ابراهيم خليل
نبوءة التفكك والانهيار تطارد إسرائيل
لم يعد الكلام المنمّق يجدى، ولم يعد بيع الأوهام يفيد فى شراء التفاؤل. المنطقة العربية تعيش وضعًا حرجًا؛ فالإمارات انسحبت من منظمة أوبك التى تتزعمها السعودية، فيما صرّح نتنياهو بأن دولة سنية تساعد إسرائيل وتنضم إليها فى الحرب ضد إيران. وفى الوقت نفسه، تتعرض الإمارات لعدوان إيرانى شديد وعنيف، بينما غابت سلطنة عمان عن اجتماع مجلس التعاون الخليجى الذى عُقد مؤخرًا فى السعودية.
أما لبنان، فيقف مجددًا عند مفترق طرق خطير، نتيجة الضغوط الأمريكية الشديدة على الرئيس اللبنانى جوزيف عون لعقد اجتماع خلال الأيام القادمة مع نتنياهو فى واشنطن. خطوة كهذه قد تؤدى إلى انفلات داخلى خطير، وربما إلى حرب أهلية أو على الأقل خلافات طائفية، بسبب اعتراض العديد من الأحزاب والقوى اللبنانية على التفاوض المباشر مع «مجرم الحرب» نتنياهو تحت تهديد السلاح والاحتلال.
هكذا نعيش ظرفًا إقليميًا شديد التأزم، تتشابك فيه التطورات الميدانية فى جنوب لبنان مع حسابات دولية تتجاوز حدود لبنان بكثير. التصعيد العسكرى بين حزب الله والكيان الصهيونى، بما يحمله من غارات وإنذارات بالإخلاء القسرى، يعيدنا إلى سؤال جوهري: هل نحن أمام حرب جديدة، أم بداية تحوّل أكبر فى الرؤية السياسية؟ المنطقة العربية تبدو أمام خيارات مكلفة للغاية، أولها الزيارة شبه المؤكدة للرئيس اللبنانى جوزيف عون إلى واشنطن لإجراء مفاوضات مباشرة مع نتنياهو برعاية أمريكية، وهى خطوة قد تفجّر التوازنات اللبنانية الداخلية وتؤدى إلى تصعيد عسكرى واسع بين إسرائيل وحزب الله.
وفى هذا الإطار، يبدو أن كل ما يُطرح من مفاوضات، سواء بين أمريكا وإيران أو بين إسرائيل ولبنان، سينتهى باتفاقيات غير مكتملة. حتى داخل الخليج هناك انقسام حول ما يتردد عن نية أمريكا تنفيذ ضربات جديدة ضد إيران إذا فشلت المفاوضات فى التوصل إلى اتفاق شامل.
عاد الرئيس الأمريكى ترامب إلى تصريحاته المتناقضة، معلنًا أن إيران «ستمحى من على وجه الأرض» إذا هاجمت السفن الأمريكية التى تؤمّن خروج السفن العالقة فى مضيق هرمز. وأضاف أن إيران «ستُدمَّر تدميرًا كاملًا» إذا تدخلت فى مشروع الحرية وهاجمت السفن الأمريكية المشاركة فيه.
الغريب أن ترامب علّق على هذه التصريحات العنيفة والتهديدات القاتلة بالقول إنه يعتقد أن إيران أصبحت أكثر مرونة فى مفاوضات السلام. تصريحات ترامب لا يُفهم منها شيء: هل يقصد الدمار الشامل لإيران، أم أن المفاوضات السرية والعلنية تسير نحو اتفاق؟
يبدو أن هناك ألاعيب يمارسها ترامب عبر تصريحاته المتناقضة، ليُستغل ذلك فى المراهنات والمضاربات داخل البورصات الأمريكية والدولية، محققًا لشركات مرتبطة به مكاسب مالية طائلة. ولا تفسير آخر لتضارب تصريحاته سوى أنه رجل أعمال يتلاعب حتى بخطابه السياسى لتحقيق أرباح دولارية ضخمة.
فى المقابل، جاءت تصريحات الحرس الثورى الإيرانى عنيفة، مطالبًا بمهلة أخيرة لرفع الحصار عن طهران. هذه المطالب تعكس ثقة كبيرة بقدرة إيران على فرض شروط تحقق لها مصالح واسعة، وهى ثقة تستند إلى الدعم الشديد من موسكو وبكين. وعلى خلفية هذا الدعم، قام وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى بزيارة بكين الأسبوع الماضى لإجراء مباحثات مع نظيره الصينى بشأن العلاقات الثنائية، حيث جددت بكين دعمها لإيران، إضافة إلى صفقات السلاح والبترول، وأظهرت تأييدًا أكثر وضوحًا وتواجدًا. وفى وقت سابق، قام عراقجى بزيارة موسكو أيضًا لتأكيد نفس الموقف، وإظهار للعالم بأسره أن الصين وروسيا تقفان إلى جانب إيران، وهو ما انعكس على خشونة وشدة التصريحات الروسية والصينية ضد أمريكا.
وإلى جانب ذلك، شهدت التصريحات الأوروبية تحولًا فى لهجتها، إذ انتقدت أمريكا بشكل مباشر. وفى الأفق يلوح حدث كبير سيكون له تأثير شديد على ترامب نفسه، وهى انتخابات التجديد النصفى التى تمثل اختبارًا حقيقيًا لإدارته، ما قد يدفع إلى تغييرات فى السياسة الخارجية الأمريكية لتصبح أكثر مرونة وأكثر ارتباطًا بالحسابات الانتخابية.
وفى هذه الأجواء المظلمة التى سببتها التصريحات المتبادلة بين ترامب والحرس الثورى الإيرانى، كشفت تقارير دولية أن عددًا من القادة الغربيين، منهم نتنياهو وعراقجى والحرس الثورى الإيرانى وترامب نفسه ، يقودون العالم بتصريحاتهم ومواقفهم نحو هاوية مجهولة. والأغرب أن المفاوضين الأوروبيين الذين شاركوا فى مفاوضات إيران عامى 2013 و2015 وصفوا المفاوضين الأمريكيين الحاليين بأنهم «لا يصلحون حتى لعقد صفقة عقارية»، مؤكدين أن المفاوضين الإيرانيين يملكون قدرة فائقة على التفاوض وممارسة الخداع لتحقيق أهدافهم.
المفاجأة الكبيرة والخطيرة فجرتها الكاتبة الصهيونية كارولينا لاندسمان فى صحيفة هآرتس الإسرائيلية، حيث أكدت أن إسرائيل تعيش أيامها الأخيرة كدولة، معتبرة أن نتنياهو نجح بالفعل فى تدمير النسيج الاجتماعى، وتفكيك الجيش، وإرهاب القضاء، لدرجة لم يبق شيء يمكن إنقاذه. وتصف الكاتبة إنجازات نتنياهو الحقيقية بأنها «تفكير ممنهج فى تفكيك كل ما كان يوصف بقوة الدولة»، مؤكدة أن المحاولات التى يبذلها الرئيس الإسرائيلى والمحكمة العليا لشراء الوقت مجرد وهم وسراب.
فى المجمل، نحن نعيش فى عالم متغير وجديد، وكأن بركانًا هائلًا قد انفجر، لتظهر دول وتختفى أخرى، ولا أحد يعرف إلى أين سيأخذنا هذا البركان المتفجر.







