امتحانات الثانوية تحت رقابة البرلمان
«الشيوخ» يعلن الحرب على الغش
مى زكريا
تحت شعار «تعليم بلا غش».. اشتعلت أروقة مجلس الشيوخ المصرى بمناقشات حادة وتحذيرات واسعة من تحول الغش فى الثانوية العامة إلى «قنبلة تهدد مستقبل الدولة»، بعدما أكد النواب أن الظاهرة لم تعد مجرد تجاوزات فردية محدودة، بل أصبحت منظومة منظمة تضرب العدالة التعليمية فى الصميم، وتهدد بإخراج أجيال تحمل شهادات بلا علم أو كفاءة حقيقية، فى ظل تصاعد وقائع الغش الجماعى والتسريب الإلكترونى واستخدام وسائل تكنولوجية متطورة داخل اللجان. جاءت المناقشات خلال الجلسة العامة للمجلس على خلفية طلب الإحاطة المقدم من النائبة ولاء هرماس بشأن سبل التصدى للظاهرة وسط حالة توافق برلمانى نادرة على ضرورة التحرك العاجل لإنقاذ قيمة التعليم المصرى، بعدما تحول الغش – بحسب النواب – إلى خطر يهدد نزاهة الشهادة المصرية ويضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب.
وأكد أعضاء المجلس أن معركة مواجهة الغش لم تعد مسئولية وزارة التربية والتعليم وحدها، بل أصبحت مسئولية دولة ومجتمع بالكامل، تبدأ من الأسرة والمدرسة، ولا تنتهى عند العقوبات والرقابة، مرورًا بإعادة النظر فى ثقافة «كليات القمة» وإحياء قيمة التعليم الفنى، وصولًا إلى إعادة بناء فلسفة التعليم نفسها على أساس الفهم والإبداع لا الحفظ والتلقين. وطالب النواب بتطبيق عقوبات صارمة على المتورطين فى الغش وتسريب الامتحانات، مع تطوير وسائل التأمين التكنولوجى داخل اللجان، والتوسع فى أدوات التشويش والرقابة الإلكترونية، إلى جانب إطلاق حملات توعية تشارك فيها المؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية، للتأكيد على أن «التفوق الكاذب» لا يصنع نجاحًا حقيقيًا، وأن أخطر ما تنتجه ظاهرة الغش هو تخريج عناصر غير مؤهلة قد تتحكم مستقبلًا فى أرواح الناس ومصالحهم.
ومن جانبه، أكد محمد عبداللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفنى، خلال مشاركته فى الجلسة العامة برئاسة المستشار عصام فريد، أن الوزارة اتخذت إجراءات جادة وحاسمة لضمان انتظام امتحانات الثانوية العامة، مشددًا على أن امتحانات هذا العام روعى فيها أن تكون فى مستوى الطالب المتوسط بما يحقق العدالة وتكافؤ الفرص بين جميع الطلاب. وشدد الوزير على أن الوزارة «لن تتهاون مع أى تجاوزات أو محاولات للإخلال بمنظومة الامتحانات»، مؤكدًا أن هناك إجراءات فورية وحاسمة سيتم اتخاذها تجاه أى مخالفات حفاظًا على مبدأ النزاهة والانضباط وتحقيق العدالة بين الطلاب، مشيرًا إلى أن نظام شهادة البكالوريا المصرية يتوافق مع أفضل النظم التعليمية الدولية مثل IG وIB، فى إطار خطة تطوير التعليم وربطه بالمعايير العالمية الحديثة.
مواجهة حاسمة
وأكدت النائبة ولاء هرماس، عضو مجلس الشيوخ ومقدمة طلب الإحاطة، أن مناقشة ظاهرة الغش تأتى فى توقيت بالغ الخطورة لحماية حق الطالب المجتهد والحفاظ على قيمة الشهادة المصرية، مشددة على أن الغش «لم يعد سلوكًا فرديًا محدودًا، بل تحول إلى ظاهرة ممتدة ومنظمة تهدد تكافؤ الفرص وتضرب العدالة التعليمية فى مقتل». وقالت هرماس إن استمرار هذه الظاهرة دون مواجهة حاسمة يعنى إهدار قيمة التعليم وتخريج أجيال تحمل شهادات بلا علم، رغم ما تتحمله الدولة من تكلفة ضخمة لإدارة منظومة الثانوية العامة التى تضم مئات الآلاف من الطلاب وآلاف اللجان وعشرات الآلاف من المراقبين.
وكشفت أن بعض كليات الطب سجلت نسب رسوب تجاوزت 70 % فى الفرقة الأولى، معتبرة أن ذلك يعكس خللًا حقيقيًا فى منظومة تأمين الامتحانات ومواجهة الغش، خاصة مع التطور الكبير فى وسائل الغش، من الهواتف المحمولة والسماعات الدقيقة والكاميرات الصغيرة، وصولًا إلى التسريب الإلكترونى والغش الجماعى باستخدام مكبرات الصوت خارج اللجان. وشددت على ضرورة حماية المراقبين باعتبارهم «خط الدفاع الأول» فى مواجهة الغش، فى ظل تعرض بعضهم لضغوط وتهديدات ومحاولات ترهيب لتمرير المخالفات. وأضافت أن الأزمة ترتبط بعدة أسباب، أبرزها ثقافة «الفرصة الواحدة» التى تختزل مستقبل الطالب فى امتحان واحد، إلى جانب الاعتماد على الحفظ والاسترجاع بدلًا من الفهم، واتساع الفجوة بين أدوات الغش الحديثة ووسائل المواجهة التقليدية.
