السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
حتمية إعادة بناء  السردية المصرية ( 3-3)

حتمية إعادة بناء السردية المصرية ( 3-3)

بهذا المقال.. نصل إلى ختام هذه السلسلة التى حاولت الاقتراب من واحدة من أهم القضايا المرتبطة بمستقبل الدولة المصرية.. قضية السردية.. كيف ترى مصر نفسها؟ وكيف يريد الآخرون أن يروها؟ وكيف يمكن استعادة الاتزان وسط عالم تتصارع فيه الروايات بقدر ما تتصارع فيه المصالح؟



وخلال النقاش.. كان هناك سؤال يتكرر بشكل واضح، وهو: من المسئول عن السردية المصرية؟ ومن يمتلكها؟

والحقيقة أن السردية المصرية أكبر من أن تكون مسئولية مؤسسة واحدة.. لأنها فى الأصل انعكاس لحركة دولة.. ما بالك أن تكون الدولة بحجم مصر وتاريخها وموقعها وتشابكاتها الإقليمية والدولية.

لكن المؤكد أيضًا أن الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى.. أدركت مبكرًا حجم التحديات التى تواجهها المنطقة وتحركت وفق رؤية حافظت على بقاء الدولة الوطنية المصرية متماسكة.. فى وقت سقطت فيه دول وتفككت جيوش وضاعت خرائط كاملة من حولنا.

وربما هنا تحديدًا ظهرت فجوة الفهم.

فبينما كانت الدولة تتحرك بمنطق الحفاظ على البقاء وإعادة تثبيت مؤسساتها.. كان جزء من الخطاب المحيط بها لا يزال يستخدم أدوات قديمة لا تواكب حجم المتغيرات الجديدة.. فظهرت أحيانًا مسافة بين ما تفعله الدولة وما يفهمه البعض عنها.

ومن هنا جاءت فكرة إعادة بناء السردية المصرية.. ليس باعتبارها حملة إعلامية.. بل باعتبارها مشروع وعى وتنظيم فهم.

لكن كيف يمكن تحقيق ذلك عمليًا؟

فى تقديرى.. هناك خطوات واضحة ومباشرة أرى أنها لا تحتمل التجاهل أو التأجيل ويجب العمل عليها خلال المرحلة المقبلة:

أولًا: ترسيخ فكرة الدولة الدستورية الحديثة.

وهنا جوهر المسألة كلها.. فاستعادة الاتزان تبدأ من سيادة الدستور واحترامه وفهمه باعتباره العقد الوطنى الذى ينظم العلاقة بين الدولة والمجتمع كلما ترسخت فكرة المؤسسات والقانون أصبحت صورة الدولة أكثر استقرارًا وقدرة على الإقناع وأصبح المواطن أكثر ثقة فى أن الدولة تتحرك وفق قواعد واضحة لا وفق ردود أفعال مؤقتة.

ثانيًا: بناء جسر مباشر مع الشباب.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتعرف الأجيال الجديدة على وطنها من روايات مضادة أو مشوهة. المطلوب ليس خطابًا تقليديًا بل إعادة فتح مساحات الحوار الوطنى الحقيقى مع الشباب وعودة مؤتمرات الشباب ومنتدى شباب العالم باعتبارهما أحد أهم أدوات التواصل المباشر بين الدولة والأجيال الجديدة وأحد النوافذ التى قدمت صورة مصر الحديثة بصورة أكثر انفتاحًا وثقة.

ثالثًا: تحويل الإنجازات إلى روايات إنسانية مفهومة.

الدولة المصرية نفذت خلال السنوات الأخيرة مشروعات ضخمة فى البنية التحتية والطاقة والطرق والإسكان والحماية الاجتماعية وخاضت برنامج إصلاح اقتصادى شديد القسوة والمواطن المصرى تحمل جزءًا كبيرًا من هذا الثمن بصبر وإدراك لحجم التحديات. ومن حقه اليوم أن يرى بوضوح نتائج ما تحمله وأن يشعر أن ما دفعه من تكلفة كان من أجل بقاء الدولة واستقرارها وبناء مستقبل مختلف للأجيال القادمة فالأرقام وحدها لا تكفى بينما القصة الإنسانية هى التى تصنع الاقتناع الحقيقى.

رابعًا: تأسيس كيان وطنى حديث لإدارة السردية المصرية عالميًا.

العالم اليوم يخاطب الرأى العام بلغات متعددة وبأدوات رقمية شديدة التطور بينما ما زال كثير من رسائلنا تتحرك بعقلية تقليدية نحن بحاجة إلى كيان متكامل يضم خبراء إعلام وسياسة وتكنولوجيا وعلم اجتماع تكون مهمته الأساسية تقديم الرواية المصرية للعالم بشكل احترافى وعصرى.

خامسًا: الاستثمار المطلق فى القوة الناعمة المصرية.

مصر لم تدخل قلوب العرب يومًا عبر السياسة فقط بل عبر الفن والثقافة والتعليم والدراما والصحافة والأزهر الشريف والكنيسة المصرية وهنا يجب أن تعود الدولة لدعم مشروع ثقافى وإعلامى كبير يعيد تقديم الشخصية المصرية الحقيقية..المتوازنة.. العميقة المنفتحة والواثقة من نفسها.

ويبقى الأهم من كل ذلك.. أن ندرك أن هناك مشكلة أصلًا.