السؤال الذى يفرض نفسه منذ عقود:
لماذا تهوى «أوروبا» النوم فى حضن الأفعى؟
رجب المرشدى
يظل السؤال الذى يفرض نفسه منذ عقود «لماذا تتستر أوروبا على تنظيم الإخوان الإرهابي» رغم كل الشرور التى ارتكبها وما زال؟! رغم كل المناشدات بحظر التنظيم ووقف تمويله تغض الدول الأوروبية الطرف عن التنظيم عن عمد لحاجة فى نفس يعقوب ورغم الاتهامات التى باتت توجه صراحة إلى أوروبا بأنها «تحتضن الأفعى» وستكتوى بنيرانها يوما ما.
منذ أيام أعلنت الولايات المتحدة» الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب لعام 2026» اتهمت فيها أوروبا صراحة بضعف التعامل مع تنظيم الإخوان الإرهابى.. الاستراتيجية الأمريكية أدرجت تنظيم الإخوان الإرهابى فى صلب ما يصفه بالإرهاب الإسلامى الحديث وربط بينها وبين عدة منظمات إرهابية مثل القاعدة وداعش مؤكدًا أن «جميع الجماعات الجهادية الحديثة، من القاعدة إلى داعش إلى حماس، تعود جذورها إلى منظمة واحدة هي: جماعة الإخوان».
واشنطن: الإخوان أصل الإرهاب
وأضاف: «جماعة الإخوان هى أصل كل الإرهاب الإسلامى الحديث القائم على إعادة الخلافة الإسلامية وقتل أو استعباد غير المسلمين، ولذلك اتخذ خطوة تاريخية بإصدار أمر تنفيذى يعلن بموجبه فرع الإخوان الأصلى فى مصر، إلى جانب فرعى الأردن ولبنان، منظمات إرهابية أجنبية، وسيتبعها قريبًا فروع أخرى». مشيرًا إلى مواصلة تصنيف فروعها فى جميع أنحاء الشرق الأوسط وخارجه كمنظمات إرهابية أجنبية لسحقها أينما تنشط».
أوروبا «حاضنة للتطرف» ودعوة لوقف «الانحدار المتعمد»
يُعد قسم أوروبا فى الاستراتيجية الأكثر إثارة للجدل، حيث وصفتها بأنها «موطن لسياسات تسمح بنمو بيئات حاضنة للتطرف» بسبب «الحدود المفتوحة والثقافات الغريبة والأفكار».
وتربط الوثيقة مباشرة بين سياسات الهجرة والانفتاح الثقافى وزيادة مخاطر الإرهاب، وجاء فيها «من الواضح للجميع أن الجماعات المعادية المنظمة جيدًا تستغل الحدود المفتوحة... وكلما نمت هذه الثقافات الغريبة، واستمرت السياسات الأوروبية الحالية لفترة أطول، زاد احتمال حدوث الإرهاب».
وأضافت «باعتبارها مهد الثقافة والقيم الغربية، يجب على أوروبا أن تتحرك وتوقف انحدارها المتعمد»، فى نقد لضعف الاندماج ومكافحة التطرف وضبط الحدود الداخلية والخارجية.
واعترفت الولايات المتحدة، فى استراتيجيتها الجديدة لمكافحة الإرهاب، بأن أوروبا حاضنة للتهديدات الإرهابية، مشيرة إلى أن «مجموعة من الجهات الخبيثة كالقاعدة، وداعش، قد استغلت حدود أوروبا الضعيفة بحرية لتحويل أوروبا إلى بيئة عمل متساهلة للتآمر ضد الأوروبيين و الأمريكيين».
وخصّصت إدارة ترامب عباراتها الأشد فى استراتيجيتها الأخيرة لأوروبا، رغم أن العديد من حلفاء الولايات المتحدة هم من القارة العجوز، ويشعر هؤلاء الحلفاء بالقلق لرؤية قارتهم فى مرمى نيران إدارة ترامب مجددًا.
ودعت الاستراتجية أوروبا «باعتبارها مهد الثقافة والقيم الغربية.. أن تتحرك الآن وتوقف انحدارها المتعمد».
وجاء فى الاستراتيجية «من الواضح للجميع أن جماعات معادية منظمة جيدًا تستغل الحدود المفتوحة وما يرتبط بها من أفكار عولمية، وكلما نمت هذه الثقافات الأجنبية، واستمرت السياسات الأوروبية الحالية لفترة أطول، ازداد احتمال حدوث الإرهاب».
إعلان الاستراتيجية يأتى بعد القرارات الأمريكية بتصنيف عدد من فروع «الإخوان» تنظيماتٍ إرهابية، فإن واشنطن لم تَعُد تنظر إلى الجماعة كفاعل سياسى، بل كمهدد أمنى وأيديولوجى ترى أن مواجهته ضرورية لتجفيف منابع التطرف، والحدّ من شبكات التأثير والتمويل والتجنيد، ويبدو أن المقاربة الأمريكية الجديدة تتجه إلى التعامل مع «الإخوان» ضمن رؤية أمنية أوسع، لا تكتفى بملاحقة التنظيمات المسلحة، بل تسعى أيضًا إلى محاصرة البنى الفكرية والتنظيمية التى تمنح التطرف القدرة على الاستمرار والانتشار.