تشديد العقوبات
وطالبت هرماس بإعادة تقييم شاملة للسياسات الحالية من خلال تشديد العقوبات، وتطوير وسائل التأمين التكنولوجى، وإعادة النظر فى نظام التعليم والاختبارات والتنسيق، إلى جانب تعزيز الدور التوعوى للمدارس والإعلام ودور العبادة لنشر قيم الأمانة ورفض الغش، مؤكدة أن حماية امتحانات الثانوية العامة «ليست مسؤولية وزارة التربية والتعليم وحدها، بل مسؤولية دولة كاملة دفاعًا عن قيمة الشهادة المصرية وحق الطالب المجتهد»، مشددة على أن الهدف الحقيقى لا يجب أن يقتصر على «امتحان بلا غش»، بل بناء منظومة تعليمية عادلة وموثوقة.
أزمة التفوق الكاذب
وقالت النائبة داليا الأتربى، عضو مجلس الشيوخ، إن مواجهة الغش مسئولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والأسرة، مؤكدة أن الأسرة تتحمل دورًا أساسيًا فى تغيير الثقافة التى تربط النجاح فقط بكليات الطب والهندسة. وشددت على أن المجتمع بحاجة حقيقية إلى إعادة الاعتبار للتعليم الفنى والعمالة الفنية والصنايعية، لأن «العمارة لا يبنيها المهندس وحده، بل يبنيها أيضًا العامل والصنايعى»، معتبرة أن النظرة الدونية لبعض المهن أحد الأسباب الرئيسية لأزمة الغش.
وأضافت أن الصراع المحموم من أجل دخول «كليات القمة» خلق ضغوطًا هائلة على الطلاب وأسهم بشكل مباشر فى انتشار الغش، مطالبة بعقوبات رادعة وحقيقية، مثل إلغاء الامتحان وإعادة السنة الدراسية، إلى جانب تكثيف استخدام وسائل التشويش وقطع الاتصالات داخل اللجان لمواجهة الغش الجماعى والتسريب الإلكترونى. وأكدت أن أخطر ما فى الظاهرة هو تخريج «طبيب فاشل ومهندس فاشل»، بما يهدد المجتمع كله، لأن هذه المهن ترتبط بحياة الناس ومستقبلهم.
كما دعت الأتربى إلى تكثيف حملات التوعية عبر الإعلام والمجالس القومية ومنظمات المجتمع المدنى، إلى جانب توظيف الدراما والأفلام والمسلسلات فى نشر الوعى بمخاطر الغش، مؤكدة أن «التفوق الكاذب» لا يصنع نجاحًا حقيقيًا، وأن الأسرة لا يجب أن تفرح بابن يحمل لقبًا كبيرًا وهو غير مؤهل فى الحقيقة، لأن المجتمع فى النهاية هو من يدفع ثمن هذا الخلل.
مراجعة شاملة للمنظومة
ومن جانبه، أكد النائب الدكتور عصام خليل، رئيس حزب المصريين الأحرار وعضو مجلس الشيوخ، أن مواجهة الغش لا يجب أن تتوقف عند حدود العقوبات والإجراءات الرقابية، وإنما تبدأ من مراجعة شاملة لفلسفة التعليم فى مصر، مشددًا على أن الأزمة الحقيقية تكمن فى استمرار الاعتماد على الحفظ والتلقين بدلًا من التفكير والإبداع.
وأوضح خليل أن تطوير التعليم يبدأ من إعادة صياغة عقلية الطالب منذ المراحل الأولى، بحيث يكون الهدف هو تعليمه «كيف يفكر» لا «ماذا يحفظ»، مشيرًا إلى أن كبرى الدول الأوروبية تجاوزت فكرة الامتحان القائم على استرجاع المعلومات، واتجهت إلى نماذج تعتمد على التحليل والفهم، مثل نظام «الكتاب المفتوح» (Open Book)، الذى يقضى عمليًا على ثقافة الغش لأن الامتحان يقيس مهارة التفكير لا حفظ النصوص. وأكد أن استمرار ربط مستقبل الطالب بكم هائل من المعلومات المحفوظة خلق بيئة خصبة للدروس الخصوصية والبحث عن وسائل غير مشروعة لتحقيق التفوق.
ودعا إلى تغيير «السيستم بالكامل»، بداية من البيئة التعليمية وتأهيل المعلم، وصولًا إلى تطوير المناهج ونظم التقييم، بما يضمن تخريج أجيال قادرة على التفكير والإبداع والمنافسة فى سوق عمل عالمية متغيرة، مؤكدًا أن «الدولة التى تريد مستقبلًا قويًا لا تخرج حافظين للمعلومات فقط، بل تخرج عقولًا تعرف كيف تفكر وتبتكر وتصنع المستقبل».







