السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
محاكمة  الوهم فى مصر

محاكمة الوهم فى مصر

إنت «مش حاسس بأمراض الناس يا دكتور، إنت مش نايم فى المستشفى بقالك سنة ولا رجليك بتنزف بسبب القدم السكرى ولا عندك مضاعفات بسبب أخطاء الدكاترة.. إنت إيديك فى الميه الباردة، بتنظّر على المرضى وانت قاعد فى التكييف، وكمان مش عاوز الناس تجرب انها تخف، المرضى بيتعلقوا بقشاية يا دكتور»



 

كان هذا هو تعليق صديق عزيز من أهم مخرجى التليفزيون فى مصر، على فيديو نشرته عن الدكتور ضياء العوضى وشطارته فى الترويج للخرافة، التى اعتبرها صديقى ومن معه من «ألتراس العوضى» الذى ظهر فجأة «قشة» يتعلقون بها فى مرضهم، بل ويمكنهم المزايدة على أى منكر له بوصفه لا يشعر بألمهم أبدًا، لكن العوضى فعل وقدم لهم الحل!

رحم الله الرجل، مات بعد أقل من شهرين من إسقاط عضويته من نقابة الأطباء استنادًا لمخالفات تتعلق بـ«نشر معلومات وآراء طبية غير مثبتة علميًا، ومخالفة للقواعد الطبية المعمول بها»، وكان محتواه يتضمن «الترويج لأفكار علاجية غير مدعومة علميًا، ونشر معلومات علاجية مضللة قد تعرض المرضى لمخاطر صحية جسيمة، ومن ضمنها دعوة مرضى السكرى إلى التوقف عن استخدام الأنسولين بالمخالفة للأسس العلمية المعتمدة».

كان الرجل يقول لمتابعيه إن تناول النوتيلا فى الإفطار أفضل من الفول، وأن من الغذاء ما يمكن اعتباره «الطيبات» فى مواجهة الخبيثات من الطعام. روج الرجل لنظرية مؤامرة، وقدم ما ادعى أنه حل، ونصح مرضى بعدم تناول أدوية المناعة، وعدم اعتماد نتائج التحاليل «طالما حاسس إنك كويس»، وبعد وفاته، تحدث البعض عن نظريات مؤامرة، ونشر مريدوه نظامه الغذائى وكأنه يصلح للجميع، وشيعه بعضهم على طريقة الأنبياء بوصفه «أكمل الرسالة وأدى الأمانة»، ضاربين بكل التحذيرات، والقرارات الرسمية، والدراسات العلمية العالمية المحكمة والموثقة، عرض الحائط!

هم بالتأكيد لم ينظروا للرجل على أنه «دجال»، بل بوصفه يبيع أملًا لهم، ولعب هجوم الإعلام- الذى فتح أبوابه فى البداية لنشر خرافات الرجل بدلًا من مواجهته- دورًا كبيرًا فى شعور كثيرين بأن توجيهًا ما صدر لهذا الإعلام بمهاجمة ما قدمه، وأن الرجل كان يحمل سرًا قويًا يواجه به مافيا المصالح، كما لعب البالطو الأبيض والدرجة العلمية للرجل دورًا فى جعل العبث الذى ردده حقيقة لدى كثيرين، فهو صاحب سردية ثورية مفادها أن النظام الصحى «يضحك عليكم»، وأن لديه «الحل»، فإذا كان العلم معقدًا فبالتأكيد لأن فيه مصالح، أما هو، فسيكشف الزيف ويبسط كل الأمور بنظام غذائي. أرأيتم البساطة؟!

قصة العوضى ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، فقد عرفنا العوضى بأسماء متعددة فى مجالات أخرى، وقضايا أثارت جدلًا عظيمًا، كان قاسمها المشترك أن كثيرين صدقوا الوهم، لأنه «القشة» التى يتعلقون بها فى مرضهم، أو لأنها وسيلتهم للفهم والتعويض كما تقول مراجع علم النفس.

أسمع الآن من يقول: «يعنى العوضى حيشيلها؟»، كما أسمع من يقولون: أن هذه حلقة جديدة فى مسلسل تشويه الرجل العلّامة الذى فضح النظام الصحى (هناك من يقول ذلك بالفعل)، وأنكم بدلًا من مواجهته حيًا وميتًا اخترتم حجبه (كما فى قرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام)، لكن الواقع أن هذه افتتاحية محاكمة حقيقية تستحق أن تنشر وتناقش بشجاعة كاملة، حتى لو كنا نحن المتهمون.

الضحايا

أطفال مصابون بالسكر من النوع الأول تعرضت حياتهم للخطر بعد إيقافهم للأنسولين تصديقًا لضياء العوضى، ومواطنين أعطوا أموالهم للمستريح طمعًا فى المكسب السريع، ومستخدمى سوشيال ميديا آمنوا بتنبؤات ليلى عبد اللطيف ونشروها عبر السوشيال ميديا، وغلابة استخدموا أعشاب عادل عبد العال لعلاجهم من أمراض مستعصية، وقراء صدقوا قصة عبدة الشيطان التى ستكشف المحاكمة عن مفاجآت تخصها، وموهومون ذهبوا للشيخ أحمد عبده عوض أو تحدثوا معه هاتفيًا ليطرد الجن من أجسادهم على الهواء، ومراهقون صدقوا خرافات محمود صلاح عن «الأرض سطحية وليست كروية»، وهناك كائنات أخرى حولنا، والكوكب مغلف بطبقة جليدية!، وغلابة بحثوا عن الزئبق الأحمر أملًا فى الخلود، وهى الأعمال غير الكاملة للخرافة المصرية التى صدقها كثيرون، والتى تستوجب محاكمة حقيقية لكل من روج لها.

