أحمد الطاهري
كلام فى السياسة
الإرهاق الصامت
فى مطلع عام 2023 وتحت عنوان «عند منتصف الطريق» صدر مؤلفى الثانى مع دار ريشة للنشر والناشر المحترف حسين عثمان.. وكانت ملخص فلسفته رصد مصر فى مرحلة ما بعد كورونا وأنها تقف فى منتصف الطريق وليس عند مفترق طرق.. تقف فى منتصف الطريق لا يمكنها العودة للخلف ولابديل أمامها إلا المضى قدمًا رغم «الإرهاق الصامت».
وما أقصده أنه لا أحد يستطيع إنكار أن الدولة المصرية خاضت خلال السنوات الماضية معركة شديدة القسوة للحفاظ على بقائها واستقرارها فى منطقة سقطت فيها دول وتفككت جيوش وتبدلت خرائط.. كما أن حجم ما تحقق على مستوى البنية التحتية والمشروعات القومية يعكس إرادة سياسية كانت تدرك أن تأجيل الإصلاح لم يعد ممكنًا.
لكن الدول وخاصة دولة بحجم مصر لا تُختبر فقط فى قدرتها على عبور التحديات والأزمات وفى الحالة المصرية يغنى المثل الشعبى عن ألف مقال «ياما دقت على الراس طبول».
ولكن تُختبر كذلك فى قدرتها على الحفاظ على التوازن بين صلابة الدولة وراحة المجتمع.. حركة التنمية وجودة الحياة.
فالتاريخ يقول إن كثيرًا من الدول نجحت فى تثبيت أركانها لكنها دفعت أثمانًا داخلية قاسية لأنها لم تنتبه مبكرًا إلى الحالة النفسية والمعيشية لمواطنيها.
وفى تقديرى.. فإن القضية الحقيقية فى مصر اليوم لم تعد فقط قضية اقتصاد أو معدلات نمو أو أرقام تُعلَن فى التقارير الرسمية..بل أصبحت قضية «جودة حياة» بالمعنى الأشمل والأعمق.
لأن المواطن فى النهاية لا يعيش داخل المؤشرات.. بل داخل يومه العادى وقلق المستقبل وتكلفة المعيشة وقدرته على أن يشعر ببعض الطمأنينة وسط عالم مضطرب والحكومة المصرية تعمل وتجتهد فى حدود قدراتها ولكنها لا تخلق أملًا ولا تبث طمأنينة.
تعاقبت الأزمات والتحديات فى السنوات الخمس الماضية لم نتعاف من كورونا إلا وداهمتنا حرب روسيا وأوكرانيا ولم نبدأ فى التعايش معها إلا وانطلقت حرب الشرق الأوسط بشرارة مايسمى طوفان الأقصى وصولًا للحرب الأمريكية الإيرانية والتى لم تنته بعد.
وهنا تراكم «الإرهاق الصامت» على كاهل الحال المصرى.. شعب مرهق.. حكومة مرهقة.. عقول مرهقة.. أفكار مرهقة.. لتكون المحصلة خطابًا عامًا يجد صعوبة فى دفع الأمة إلى الأمام.
ذلك النوع من الإرهاق الذى لا يخرج فى غضب ولا يُعبَّر عنه بخطابات حادة.. لكنه يتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة اليومية.
إرهاق الطبقة المتوسطة التى ظلت لعقود طويلة العمود الفقرى للاستقرار المصرى..الطبقة التى تحملت أعباء الإصلاح الاقتصادى وصبرت على موجات الغلاء المتتالية انطلاقًا من إدراكها لحجم المخاطر التى كانت ومازالت تواجه الدولة.
لكن المواطن - وكلنا مواطن - بطبيعته.. يحتاج دائمًا إلى أن يرى أفقًا واضحًا أمامه..يريد أن يشعر أن ما يتحمله اليوم سيقوده فعلًا إلى غدٍ أكثر استقرارًا وراحة لا إلى دائرة مفتوحة من الضغوط المستمرة.
المشكلة هنا ليست سياسية بالمعنى التقليدى بقدر ما هى نفسية ومعيشية.. فالإحساس الدائم بالضغط الاقتصادى وتآكل القوة الشرائية وصعوبة التخطيط للمستقبل كلها عوامل تُنتج حالة عامة من القلق.. ولكنها صامتة أيضًا.
كما أن العالم نفسه تغيّر بصورة غير مسبوقة.. المواطن المصرى لم يعد يقارن حياته فقط بمن حوله بل أصبح يقارنها بالعالم كله عبر شاشة هاتف صغيرة،وبالتالى لم يعد مفهوم «جودة الحياة» مرتبطًا فقط بمستوى الدخل.. بل أصبح يشمل الوقت والخدمات والصحة النفسية والقدرة على الترفيه والشعور بالأمان الاجتماعى وإمكانية الحلم بالمستقبل.
وأتصور أن التحدى الأكبر أمام الدولة المصرية فى السنوات المقبلة لن يكون فقط فى استمرار التنمية وإنما فى إعادة التوازن بين «مشروعات الدولة» و«راحة الناس».
بين البناء على الأرض والبناء داخل الإنسان نفسه.
وربما تكون المرحلة القادمة بحاجة إلى سياسات أكثر اقترابًا من الحياة اليومية للمواطن.. تخفيف الضغوط عن الطبقة المتوسطة.. دعم فرص العمل الحقيقية..تحسين الخدمات العامة.. وتوسيع مساحات الأمل.. لأن الشعوب يمكنها أن تتحمل الصعوبات لفترات طويلة لكنها تحتاج دائمًا إلى أن تشعر بأن الطريق يقود إلى حياة أفضل ونحن نستحق ذلك رغم ما بنا من إرهاق صامت.







