السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
الأكاذيب تحكم العالم وتهدد استقراره!‏

الأكاذيب تحكم العالم وتهدد استقراره!‏

لأسباب تاريخية تتجاوز فلسفة نيكولا ميكيافيلى وكتابه الشهير «الأمير» الذى برر فيه الوسائل ‏الدنيئة إذا كانت تحقق مصالح عليا، لم يعد الكذب فى السياسة الحديثة مجرد انحراف أخلاقى ‏أو خطأ عابر، بل صار أداة استراتيجية تستخدم بوعى لإدارة السلطة، وأكاذيب الرئيس ‏الأمريكى دونالد ترامب وأكاذيب رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نيتانياهو ليست سوى ‏إعادة إنتاج هذه الوسائل فى العلاقات الدولية والمحلية، ربما الفارق أن الكذب قديمًا كان ‏يمارس فى الخفاء، ويلبس أقنعة ملونة مبتسمة، لكن قادة مثل ترامب ونيتانياهو وغيرهما ‏جعلوا الكذب جزءًا من خطابهم اليومى، يطلقونه علنًا أمام الإعلام والجماهير وهم يدركون ‏تمامًا أنهم يكذبون عمدًا مع سبق الإصرار والترصد، حتى تصير أكاذيبهم مادة للنقاش ‏والجدل، أكثر من كونها فضيحة عالمية تستوجب الخجل والاختفاء عن الأنظار.‏



 

وقد لا تعنينا أكاذيب هؤلاء السياسيين إذا كانوا يضحكون على شعوبهم ومؤيديهم الذين ‏يصفقون لها ويروجونها، لكن الذى يعنينا أن بعض هذه الأكاذيب تؤثر على استقرار الشرق ‏الأوسط والعالم أيضا، أى تمس حياتنا ومستوى معيشتنا بطريقة مباشرة!‏

مثلا نحن لم نهتم بما قاله الرئيس ترامب قبل ست سنوات عن تزوير الانتخابات الأمريكية ‏التى فشل فيها فى 2020، وقد يكون كلامه صحيحًا أو غير صحيح، وقد سبقه كلام مشابه ‏عن تزوير انتخابات جورج بوش الابن فى ولايته الثانية على آل جور بقرائن قوية، دون أن ‏يرفعوا الأمر إلى أى محكمة تبت فيها، وبرروا وقتها عدم اللجوء للقضاء بالحرص على ‏صورة الديمقراطية الأمريكية أمام العالم واستقرار المجتمع الذى كان العنف عنصرًا فاعلًا ‏فى تأسيسه وتكوينه النفسي. ‏

وأيضا لا تعنينا أكاذيب بنيامين نيتانياهو الداخلية على المجتمع الإسرائيلى، فبأى مقياس هو ‏سياسى فاسد، وفساده عليه عشرات الأدلة القانونية، لكننا نعتبرها قضية خاصة بمجتمع يعيش ‏على الحرب والأكاذيب، نتابعها كمؤشر على الفيروسات التى تنهش فى كيان لا يمت للبيئة ‏المزروع فيها بالإكراه!‏

لكن عندما تصل هذه الأكاذيب إلى مائدة طعامنا وتفسد هدوء حياتنا فالأمر مختلف، ولا يمكن ‏أن نسكت عليه، فالكذب هنا يستخدم كسلاح للتعبئة الشعبية ضد منطقتنا وأمننا الإقليمى ‏والعالم أيضا، فترامب يضخم الخطر الإيرانى على الأمن القومى الأمريكى، مع أن أمريكا ‏هى القوة العظمى الأولى فى عالمنا، وقدرات إيران أضعف عشرات المرات من قدرات ‏أمريكا، ويستحيل أن تهدد الأمن القومى الأمريكى تهديدًا حقيقيًا، لكن أمريكا منذ خروجها من ‏عزلتها خلف المحيطين الهادى والأطلنطى، لتقود النظام العالمى الجديد، وسعت من دوائر ‏أمنها حتى شملت كوكب الأرض كله، وقد تكون هى أول إمبراطورية فى العالم عبر التاريخ ‏كله التى جعلت أمنها بامتداد الكوكب، صحيح أن بريطانيا اقتربت من هذا المفهوم ولكن لم ‏تصل أبدا إلى مداه النهائي!‏

وحين كذب ترامب بخصوص الخطر الإيرانى كان يعلم أن تقارير مخابراته، وتقارير ‏مخابرات الدول الحليفة والصديقة لم ترصد هذا الخطر، ولا تعترف به إلا أمام الإعلام فقط ‏وعلى ألسنة السياسيين، وهى أكاذيب تماثل تمامًا أكاذيب جورج بوش الابن عن امتلاك ‏العراق أسلحة الدمار الشامل، كذريعة لغزوه العراق وتفتيته وإرجاعه إلى الوراء ما يقرب ‏من خمسين سنة.‏

لم تقف أكاذيب ترامب عند حدود إيران، بل أطلقها على حلف الناتو لأن الحلف لم يدخل معه ‏فى الحرب ضد إيران، وقد نندهش من طلبها كأن الولايات المتحدة لا تكتفى بكل ترسانتها ‏الجوية والبحرية والبرية، لكن فى الحقيقة كانت تريد «دعمًا دوليًا» يكسب حربها «الشرعية ‏المفتقدة».‏

فى الوقت نفسه قصف ترامب بأكاذيبه الصين أيضا، مما خلق حالة من الارتباك فى النظام ‏العالمي.‏

