاصًا للرواية من مؤلفها نفسه، وأكثر دفاعًا عن المسرحية من أبطالها.
فبعض الناس لا يولدون أتباعًا، ولا يدخلون الحكاية وهم ينوون الارتهان لأحد؛ لكنهم ينتهون كذلك، مجرد مثيرين للشفقة وربما السخرية، لأن أخطر أنواع الخداع ليس ما يُفرض على الإنسان من الخارج، بل ما يشارك هو بنفسه فى بنائه حجرًا فوق حجر، حتى يظن أنه يسكن الفكرة، بينما تكون الفكرة الخبيثة قد تسللت إلى أعماقه وسكنت داخله، ويظن أنه يقود الدور ويتحكم فى حركته، بينما يكون الدور الشرير البغيض قد أحكم قبضته عليه وتحول تدريجيًا إلى قدرٍ يجرّه ولا يملك الفكاك منه.
ومنذ سنوات أدركت الأجهزة التى تدير جماعة الإخوان الإرهابية هذه الحقيقة مبكرًا؛ إذ لا يكفى أن تصنع لهم رمزًا، أو ترفع شعارًا، أو تُنتج خطابًا مؤدلجًا؛ فكل مشروع للفوضى يحتاج دائمًا إلى «قُفّة» جديد، يحمل الرواية، ثم يحمله هو نفسه عبء المؤامرة حتى يصبح جزءًا منها.
هذه الأجهزة تحتاج إلى شخصيات لا يكتفون بنقل السردية الكاذبة، بل يعيشون داخلها حتى تصبح جزءًا من تكوينهم النفسى، أشخاص يبدأون وسطاء للتمويل، ثم يتحولون إلى حرّاس، ثم يصبحون مع الوقت جزءًا من ماكينة إنتاج الوهم نفسها.
ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن قراءة قصة البريطانى من أصل فلسطينى عزام التميمى، الذى لا يمكن اختزاله – كما يقدم نفسه - فى صورة أكاديمى فلسطينى يقيم فى لندن، أو كاتب مهتم بما يُسمى «الإسلام السياسي»، أو مقدم برامج يظهر على الشاشات الإخوانية ليهاجم بالأكاذيب الدولة المصرية؛ هذا توصيف ناقص، لأن بعض الشخصيات لا تكمن أهميتها فيما تقوله أمام الكاميرا، بل فيما تديره خلفها.
ففى عالم التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، لا يكون الأكثر نفوذًا هو صاحب الصوت الأعلى، بل صاحب القدرة على جمع الخيوط وربط العقد ؛ الشخص الذى يعرف كيف تتحرك الرسالة من غرفة مظلمة إلى شاشة، ومن شاشة إلى منصة، ومن منصة إلى جمهور مغيب.
وهنا تتجاوز الحكاية فكرة المذيع أو الباحث أو الكاتب، لأن لندن، خلال العقود الأخيرة، لم تكن مجرد مدينة فى السردية الإخوانية؛ بل تحولت إلى ما يشبه غرفة بث كبيرة، أو عقل اتصالات ضخم، تنتقل عبره الرسائل الاستخباراتية، وتتقاطع داخله المنصات الإخوانية، وتُعاد فيه هندسة الخطاب التحريضى الموجه للعالم العربي.
وفى هذه المساحة، برز عزام التميمى بوصفه أحد الوجوه الأكثر حضورًا فى ملف الإعلام الإخوانى التابع لتنظيمهم الدولي!! حيث لم يتحرك فى المجال التقليدى للعمل التنظيمى المباشر، بقدر ما تحرك فى المساحات الأكثر تأثيرًا وعمقًا: الإعلام، ومراكز الدراسات، وإعادة إنتاج السرديات، وتأسيس الشركات، فبركة الأخبار، تزوير المستندات، والإدارة غير المعلنة للفضائيات والمواقع الإخوانية؛ وهى مناطق قد تبدو أقل صخبًا من العمل السياسى المباشر، لكنها غالبًا ما تكون أخبث أثرًا وأبعد مدى.