الهجوم الأمريكى على أوروبا
التحول الأمريكى كما يظهر فى الاستراتيجية يأتى بعد أشهر عديدة من قراره بتصنيف تنظيم الإخوان منظمة إرهابية فى مصر والأردن ولبنان وتوقعات بتحركات أوروبية مماثلة.. لكن الأخيرة اكتفت بموقف المتفرج بل جعلت من بلادها «حاضنة» لهذه المنظات وفتحت أبوابها لعناصرها ووفرت لهم الدعم والحماية القانونية، بل منحت عددًا منهم جنسياتها حتى يتمتعوا بالحصانة الأوروبية رغم المناشدات بتسليم هؤلاء المجرمين لتنفيذ العقوبات التى صدرت ضدهم فى بلادهم.
وحتى التحركات الأوروبية التى تمت لتصنيف الإخوان منظمات إرهابية تمت على استحياء ولم تواصل الدول الأوروبية فى تفعيل هذه الأحكام، بل لم تستفد الدول الأوروبية بالزخم الذى تحقق عقب اعلان واشنطن تصنيف الإخوان منظمة إرهابية عكسا للتوقعات التى كانت تتنبأ بتضييف الخناق على التنظيم الإرهابى عالميا.
بريطانيا تدعم تنظيم الإخوان
المركز الأوروبى لدراسات مكافحة الإرهابية والاستخبارات أكد فى دراسة له «أن بريطانيا لا ترغب فى وقف الدعم أو الإعلان عن موقف واضح تجاه تنظيم الإخوان، الذى يتخذ من لندن مقرًا رئيسيًا له، فيما تشير غالبية المؤشرات إلى استمرار الدعم المقدم من السلطات البريطانية لجماعة الإخوان، وربما المؤشر الأهم هو استضافة بريطانيا لعدد من العناصر الذين غادروا تركيا وأيضًا استضافة منصات التنظيم الإعلامية بديلًا عن إسطنبول».
ومثلت بريطانيا ملاذًا آمنًا لعناصر تنظيم الإخوان الهاربين من مصر منذ عام 2013، كما تعد المعقل الأكبر للتنظيم داخل أوروبا، حيث سجلت الجماعة حضورًا مبكرًا هناك.
تأسس فرع الإخوان فى لندن منذ نهاية خمسينيات القرن الماضى لتصبح مقرًا رئيسيًا لانطلاق الإخوان نحو دول أوروبية أخرى، حيث يشمل منظومة من الجمعيات، وصلت إلى ما يقارب (60) منظمة داخل بريطانيا، فيما تنامى حجم الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة لجماعة الإخوان فى بريطانيا، وتشير التقديرات إلى أن تنظيم الإخوان يمتلك ثروات مالية تتراوح بين (8 – 10) مليارات دولار.
استراتيجية الإخوان
تعتمد استراتيجية جماعة الإخوان على الانتشار فى أوروبا، على منحى عكسى، مقارنة بنشاطها فى الدول العربية، بمعنى أن عملية التوغل فى الدول الأوروبية تحدث من خلال مؤسسات خيرية ومنظمات اجتماعية ومدنية، وليست تحت هيكل تنظيمى موحد أو ثابت أو إطار سياسى وتنظيمى، وبالتالى يختلف الهيكل التنظيمى للإخوان فى أوروبا من دولة إلى أخرى، ولكن الملمح المشترك يتعلق بالأهداف التى تسعى جميع المنظمات والمؤسسات التابعة للتنظيم حول العالم إلى تحقيقها، والمواقف التى يتم تمريرها من خلال تلك المؤسسات، وكذلك علاقتها بنشاط الجماعة الأم فى مصر أو بعض الدول العربية، فضلا عن المعلومات التى تتكشف من حين إلى آخر بخصوص، التعاون بينها وبين أذرع الإخوان فى العالم.
وتم رصد مؤسسات ومنظمات دولية ترسل أموالا لكيانات تابعة للإخوان، من هذه المنظمات الدولية «هيئة الإغاثة الإسلامية»، التى بدأت مؤخرا فى التكثيف من فعالياتها من أجل جمع التبرعات، وأكدت الاستخبارات الإسبانية أن «جهات أخرى ترسل دعمًا للإخوان فى برشلونة»، لكنها رفضت الإفصاح عن هوية هذه الجهات، أو وجهتها.
المنظمات والمؤسسات التابعة للإخوان: التى تم تأسيسها فى الدول الأوروبية تحت غطاء القانون لكنها تعمل وفق أهداف التنظيم وعلى تحقيق أجندته الخاصة، وبحسب المعلومات المتاحة فى هذا الصدد، تعد أبرز تلك المؤسسات؛ الرابطة الإسلامية فى بريطانيا، المجلس الإسلامى البريطانى، الهيئة الدينية الإسلامية فى النمسا، التجمع الإسلامى فى ألمانيا، ومنظمة «رؤيا» الألمانية، منظمة المرأة المسلمة فى ألمانيا، والمجلس الإسلامى فى برلين وبالرغم من عدم توافر أرقام دقيقة ومحددة حول «الإمبراطورية المالية» لجماعة الإخوان فى أوروبا، إلا أن التقديرات تؤكد أنها شبكة ضخمة متعددة الأوجه، تتنوع ما بين البنوك والاستثمارات المالية المصرفية والشركات فى مختلف القطاعات، والتجارة الحلال، و«الأوف شور».
