نبيل عمر
الأكاذيب تحكم العالم وتهدد استقراره!
لأسباب تاريخية تتجاوز فلسفة نيكولا ميكيافيلى وكتابه الشهير «الأمير» الذى برر فيه الوسائل الدنيئة إذا كانت تحقق مصالح عليا، لم يعد الكذب فى السياسة الحديثة مجرد انحراف أخلاقى أو خطأ عابر، بل صار أداة استراتيجية تستخدم بوعى لإدارة السلطة، وأكاذيب الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وأكاذيب رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نيتانياهو ليست سوى إعادة إنتاج هذه الوسائل فى العلاقات الدولية والمحلية، ربما الفارق أن الكذب قديمًا كان يمارس فى الخفاء، ويلبس أقنعة ملونة مبتسمة، لكن قادة مثل ترامب ونيتانياهو وغيرهما جعلوا الكذب جزءًا من خطابهم اليومى، يطلقونه علنًا أمام الإعلام والجماهير وهم يدركون تمامًا أنهم يكذبون عمدًا مع سبق الإصرار والترصد، حتى تصير أكاذيبهم مادة للنقاش والجدل، أكثر من كونها فضيحة عالمية تستوجب الخجل والاختفاء عن الأنظار.
وقد لا تعنينا أكاذيب هؤلاء السياسيين إذا كانوا يضحكون على شعوبهم ومؤيديهم الذين يصفقون لها ويروجونها، لكن الذى يعنينا أن بعض هذه الأكاذيب تؤثر على استقرار الشرق الأوسط والعالم أيضا، أى تمس حياتنا ومستوى معيشتنا بطريقة مباشرة!
مثلا نحن لم نهتم بما قاله الرئيس ترامب قبل ست سنوات عن تزوير الانتخابات الأمريكية التى فشل فيها فى 2020، وقد يكون كلامه صحيحًا أو غير صحيح، وقد سبقه كلام مشابه عن تزوير انتخابات جورج بوش الابن فى ولايته الثانية على آل جور بقرائن قوية، دون أن يرفعوا الأمر إلى أى محكمة تبت فيها، وبرروا وقتها عدم اللجوء للقضاء بالحرص على صورة الديمقراطية الأمريكية أمام العالم واستقرار المجتمع الذى كان العنف عنصرًا فاعلًا فى تأسيسه وتكوينه النفسي.
وأيضا لا تعنينا أكاذيب بنيامين نيتانياهو الداخلية على المجتمع الإسرائيلى، فبأى مقياس هو سياسى فاسد، وفساده عليه عشرات الأدلة القانونية، لكننا نعتبرها قضية خاصة بمجتمع يعيش على الحرب والأكاذيب، نتابعها كمؤشر على الفيروسات التى تنهش فى كيان لا يمت للبيئة المزروع فيها بالإكراه!
لكن عندما تصل هذه الأكاذيب إلى مائدة طعامنا وتفسد هدوء حياتنا فالأمر مختلف، ولا يمكن أن نسكت عليه، فالكذب هنا يستخدم كسلاح للتعبئة الشعبية ضد منطقتنا وأمننا الإقليمى والعالم أيضا، فترامب يضخم الخطر الإيرانى على الأمن القومى الأمريكى، مع أن أمريكا هى القوة العظمى الأولى فى عالمنا، وقدرات إيران أضعف عشرات المرات من قدرات أمريكا، ويستحيل أن تهدد الأمن القومى الأمريكى تهديدًا حقيقيًا، لكن أمريكا منذ خروجها من عزلتها خلف المحيطين الهادى والأطلنطى، لتقود النظام العالمى الجديد، وسعت من دوائر أمنها حتى شملت كوكب الأرض كله، وقد تكون هى أول إمبراطورية فى العالم عبر التاريخ كله التى جعلت أمنها بامتداد الكوكب، صحيح أن بريطانيا اقتربت من هذا المفهوم ولكن لم تصل أبدا إلى مداه النهائي!
وحين كذب ترامب بخصوص الخطر الإيرانى كان يعلم أن تقارير مخابراته، وتقارير مخابرات الدول الحليفة والصديقة لم ترصد هذا الخطر، ولا تعترف به إلا أمام الإعلام فقط وعلى ألسنة السياسيين، وهى أكاذيب تماثل تمامًا أكاذيب جورج بوش الابن عن امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، كذريعة لغزوه العراق وتفتيته وإرجاعه إلى الوراء ما يقرب من خمسين سنة.
لم تقف أكاذيب ترامب عند حدود إيران، بل أطلقها على حلف الناتو لأن الحلف لم يدخل معه فى الحرب ضد إيران، وقد نندهش من طلبها كأن الولايات المتحدة لا تكتفى بكل ترسانتها الجوية والبحرية والبرية، لكن فى الحقيقة كانت تريد «دعمًا دوليًا» يكسب حربها «الشرعية المفتقدة».
فى الوقت نفسه قصف ترامب بأكاذيبه الصين أيضا، مما خلق حالة من الارتباك فى النظام العالمي.