ففى زمن مضى، كان التنظيم يكتفى بمنشور سرى، ولقاء مغلق، وبيعة تُعقد داخل غرفة صغيرة مظلمة، أما فى عصر الشاشات الفضائية والمنصات الرقمية فقد تغير كل شيء؛ إذ أصبحت الفضائيات الإخوانية هى «الأُسَر» و«الشُّعَب» الإخوانية الجديدة، وتحولت الاستوديوهات إلى «الكتائب» البديلة، وصارت المنصات الرقمية هى ساحات التعبئة والتحشيد الحديثة.
وهنا تظهر وظيفة «قفة» الحقيقية؛ والذى بدأ كتابع لـ «عبد الرحمن أبو دية»؛ ذلك الاسم الذى برز خطره مبكرًا حين ظهر فى تقرير رسمى صادر عن استخبارات جنوب إفريقيا عام 2002 – ومرفوع مباشرة للرئيس «ثابو مبيكي» (Thabo Mbeki) – كممول للإرهاب، ثم تم تصنيفه أمريكيًا كداعم للإرهاب، قبل أن يتم تبريد الملف فجأة فى صفقة مشبوهة انتهت بمؤامرة «الربيع العبري» عام 2011!!
وذلك لأن بعض الشخصيات لا تعمل كخطباء منابر، بل كمهندسى إشارات إلكترونية وتوجيهية؛ لا يهمها أن تتصدر الشاشات، بقدر ما يهمها أن تلتقط آفاقين من أمثال «قُفّة» لتقوم بمهمة الأداء العلنى وتلقى الصدمات.
والمفارقة هنا أن «قُفّة» بدوره التقط أكثر من «قُفّة» صغير، من أمثال: أسامة جاويش، ومحمد ناصر، وقطب العربى، ومعتز مطر، وغيرهم!!
ولهذا السبب، لا تبدو شبكة المنصات الإخوانية الممتدة بين إسطنبول ولندن مجرد صدفة جغرافية عابرة؛ فخلف الشاشات المتعددة، والعناوين المختلفة، واللهجات المتنوعة، كانت هناك دائمًا محاولة خفية لصناعة شيء أكبر: تعدد الواجهات الذى يُخفى بدوره وحدة غرفة العمليات المركزية، إنها الفكرة القديمة المتجددة: عشرات الأصوات المختلفة، لكن المؤامرة واحدة، والرسالة الخبيثة واحدة، والكراهية الموجهة ضد الدولة المصرية واحدة!!
منصات تبدو فى ظاهرها مستقلة، لكنها تتحرك بإيقاع وضبط متقارب؛ منصات تقدم نفسها للرأى العام ككيانات حقوقية، أو إعلامية، أو صحفية، أو مراكز تحليلية، لكنها فى لحظات محددة وبتوجيه معلوم، تتحول فجأة إلى أوركسترا واحدة تعزف النغمة الوضيعة نفسها، وفى التوقيت ذاته.. وهنا، يعود «قُفّة» إلى المسرح العبثى مرة أخرى.
فأخطر ما فى شخصية «قُفّة» أنه لم يكن كاذبًا بالمعنى التقليدي؛ بل كان عنصرًا فى مؤامرة أكبر منه بكثير، دخل المسرحية وهو يظن أنه يساعد فى تشغيلها وتحريك خيوطها، ثم اكتشف متأخرًا أنه أصبح مجرد جزء مستهلك منها.
وهذه هى المعضلة الكبرى التى تصنعها التنظيمات المغلقة دائمًا: أنها لا تكتفى بصناعة الأتباع التقليديين، بل تصنع بشرًا يعيشون داخل الرواية الهزلية حتى يفقدوا القدرة تمامًا على رؤية المسافة الفاصلة بين الحقيقة والدور المرسوم لهم.
ولذلك، تبقى المشكلة الحقيقية فى عالم التنظيمات السرية ليست فى وجود «على جناح التبريزي» وحده، بل فى تكاثر وتناسل أمثال شخصية «قُفّة»!!
