السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

مصر وليبيا.. جغرافيا «المصير المشترك»

فى فقه العلاقات الدولية، هناك تحالفات تصنعها المواءمات السياسية، وثمّة علاقات يفرضها التاريخ، ولكنّ هناك نوعًا نادرًا من الشراكات تصوغ حتميتها الجغرافيا؛ فتغدو عصية على التبدل وأبقى من تقلبات المصالح. هكذا تتجلى الخصوصية الاستراتيجية للعلاقات «المصرية- الليبية»، كعلاقة لا تُختَزل فى حدود مشتركة؛ بل فى مصير ممتد ظل صامدًا أمام أعنف التحولات الإقليمية.



لم تكن ليبيا عبر التاريخ مجرد جار غربى لمصر؛ بل مَثلت عمقًا استراتيجيًا، وامتدادًا اجتماعيًا، فالقبائل العربية الممتدة بين البلدين، وحركة التجارة التاريخية، كلها عوامل صهرت الشعبين فى نسيج واحد؛ مما جعل الأمن والاستقرار فى أحدهما انعكاسًا تلقائيًا للآخر.

من هذا المنطلق، لم تتعامل القاهرة مع الأزمة الليبية كملف خارجى خاضع لقواعد الدبلوماسية؛ بل كقضية أمن قومى من الدرجة الأولى؛ إذ أدركت الدولة المصرية مبكرًا أن تصدع مؤسّسات الدولة الليبية لن يتوقف أثره داخل حدودها؛ بل سينسحب على المنطقة بأسْرها، مفسحًا المجال أمام الفوضى، والإرهاب، والتدخلات الأجنبية؛ فتكلفة انهيار الدولة الوطنية دائمًا ما تفوق تكلفة الحفاظ عليها.

بينما تعاملت قوَى إقليمية ودولية مع الساحة الليبية كأوراق مساومة ومناطق نفوذ، تحركت مصر وفق رؤية مغايرة ارتكزت على مبادئ «الحفاظ على وحدة وسلامة الأراضى الليبية»، «دعم وتأهيل المؤسّسات الوطنية الشرعية»، و«منع التقسيم ومكافحة تمدد الميليشيات والسلاح».

ولم تنعزل هذه الرؤية فى إطار الدعم النظرى؛ بل ترجمت إلى تحركات عملية؛ حيث احتضنت القاهرة مسارات الحوار الوطنى الليبى، ووحّدت جهود تقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين؛ لمنع تحول الجارة الغربية إلى بؤرة صراع دائم،كما استضافت القاهرة الأسبوع الماضى الاجتماع الثلاثى لدول جوار ليبيا بمشاركة وزراء خارجية مصر وتونس والجزائر لبحث دفع التسوية السلمية فى ليبيا.

تتويجًا لهذا الدور؛ جاءت كلمة رئيس مجلس النواب الليبى، المستشار عقيلة صالح، تحت قبة البرلمان المصرى، قبل أيام، كشاهد سياسى وإنسانى يَختزل أبعاد هذا الترابط. لم تكن الكلمة بروتوكولية؛ بل حملت اعترافًا بالعمق التاريخى لمصر بوصفها «السَّنَد الحقيقى» لليبيا فى مواجهة خطر الانقسام.

لقد عكست إشادة «صالح» بالدور المصرى حقيقة أدركها الداخل الليبى رسميًا وشعبيًا، وهى أن القاهرة لم تنظر إلى ليبيا كغنيمة سياسية؛ بل كشقيق يرتبط استقراره العضوى باستقرار مصر. كما أن استدعاء رئيس البرلمان الليبى لروابط الدم والمصاهَرة وحركة البشر عبر الحدود، أعاد التذكير بأن العلاقات بين البلدين تحميها الشعوب قبل أن تديرها الحكومات؛ فالمواطن الليبى فى مصر والمصرى فى ليبيا يتحركان بشكل يتجاوز مشاعر الغربة.

فى ظل إقليم يعيش إحدى أكثر لحظاته اضطرابًا، يقدم النموذج «المصرى- الليبى» درسًا عمليًا فى العلاقات العربية، بشكل يقوم على احترام السيادة، وصون مفهوم الدولة الوطنية، والإدراك المشترك بأن الأمن القومى العربى وحدة واحدة لا تقبل التجزئة.

الجغرافيا لا تُغير حقائقها، والتاريخ لا ينسى المواقف الصادقة فى أوقات الأزمات. وستظل الشراكة بين مصر وليبيا نموذجًا لعلاقة صلبة، حمت فيها مصر جارتها من السقوط الكامل؛ لتثبت أن ما يربطه المكان والتاريخ لا يمكن أن تفرقه السياسات العابرة.