تُمثّل جماعة «الإخوان» تهديدًا متجذرًا داخل المجتمعات الأوروبية، لا سيّما فى ألمانيا وفرنسا والنمسا، فعلى الرغم من الإجراءات المتعددة التى اعتمدتها الحكومات الأوروبية خلال السنوات الأخيرة، وتحديدًا منذ مطلع عام 2021، لا تزال الجماعة تُشكّل أحد أخطر التحديات الأمنية فى القارة، نظرًا لقدرتها المستمرة على إعادة التموضع والتخفى تحت أغطية ثقافية ودينية، هربًا من الملاحقة الأمنية، وإجراءات تتبّع الأنشطة ورصد مصادر التمويل.
ونرصد فى هذا التقرير بعضا مما جاء فى أجهزة الأمن والاستخبارات الأوروبية حول تنظيم الإخوان وتأيدها على خطورة التنظيم على النسيج الغربى حيث اجرت السلطات الفرنسية تحقيقًا واسع النطاق حول مصادر تمويل جماعة الإخوان فى فرنسا، حيث كشفت الأجهزة الاستخباراتية الفرنسية أن جماعة الإخوان تستخدم منظمات غير حكومية مُعترف بها من قبل الدولة كواجهة لترويج أفكارها المتطرفة داخل البلاد.
فى الثانى والعشرين من يناير 2026 صوّتت الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) على توصية بإدراج الإخوان على قوائم الإرهاب الأوروبية، ويأتى هذا بعد أيام من قرار الإدارة الأمريكية تصنيف فروع من جماعة الإخوان على قوائم الإرهاب العالمية، شملت فروع الجماعة فى مصر والأردن إلى جانب إدراج الجماعة الإسلامية – الفرع اللبنانى للإخوان منظمةً إرهابية أجنبية، مع فرض حزمة من التدابير العقابية، من بينها تجميد الأصول، وحظر التعامل مع الكيانات والأفراد المرتبطين بها داخل الولايات المتحدة، وهو القرار الذى تبنّته الأرجنتين، وأعلنت عن حظرها للإخوان بعد يوم من الموقف الأمريكى. ويُمثّل هذا الإجراء مؤشرًا على تحوّل نوعى محتمل فى الموقف الفرنسى من الإخوان فى ظل الجدل الداخلى حول الإسلام السياسى وتهديداته، وعليه؛ تستهدف هذه الدراسة تحليل دلالات التوصية الفرنسية، وفَهم انعكاساتها على البنية التنظيمية للإخوان المسلمين فى أوروبا واستشراف مساراتها المستقبلية.
وفى ألمانيا.. كشفت الاستخبارات الألمانية فى ولاية شمال الراين - وستفاليا، أكبر ولايات ألمانيا - عن تزايد عدد قيادات جماعة الإخوان على الأراضى الألمانية.
وفى ظل تزايد مخاطر تمدّد نفوذ الجماعة، ارتفعت الأصوات داخل البرلمان وبعض الأحزاب الألمانية مطالِبةً بحظر أنشطة الإخوان وتعقّب تحرّكاتها.
وأورد تقرير حديث صادر عن مركز حماية الدستور التابعة للاستخبارات الألمانية، أن تنظيم الإخوان الإرهابى يمتلك فى ألمانيا 30 جمعية نشطة، و511 مسجدا، و1091 حلقة دينية، بالإضافة إلى 2137 جمعية شبابية ونسائية جامعية.
أقر المجلس الوطنى فى النمسا قانونا جديدا لمكافحة الإرهاب والتطرف يستهدف تعزيز جهود الدولة لحظر نشاطات التنظيمات الإرهابية وملاحقة مموليها. وتأسست شبكات الإخوان فى النمسا فى الستينيات، على يد عدد من أعضاء التنظيم المصريين المهاجرين. ومن أبرزهم يوسف ندى، وأحمد القاضى، الذى لعب دورًا حاسمًا فى الوجود الإخوانى فى الولايات المتحدة.
كشفت الاستخبارات البلجيكية فى 18 نوفمبر 2022 عن الأنشطة والتمويلات السرية لتنظيم الإخوان والتى تهدف لاستقطاب وتجنيد الجاليات المسلمة وخلق مجتمع مواز مُحذّرة من تطرّف بعض أئمة المساجد وأعضاء تنظيم الإخوان. ووصفت الاستخبارات البلجيكية، جماعة الإخوان بأنها المنظمة الرئيسة التى انطلق منها جميع الجماعات المتطرفة مُحذّرة من أنّ لدى الإخوان تاريخًا معروفًا فى إخفاء معتقداتهم ودوافعهم المتطرفة.