وليس أدل على ذلك الهوان التنظيمى، من وصفٍ ساخر قاله تلامذته والعاملون فى قناة «الحوار» التى يديرها عزام التميمى نفسه، ويقدم فيها برنامجه التليفزيونى المدرسى الساذج؛ إذ قالوا بتهكم: «الراجل بقى فى سن خطر»!!
قالوها سرًا عندما فاجأهم باقتراح اسم مذيعة بالكاد حصلت على شهادة المرحلة الإعدادية، لتتقدم وتتولى تقديم برنامج «التوك شو» الرئيسى فى قناة «الحوار»، وذلك حين غادره أسامة جاويش مسافرًا إلى بريطانيا طلبًا للجوء السياسى وصولًا إلى الباسبور البريطانى كعادتهم جميعًا.
حينها، كان فريق البرامج فى قناة «الحوار» يعلمون يقينًا أن هذه المذيعة هى «زوجته السرية» رغم أنها فى عمر أحفاده، وأن نائبه فى إدارة قناة «الشرق» الإخوانية يستغل هذه العلاقة تحديدًا ليسرق من أموال التمويل المفتوح ما لعله يطفئ نار نهمه الدائم للمال؛ ولا سيما أن هذه المذيعة «الربع متعلمة» تقدم بالفعل برنامجًا يوميًا فى قناة «الشرق»، ولا عزاء لعقول جمهورهم المغيب.
ولذلك، رفض فريق البرامج مقترح التميمى حرصًا على برنامجهم الرئيسى، ولكن هذا الرفض لم يمنع «المراهق السبعيني» عزام التميمى من فرض برنامج أسبوعى خاص بها فى قناة «الحوار»؛ لتصبح هى الشخصية الوحيدة التى تقدم برنامجين فى الفضائيات الإخوانية، فى قناتين مختلفتين، وفى التوقيت نفسه!!
ولم تقف أدوار التميمى عند هذا الحد؛ فهو أيضًا نائب المدير الأعلى لمحمد ناصر، وهو الذى تولى مهمة نقله من قناة «مصر الآن» (التابعة لجناح محمود حسين) إلى قناة «مكملين» (التابعة للتنظيم الدولى للإخوان)، وهو ذاته الذى أصدر أمرًا مباشرًا لنائبه فى إدارة مكملين – أحمد الشناف – بأن يصبح مطيّة لكل نزوات محمد ناصر وتلبية رغباته، وهو ما كان بالفعل حتى انتهى الأمر بنقله هو الآخر إلى بريطانيا !!
وهو أيضًا الذى أمر بتلميع الخائن المتصهين محمد سعد خير الله فى برامج قناة الشرق، بعدما كان قد أضافه لقائمة كتاب المقالات فى موقعه الإلكترونى (العربى 21 )، وهو الذى يكتب ويظهر فى الإعلام العبرى، ويروج لسرديات نتانياهو بإشراف تام من أيدى كوهين العنصر الاستخبارى الذى يعمل فى الوحدة 8200 الإسرائيلية والمسئولة عن اختراق الدول العربية، وبث الفتن والفرقة بين الشعوب العربية عبر الكتائب الإلكترونية !!
ولأن الأوطان لا تُستنزف معنويًا فقط بمن يصنع الوهم، بل بمن يحمله وينشره من شاشة إلى شاشة، ومن مدينة إلى مدينة، ومن عقل مغيب إلى عقل آخر، حتى يتحول التمثيل الطويل بالتدريج إلى واقع كما يتوهمون، ويصبح الدور المصنوع حياة كاملة؛ لعل أخطر ما فى هذه الحكاية بأكملها، هو أن «قُفّة» المسكين كان يظن واهمًا طوال الوقت أنه يتحرك بإرادته الحرة، بينما كان فى الحقيقة يتحرك بدقة داخل نصٍ مكتوب ومحبوك سلفًا، صاغته الأجهزة المعادية لمصر ولفلسطين وللعروبة منذ البداية.







