السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
 جـامعة سـنجور.. والإيمان بإفريقيـا

أنا وقـلمى

جـامعة سـنجور.. والإيمان بإفريقيـا

ترسم الجامعات معالم المستقبل فى عالم تتزاحم فيه التحديات من أزمات، مُناخية، وجائحات، إلى حروب تكنولوجية واستقطابات ثقافية، فلم تعُد الجامعات مجرد أبنية صماء، يتم استخدامها فى تدريس علوم ومعارف ثابتة، بل تحولت إلى معامل ومُختبرات حية لإعادة تصميم المستقبل، لذا تأتى جامعة «سنجور» فى مدينة «برج العرب» الجديدة بمحافظة الإسكندرية نموذجًا بارزًا فى هذا السياق، حيث تقوم بتجسيد فلسفتها، وتوقيتها، ورسالتها، كنموذج استثنائى لما ينبغى أن تكون عليه الجامعة القادرة على رسم معالم المستقبل، وعندما يقوم الرئيس «عبدالفتاح السيسى» رئيس جمهورية مصر العربية، والرئيس إيمانويل ماكرون» رئيس فرنسا بافتتاح هذا الصرح الجامعى الجديد لجامعة سنجور بمدينة الإسكندرية، إذن هذا الافتتاح يحمل أبعادًا استرتيجية مهمة، أولها على المستوى المحلى، حيث يجعل هذا الافتتاح من مصر مركزًا إقليميًا للتعليم والثقافة الفرنكوفونية، ودعم توجهها لجذب الجامعات الأجنبية والطلاب الوافدين، بما يُنوِّع مصادر التعليم، وإنعاش الاقتصاد المصرى، وثانيًا وعلى المستوى الإقليمى (العربى والإفريقى)، تُساهم هذه الجامعة بتخريج كوادر إفريقية فرنكوفونية فى الإدارة والصحافة والطاقة والبيئة، وتبنى جسورًا بين شمال وجنوب المتوسط، كما أنها تُدعِّم التنمية الإفريقية بلغة عالمية ثالثة - بعد اللغة العربية والإنجليزية - وعلى المستوى الثالث العالمى، تُعد جامعة سنجور هى أول جامعة فرنكوفونية خارج أوروبا بنظام دولى، لتُجسد رؤية الرئيس السنغالى الراحل «ليوبولد سيدار سنجور» حول (الحضارة الجامعة)، وهو لم يكن مجرد سياسى عادى، وﻻ كان عاطفيًا متعلقًا، بل كان فيلسوفًا وشاعرًا، كما أنه كان مؤسسًا لحركة «الزنوج بإفريقيا»، ناهيك عن إيمانه بأن إفريقيا تمتد من نيويورك إلى باريس عبر الشتات، وأنها بإمكانها أن تُحيى الحضارة الغربية الجامدة، كما أنه جمع فى حكمه بين القيم التقليدية والإدارة الحديثة، واتخذ من اللغة الفرنسية أداة تحرر - وهو ما طُبِّق فى جامعته - لغة فرنسية، منهج إفريقى، مستقبل كونى، ولو نظرنا لخريجى هذه الجامعة منذ إنشائها عام «1990» حتى اليوم، سنجد أنها خرجّت كوادر بارزة خاصة من إفريقيا والعالم العربى فى مجاﻻت السياسة والإدارة والفنون من أبرزهم الرئيس «إسماعيل عمر جيلى» ( جيبوتي) الذى درس الموارد المائية بالجامعة، «وباتريك آيشى» (بنين) وهو وزير سابق فى الاقتصاد الرقمى، «وتوماس كامبا» (الكنغو برازافيل) وكان وزير سابق للاتصاﻻت، «وديوكورى كينياتا» (مالى) وشغل وزيرًا سابقًا للتعليم العالى فى بلاده، ناهيك عن مفكرين وأكاديميين تخرجوا فى هذه الجامعة منهم الدكتور «عبده ضيوف» (السنغال)، مدير الأبحاث بمعهد «باستور»، والدكتور «تراورى ألبيتى» (بوركينا فاسو) أستاذ العلم البيئى، مع العلم بأن جامعة سنجور متخصصة فى منح الماجستير والدكتوراه للطلاب الموظفين، لذا أثر هذا  أكثر فى النخب الحاكمة والتنفيذية، حيث شغل أغلب خريجيها مناصب عليا فى الحكومات والمنظمات الدولية، وﻻ ننسى أن توقيت افتتاح هذه الجامعة فى مصر جاء مع انتهاء الحرب الباردة، ورغبة الدول الفرنكوفونية فى إعادة ترتيب علاقاتها بإفريقيا بقواعد جديدة، بالإضافة إلى انفتاح مصر اقتصاديًا وسياسيًا على العرب بعد حرب الخليج، وعودتها النشطة لدورها الأفريقى، وحاجة أفريقيا الملحة لتعليم عالٍ يواكب التنمية بعد عقود من الاستغلال والإرث الاستعمارى، وإيمانًا من القيادة السياسية المصرية بأفريقيا، أصبحت «جامعة سنجور» أداة نفوذ ناعم للدول الفرنكوفونية فى إفريقيا من خلال التعليم، والخلاصة.. إن «جامعة سنجور» بمزيجها الفريد من الإيمان الأفريقى بصفة خاصة، والانفتاح العالمى عبر الفرنسية بصفة عامة، فهى تُمثِّل نموذجًا حيًا للجامعة التى ترسم جسرًا بين التُراث والحداثة، بين الشمال والجنوب، بين التحدى والحل، فى عالم ﻻ يكُف عن التدفق، فلم تعد الجامعات تنتظر المستقبل، بل تقوم بتشييد محطاته قبل أن يصل إليها الزمن.. وتحيا مصر.