السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
الحج.. رحلة للتقوى!

الحج.. رحلة للتقوى!

فريضة الحج من العبادات التى تزيد من التقوى فى رحلة الحياة، والمؤمن هو الذى يتزود فى هذه الرحلة بالتقوى، فهى رصيده لليوم الآخر ليفوز بالجنة، فالحج رحلة للتقوى.



قال تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِى الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِى الأَلْبَابِ) البقرة 197.

لم تأت الدعوة للحج بصيغة الأمر «حجوا البيت»، وانما جاءت بالأسلوب الخبري: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)، والأسلوب الخبرى أشد إلزامًا من صيغة الأمر المباشر، لأن الجملة الاسمية تفيد الثبوت والدوام وليست مقيدة بزمن معين. 

والجملة الخبرية: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)، فيها معنى الأمر اللازم لأى مؤمن يحرص على تقوى الله، لأنها تؤكد أن على الناس فريضة يؤدونها لله، وأنها عليهم أى أنهم مدينون لله بها، وصياغة الجملة الاسمية جاءت ملزمة للمؤمن التقى، فلم يقل تعالى بالصيغة الاسمية «على الناس حج البيت»، ولكن قال: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)، والمؤمن يشعر بالالتزام لأن الذى يطالبه بتأدية هذه الفريضة هو الله تعالى. 

وقوله تعالى: (مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)، بمعنى أن غير المستطيع ليس مطالبًا بهذا الأمر، لأن الحج فريضة لله على المستطيع من الناس، وتقدير الاستطاعة متروك لتقوى المؤمن وحده، هو الذى يقدر مدى استطاعته المالية والجسدية، مع بدء الآية بلفظ الجلالة: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)، لتفيد القصر والحصر فى أن الحج لله وحده، ويجعل علاقة التقوى مباشرة بين الله تعالى وبين المؤمن.  

فى القرآن الكريم جاء ثناء الله تعالى على النبى إبراهيم عليه السلام من خلال الحديث عن علاقته بالكعبة وبيت الله الحرام: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِى قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ. وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) البقرة 124-125.

وعلاقة النبى إبراهيم بالكعبة من السمات المميزة له، لارتباط ذلك بالحج وبالصلاة، ولأنه أبو المسلمين: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ) الحج 78، فهو أول من استعمل الاسم وسمى نفسه وأتباعه به، وجعله تعالى إمامًا للناس، وألزمهم باتباع ملته، وباتخاذ مقامه مصلى.

وحقق النبى إبراهيم النموذج الأمثل فى العلاقة بين الله والعبد، وجعله تعالى قدوة للناس يتبعونه فى عبادة الله: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) الممتحنة 4، يخاطب تعالى المؤمنين بأن لهم أسوة حسنة فى النبى إبراهيم والذين معه لأنهم تبرؤا من قومهم بسبب كفرهم.

وفى القرآن أن النبى إبراهيم عليه السلام أول من استخدم عقله ليبحث عن الخالق، وبعد أن أصبح نبيًا استخدم عقله ليفكر فى كيفية إحياء الموتى، والسماح للعقل بالتفكير هو من الحكمة التى وهبها تعالى للإنسان: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ) الأنبياء 51، فالراشد هو الذى يستخدم عقله. 

وبدأت رحلته لليقين من أنه لا يمكن لهذا الكون أن يخلق نفسه ولابد له من خالق، وبعد تفكير أيقن أن الخالق ليس من الكواكب ولا القمر ولا الشمس، لأنهم يغيبون والخالق لا يغيب عن خلقه، وهو موجود وإن كنا لا نراه، ولذلك آمن بالله لا شريك له دون أن يراه.

فانتصر الفكر والعقل على كل الموروث بعد أن توصل إلى أن عبادة الأصنام غير معقولة: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) الأنعام 83.

وأمره تعالى بالنداء فى الناس للحج: (وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) الحج 27، وسماه تعالى بالمسلم: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) البقرة 131، وسمى تعالى كل من يتبع دينه مسلمًا: (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ) الحج 78.

والحج رحلة نتزود فيها بالتقوى، يأتى المؤمن ليحج إلى بيت الله الحرام قائلًا: «لبيك اللهم لبيك»، ولا يصح أن يخلط هذا النداء وتلك الاستجابة بذكر غير الله، فلا تعظيم إلا لله فى بيت الله.