رسالة لـالأسطى محمد عبد اللطيف اختصاصى حل مشكلات الماضى المستمر
الجهات الدولية تشيد بإصلاح التعليم فى مصر.. فمتى يشيد الطلاب وأولياء الأمور؟
د.محمد فتحى
يبدو وزير التربية والتعليم دائمًا فى مرمى النيران، أيًا كان اسمه، لا سيما بعد أن أصبح مرتبطًا بأكثر من 25 مليون أسرة تمثل عدد طلاب التعليم قبل الجامعى فى مصر، وبالتالى، فـ«قطة الوزير جمل» بالمثل الشعبى الدارج، وفى حالة الوزير محمد عبد اللطيف، نحن أمام «صنايعى» قادم من قلب العملية التعليمية كمدير مدرسة شهيرة ومرموقة، وقد تعامل مثل «الأسطوات» بعد أن هدأت عواصفه الأولى، فبانت كراماته، وحل مشكلات الماضى المستمر مثل كثافات الفصول التى أصبحت لا تتخطى خمسين طالبًا أبدًا، وأعاد تسكين المعلمين فسد عجز معلمى المواد الأساسية، وقام بزيارات ميدانية مفاجئة «بحق وحقيقى»، مقتربًا من الواقع الفعلى، ومقرّبًا مديرى المدارس منه فى لقاءات دورية يمنحهم فيها حرية الكلام، ويرسم لهم خطة اللعب.
ثم كانت طفرة ما أحدثه من فرق حين أعاد الطلاب للمدارس بعد أن أعاد التقييمات الأسبوعية والامتحانات الشهرية وأعمال السنة، لترتفع نسبة الحضور فى المدارس من 15 % (تخيلوا) إلى 87 % !! كان الإنجاز كبيرًا بالفعل، وذهبت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف» لتوثيق الأمر من خلال دراسة علمية لاستشراف مستقبل التعليم فى مصر، صحيح أنها لم تشرح لنا منهجيتها، لكنها كجهة دولية موثوقة، وعلى طريقة «لا من دينى ولا من دينك»، أكدت على أرقام مبشرة وتدعو للفخر، بعد مقابلات واستبيانات ونقاشات، بل وتشجع النتائج والإجابات على مزيد من العمل، بعد تحسن الحضور، وبعدما كان عدد الفصول التى يزيد فيها الطلاب على مائة طالب فى الفصل أكثر من 2000 فصل، تم القضاء تمامًا على هذه الظاهرة التى استمرت لعقود، وبعد أن كان العام الدراسى قصيرًا ومضغوطًا، زادت أيامه من 110 أيام إلى 174 يومًا، وفى عامين فقط، هما فترة تولى الوزير محمد عبد اللطيف، كشفت الدراسة عن ارتفاع مستوى العديد من الطلاب فى المراحل الأولى، وتأهيل مزيد من المدرسين ببرامج تدريبية، والأهم، والأجمل، والأروع، هو إصلاح مهارات القراءة والكتابة الأساسية عند طلاب كنا نلقبهم بأنهم يكبرون وهم لا يعرفون «الألف من كوز الدرة»، ليصبح شرط صعودهم للسنة الأعلى (فى سنوات التعليم الأولى)، هى اجتياز برنامج تنمية المهارات الأساسية للغة العربية، وهو برنامج علاجى يساعد الضعفاء فى هذه المهارات، ويدرجهم فى اختبارات لاحقة لإظهار تطور مستوياتهم، وبالفعل، خضع لهذه البرامج – حتى الآن – أكثر من مليون و380 ألف طالب فى الصفوف الأولى.
يبدو الأمر إذن لحظة انتصار كبيرة – ومعترف بها دوليًا – لمنظومة التعليم، وبالتأكيد لمحمد عبد اللطيف الذى ما زال يبشرنا بالمزيد، لا سيما بعد أن حقق تطويرًا فى المناهج والمقررات (94 مقررًا فى عام واحد) أظهرت الدراسة أن المعلمين يشعرون تجاهها بالرضا الشديد، وبعد أن استحداث مقررًا للبرمجة والذكاء الاصطناعى، وأسهم فى زيادة عدد المدارس المصرية اليابانية، وغيرها من الملفات التى جعلته «يجب أن يستمر» من وجهة نظر رئيس الوزراء الذى اختاره من جديد بعد إعادة تكليفه، بل إن رئيس الوزراء نفسه كان يذهب فى زيارات مفاجئة على هامش جولاته، للعديد من المدارس الحكومية، ليتأكد: هل التقارير حقيقية؟ هل الأطفال قادرون على القراءة؟
هل الطلاب عادوا للمدرسة؟ وكانت الإجابة دائمًا هى نعم، بغض النظر عن رأى القارئ العزيز، أو ملاحظاته على التعليم وعلى المدرسة، وهذا هو ما حدث بالفعل.