لم يكن الكذب عند ترامب وسيلة دفاعية، بل استراتيجية هجومية، عشرات الأكاذيب اليومية التى يصعب ملاحقتها، فتستنزف اهتمام الإعلام والجمهور وتشغله بالرد عليها، مما يُحدث تشويش عام وضياع للتركيز على الحقائق الكبرى!
أما نيتانياهو فقد ركب على صهوة الكذب، ليعبر به مخاطر الرحيل من السلطة، وسط أزمات داخلية وخارجية، فهو مضى على درب الحليف الأمريكى، أو بمعنى أدق هو الذى مرر للحليف الأمريكى أن إيران خطر وجودى دائم عليه، ومازال يفعلها حتى يخنق الوساطات الدولية الساعية إلى اتفاق سلام دائم..
وإذا انتقلنا إلى جرائم إسرائيل ضد الإنسانية فى غزة على مدار عامين ونصف العام، فهو لا يكف عن الأكاذيب، مرة بإنكارها، ومرة بتسويقها كـ»دفاع عن النفس» ومرة بتصوير إسرائيل كـ»ضحية» دائمة بالرغم من قوتها العسكرية فى مواجهة فلسطينيين عزل أو مسلحين تسليحًا خفيفًا لا يرقى إلى واحد على مئة من إمكانات جيش الإبادة الإسرائيلى، مما يخلق رواية مشوهة عن الصراع مستغلًا أساطير دينية من العهد القديم.
ولا يستخدم نيتانياهو الأكاذيب لإقناع الداخل الإسرائيلى، فالداخل الإسرائيلى أغلبه متشدد ويرفع التوراة أمام العالم ليس باعتبارها كتابًا دينيًا، بل صك ملكية، ويؤمن يقينًا بحقه فى ارتكاب جرائم ضد الفلسطينيين، بل ضد العرب جميعًا، لسلب أراضيهم والسطو على ممتلكاتهم، لكنه يستخدمها ليحافظ على الدعم الغربى، مستغلا أن أغلب زعماء الغرب يكررون هذه الأكاذيب لإقناع شعوبهم بضرورة دعم إسرائيل!
هنا تتحول الأكاذيب إلى جسر سياسى يربط بين تل أبيب وواشنطن وعواصم الدول الأوروبية، وتعيد إنتاج الحرب والخوف.
نحن أمام حالة شائعة فى السياسة الغربية والإسرائيلية وهى توظيف الكذب لإدارة الأزمات لا حلها، فكل من ترامب ونيتانياهو يعيد ويزيد فى الأكاذيب، لينشرها إعلام خادم، حتى تصبح وعيًا يشكل مواقف قطاع مهم من الجمهور العام، فى مواجهة إعلام مستقل حر يكشف الحقائق كما هى على أرض الواقع.
باختصار يواجه العالم سياسات خارجية يقوم بعضه على أكاذيب تهدد استقراره، وحولت الكذب من مجرد سلوك فردى إلى عنصر فى بنية السلطة، أكاذيب عن التجارة العالمية والرسوم الجمركية صنعت حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين، وهو ما يعنى إلى جانب الحروب، ارتفاع فى أسعار النفط واضطراب تجارى، فصارت قوة مولدة للفوضى، بأن شكلت واقعًا اقتصاديًا وسياسيًا ضبابيًا وهشًا فى العالم، يمكن أن تبنى فيه قرارات كثيرة على أوهام لا حقائق.
ليست حالة الاضطراب التى يعيشها العالم اليوم من الأسواق المتقلبة إلى التحالفات السياسية المرتبكة سوى ثمار أكاذيب صنعها قادة مثل ترامب ونيتانياهو، فالكذب من موقع السلطة يتمدد تلقائيًا ويعاد تصنيعه من مجرد خطاب إلى سياسة تبث التوتر وتفتح أبوابًا لعدم الاستقرار.
وقد حاول الفلاسفة تفسير «السرديات الكاذبة» وفهمها، منهم الفرنسى بول ريكور عالم الإنسانيات الشهير، الذى رحل عن عالمنا عام 2005، وله كتابان مهمان فى هذا الموضوع: التاريخ والحقيقة، الزمن والسرديات.
وقال إن هذه السرديات تعيد تشكيل الزمن، والسياسى يلجأ إلى الكذب، ليروى قصة بديلة، يملأ بها الفراغات، حتى لو كانت الوقائع ضده، فهو يحاول أن يصنع واقعًا موازيًا، ليجعل الناس تعيش فى زمنين فى وقت واحد، زمن الحقيقة التى يشاهدونها بأعينهم، وزمن الخطاب الرسمى الذى يفرض عليهم حقائق مغايرة.
باختصار هذه الأكاذيب خلقت حروبًا فى الشرق الأوسط، وعطلت فرص السلام وزادت من حدة التوتر..وفى العالم ساهمت فى فقدان الثقة فى الديمقراطية وتشويش النظام العالمى وأفرزت حالة من الاضطراب السياسى والاقتصادى، ولا يمكن أن يستعيد العالم استقراره إذا ظل الكذب هو اللغة المهيمنة على السياسة!
العالم فى حاجة إلى نظام عالمى أخلاقى جديد.