لم يكن الكذب عند ترامب وسيلة دفاعية، بل استراتيجية هجومية، عشرات الأكاذيب اليومية ‏التى يصعب ملاحقتها، فتستنزف اهتمام الإعلام والجمهور وتشغله بالرد عليها، مما يُحدث ‏تشويش عام وضياع للتركيز على الحقائق الكبرى!‏

أما نيتانياهو فقد ركب على صهوة الكذب، ليعبر به مخاطر الرحيل من السلطة، وسط أزمات ‏داخلية وخارجية، فهو مضى على درب الحليف الأمريكى، أو بمعنى أدق هو الذى مرر ‏للحليف الأمريكى أن إيران خطر وجودى دائم عليه، ومازال يفعلها حتى يخنق الوساطات ‏الدولية الساعية إلى اتفاق سلام دائم..‏

وإذا انتقلنا إلى جرائم إسرائيل ضد الإنسانية فى غزة على مدار عامين ونصف العام، فهو لا ‏يكف عن الأكاذيب، مرة بإنكارها، ومرة بتسويقها كـ»دفاع عن النفس» ومرة بتصوير إسرائيل ‏كـ»ضحية» دائمة بالرغم من قوتها العسكرية فى مواجهة فلسطينيين عزل أو مسلحين تسليحًا ‏خفيفًا لا يرقى إلى واحد على مئة من إمكانات جيش الإبادة الإسرائيلى، مما يخلق رواية ‏مشوهة عن الصراع مستغلًا أساطير دينية من العهد القديم.‏

ولا يستخدم نيتانياهو الأكاذيب لإقناع الداخل الإسرائيلى، فالداخل الإسرائيلى أغلبه متشدد ‏ويرفع التوراة أمام العالم ليس باعتبارها كتابًا دينيًا، بل صك ملكية، ويؤمن يقينًا بحقه فى ‏ارتكاب جرائم ضد الفلسطينيين، بل ضد العرب جميعًا، لسلب أراضيهم والسطو على ‏ممتلكاتهم، لكنه يستخدمها ليحافظ على الدعم الغربى، مستغلا أن أغلب زعماء الغرب ‏يكررون هذه الأكاذيب لإقناع شعوبهم بضرورة دعم إسرائيل!‏

هنا تتحول الأكاذيب إلى جسر سياسى يربط بين تل أبيب وواشنطن وعواصم الدول ‏الأوروبية، وتعيد إنتاج الحرب والخوف.‏

‏نحن أمام حالة شائعة فى السياسة الغربية والإسرائيلية وهى توظيف الكذب لإدارة الأزمات ‏لا حلها، فكل من ترامب ونيتانياهو يعيد ويزيد فى الأكاذيب، لينشرها إعلام خادم، حتى ‏تصبح وعيًا يشكل مواقف قطاع مهم من الجمهور العام، فى مواجهة إعلام مستقل حر يكشف ‏الحقائق كما هى على أرض الواقع.‏

باختصار يواجه العالم سياسات خارجية يقوم بعضه على أكاذيب تهدد استقراره، وحولت ‏الكذب من مجرد سلوك فردى إلى عنصر فى بنية السلطة، أكاذيب عن التجارة العالمية ‏والرسوم الجمركية صنعت حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين، وهو ما يعنى إلى جانب ‏الحروب، ارتفاع فى أسعار النفط واضطراب تجارى، فصارت قوة مولدة للفوضى، بأن ‏شكلت واقعًا اقتصاديًا وسياسيًا ضبابيًا وهشًا فى العالم، يمكن أن تبنى فيه قرارات كثيرة على ‏أوهام لا حقائق.‏

ليست حالة الاضطراب التى يعيشها العالم اليوم من الأسواق المتقلبة إلى التحالفات السياسية ‏المرتبكة سوى ثمار أكاذيب صنعها قادة مثل ترامب ونيتانياهو، فالكذب من موقع السلطة ‏يتمدد تلقائيًا ويعاد تصنيعه من مجرد خطاب إلى سياسة تبث التوتر وتفتح أبوابًا لعدم ‏الاستقرار.‏

وقد حاول الفلاسفة تفسير «السرديات الكاذبة» وفهمها، منهم الفرنسى بول ريكور عالم ‏الإنسانيات الشهير، الذى رحل عن عالمنا عام 2005، وله كتابان مهمان فى هذا الموضوع: ‏التاريخ والحقيقة، الزمن والسرديات.‏

وقال إن هذه السرديات تعيد تشكيل الزمن، والسياسى يلجأ إلى الكذب، ليروى قصة بديلة، ‏يملأ بها الفراغات، حتى لو كانت الوقائع ضده، فهو يحاول أن يصنع واقعًا موازيًا، ليجعل ‏الناس تعيش فى زمنين فى وقت واحد، زمن الحقيقة التى يشاهدونها بأعينهم، وزمن الخطاب ‏الرسمى الذى يفرض عليهم حقائق مغايرة.‏

باختصار هذه الأكاذيب خلقت حروبًا فى الشرق الأوسط، وعطلت فرص السلام وزادت من ‏حدة التوتر..وفى العالم ساهمت فى فقدان الثقة فى الديمقراطية وتشويش النظام العالمى ‏وأفرزت حالة من الاضطراب السياسى والاقتصادى، ولا يمكن أن يستعيد العالم استقراره إذا ‏ظل الكذب هو اللغة المهيمنة على السياسة!‏

العالم فى حاجة إلى نظام عالمى أخلاقى جديد.‏