أما وقد قلت ما قلت، وكتبت ما كتبت، وأشدت بمنتهى الإعجاب بما حدث، فالأمانة الآن تقتضى أن نسأل بوضوح: هل الناس تشعر بالفارق؟ هل أولياء الأمور سعداء بمثل هذه النتائج وتشيد بها؟ هل الطلاب الذين يذهبون للمدرسة يحبون هذه المدرسة، أم يذهبون مرغمين بسبب نظام التقييمات؟، ولا نسأل ذلك تشكيكًا، بل محاولة منا لنكتشف «الحتة الناقصة» فى تجربة محمد عبد اللطيف، والذى هو مشروع الدولة المصرية، وليس مشروع وزير كما يؤكد كل الوزراء فى بداية توليهم للمسئولية، والحقيقة أن التحدى الآن أمام وزير التربية والتعليم هو كيف يحبب الطلاب فى المدرسة، خصوصًا وأن مساحة الأنشطة تراجعت بشدة، وهى ليست رفاهية كما قد يظن الوزير، وليست بالبساطة التى تجعله يذكرها عرضًا، وتخرج عنها بيانات، ثم لا يحدث شيء حقيقى يتم الاحتفاء به، والمدرسة التى هى مصنع مواهب تستحق أن يكون لديها مشروع فنى ثقافى رياضى كبير، بحيث يدرك أطفالنا أنهم يذهبون لمكان يساعدهم، ويحتويهم، ويكتشف مواهبهم، ويرعاها، ولا أبالغ حين أقول: يدفعها للأمام، وقد تعثَّر العديد من مشروعات الأنشطة بسبب اعتبار العودة للمدرسة أولوية، فإذا كانوا عادوا، فمتى يحبونها.. وعلى طريقة الوزير سأكررها.. متى يحب أطفالنا الذهاب إلى المدرسة؟، وليس ذلك هو التحدى الوحيد، بل يعد قياس رضا الطلاب وأولياء الأمور مهمًا، وقد أعاقت أصوات أولياء الأمور وجروبات الماميز تجربة مثل تجربة د. طارق شوقى، فهل سيستفيد السيد محمد عبد اللطيف من هذه التجربة؟
ولنكن صرحاء أكثر، فالتعليم كما يجب أن يكون فى خناقة دائمة مع تعليم ما يطلبه المستمعون، فإذا استمرت الخناقة خسر الجميع.
ولنكن صرحاء أكثر مع أنفسنا، فقيمة نتائج دراسة اليونيسيف لا تكمن فى كونها شهادة نجاح نهائية، بل فى كونها تفتح الباب لسؤال أصعب: كيف نمنع هذه المكاسب من التراجع؟ وكيف نحولها من إجراءات إدارية ناجحة إلى تغيير عميق فى جودة التعلم؟
التحدى الأول أمام الوزير هو استكمال واستدامة عودة الطلاب إلى المدرسة، فوزير التعليم يعلم جيدًا أن طلاب الشهادة الإعدادية، وطلاب شهادة الثانوية العامة، لا يحضرون تقريبًا للمدارس، والفصول خاوية على عروضها، فهل يستطيع الوزير إعادتهم هم أيضًا؟ وهل ستشترط البكالوريا نسبة حضور معينة، وتقييمات صفية هى الأخرى، لضمان ألا تتحول إلى ثانوية عامة (بشرطة)؟ وهل سيعود الطلاب لأنهم يخافون فقط؟ أم أن المفترض أن تتحول المدرسة نفسها إلى مكان يستحق الحضور: فصل أقل ازدحامًا، معلم قادر، أنشطة جاذبة، تقييم عادل، وبيئة يشعر فيها الطالب أنه لا يذهب إلى المدرسة فقط لينجو من الغياب، بل ليتعلم وينمو.
التحدى الثانى هو تحويل علاج عجز المعلمين من حل مؤقت إلى سياسة مهنية عادلة. وإلى زيادة فى مرتباتهم ومكافآتهم، بحيث لا يعانوم دائمًا من عدم انتظام صرف مكافآتهم صحيح أن الوزارة نجحت فى سد فجوات كبيرة عبر الحصة، وإعادة التوزيع، وزيادة النصاب، لكن أى إصلاح تعليمى لا يستطيع أن يقف طويلًا على أكتاف معلم مُرهق أو مؤقت أو غير مطمئن.
التحدى الثالث هو حماية المعلم من أن يتحول الإصلاح إلى عبء إضافى، فالدراسة الخاصة باليونيسف تشير إلى أن المعلمين يقضون وقتًا معتبرًا أسبوعيًا فى التقييم، وأن التدريب وصل إلى نسبة مهمة منهم، لكن الإصلاح الحقيقى لا يكتفى بتكليف المعلم، بل يساعده، مع أهمية مراجعة آليات التدريب والتأهيل، فليس معقولًا أن يكون التدريب على منهج يوم واحد أون لاين كما حدث فى بعض المقررات، كما أنه ليس من المقبول أبدًا أن يكون تأليف كتاب اللغة العربية للصفوف الأولى يشارك فى تأليفه بعض غير المتخصصين.
التحدى الرابع هو الانتقال من إصلاح المناهج إلى إصلاح التعلم داخل الفصل. يمكن تطوير المناهج، وتبسيط الكتب، وإدخال البرمجة والذكاء الاصطناعى، لكن السؤال الحاسم هو: ماذا يحدث فى الحصة نفسها؟ هل تغيرت طريقة الشرح؟ هل صار الطالب يفكر ويجرب ويسأل؟ هل ننتقل من «حفظ المنهج» إلى «فهم العالم»؟
التحدى الخامس يتمثل فى السناتر التى أصبحت مدارس بديلة. فماذا سيفعل الوزير بشأنها؟ وكيف سيواجه ظاهرة «المدرس النجم»؟
كلها تحديات مهمة تستدعى من الوزير إعادة ترتيب أوراقه، وتتطلب منا دعمًا حقيقيًا له، مهما كانت نقاط الاختلاف والاندهاش والتساؤل، طالما أننا سنشعر بالنتائج فى أولادنا، وأتصور أن هذا سيحدث، لكننا – فقط – نستعجله، ونذكره أن الأمر.. يستحق.