 

لماذا نصدق الخرافة؟

على عكس ما يعتقد البعض فالخرافة ليست أن يكون الشئ خرافيًا مستحيل الحدوث، بل هى ربط سبب بنتيجة بلا إثبات علمى. بلا سند حقيقى يصلح للتعميم، وبلا حقيقة راسخة يسهل تأكيدها، ولذلك فهى أحيانًا تحمل جزءًا من الراحة النفسية لمن يتلقاها، وفى مصر تدخل الخرافة فى دورة الحياة اليومية بدءًا من الميلاد وحتى الموت، وفى دراسات مهمة لأساتذة الاجتماع المرموقين أمثال الدكتور سيد عويس، فإن المصريين يتمسكون بالخرافة أحيانًا بسبب الاغتراب الاجتماعى الذى يشعر به كثيرون خصوصًا فى الظروف الاقتصادية الصعبة، وتفسر دراسات أخرى الأمر بسبب الجمود الثقافى وسلطة الموروث والأفكار التقليدية فى ظل تراجع التفكير العلمى، وتمثل الخرافة أحيانًا وظيفة نفسية تؤدى لتقليل التوتر الناتج عن عدم اليقين، وهو ما يفسر تصديق بعض المثقفين أحيانًا لها فى الأزمات الصحية أو العاطفية، ولزكريا قمصان دراسة مهمة عن المعتقدات السحرية وأثرها على دورة حياة الإنسان بشكل عام، ولذلك لا يرى الضحايا الدجال دجالًا، بل هو شخص يبيع سلطة، وطمأنينة، وهو خطاب يلعب على فكرة التدين الشعبى أحيانًا لكى يحدث الاحتيال، والأكيد أن جزء من أهدافه هو الاستغلال التجارى أو تحقيق الشهرة، وهنا يأتى بيير بوردو وحديثه عن رأس المال الرمزى حيث الناس لا تصدق الفكرة وحدها، بل تصدق الهيئة التى تأتى بها الفكرة. البالطو الأبيض أو اللعب العلمى أو العمامة، وكل ذلك فى قلب استديو يعرض برنامجًا يسهل أن يقول الضحايا بعده «شفناه فى التليفزيون»، وكأن مجرد العرض مصداقية، وهكذا يحول الإعلام الخرافة أحيانًا من اعتقاد خاص لشخص مغمور إلى حقيقة اجتماعية وبراند لصاحبها، وهو أمر لا يتعلق بالمصريين وحدهم بالمناسبة، فالخرافة تتسلل من أضغف نقطة فى الإنسان: خوفه، فإذا اجتمع الخوف، مع ضعف الثقة، مع ضعف التفسير، مع غياب للعلم المبسط، مع عدم الثقة أحيانًا فى المؤسسات الرسمية، مع ميراث ثقافى طويل وإعلام يبحث عن الإثارة، يتحول الوهم من مجرد حكاية من حكايات الجدات على المصاطب، إلى صناعة كاملة، ومع وجود السوشيال ميديا أًبحت سوق الخرافات مفتوحة، فأى شخص يقول أى شىء، وللأسف يلتقط الإعلام أحيانًا هذا الـ«أى شيء» ويقدمه، ومبروك علينا الخرافة، والوهم، وللأسف، الضحايا الجدد. 

المتهمون

المتهم الأول:

الإعلام والسوشيال ميديا

حيث استضاف الإعلام الشخصيات سابقة الذكر، وروج لها فى برامجه عبر ساعات من المشاهدة، بل إن أحدهم امتلك قناة تليفزيونية كاملة، دون تقنين أو مراجعة، على الرغم من تصريح قديم يعود للعام 2018 يفيد بتحضير المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قائمة بالقنوات التى تبث السحر والدجل والشعوزة عبر قنواتها تمهيدًا لمنعها من البث، وهو التصريح الذى لم ينفذ حتى يومنا هذا.

ولا يؤاخذ الإعلام بتسليط الضوء على الظواهر والآراء الغريبة، وإنما يتهم لأنه لم يفندها، واكتفى منها بالتريند وتحقيق المشاهدات والجدل، وخدمت خوارزميات السوشيال ميديا هذا الجهل، فرفعته وقربته من الملايين، وهكذا اكتسبوا مصداقية مزيفة، ورواجًا لا يستحقوه، بل إن بعض القنوات التى لم تراجع، ولم توضع أكواد حاكمة لها من الجهة المسئولة، تعمل وفق نموذج (الدفع مقابل الظهور)، وهو ما أدى إلى ظهور العديد من النماذج السلبية والمروجة للخرافة عبر شاشاتها دون ضابط أو رادع، بل وترويج منتجات وتقديمها بوصفها طبية ونالت موافقات واعتمادات رسمية، خلافًا للحقيقة.

المتهم الثانى:

أحمد عبده عوض

يقدم نفسه كأستاذ جامعى، وكان له ظهور عبر إذاعة القرآن الكريم قبل سنوات، وهو أحد ملاك قناة «الفتح» التليفزيونية، وقد قدم الدكتور المحترم حلقات لإخراج الجن على الهواء مباشرة بمؤثرات صوتية، وحركات بهلوانية، وإشارات غريبة، وادعى أنه يتحدث مع الجن، وروج لقدرة بعض الأعشاب على شفاء الكثير من الأمراض، ويعرف فى محيطه ببيع بعض المنتجات غير المرخصة كأدوية ووصفات رغم كونه ليس طبيبًا فى الأساس، ولم يؤاخذ أو يساءل حتى يومنا هذا رغم وجود فيديوهاته وقناته الرسمية على السوشيال ميديا، وقد حاول إخفاء بعض فيديوهاته، إلا أنها موجودة ويمكن تقديمها كدليل على ترويج الخرافة، ومساءلته قانونًا.

المتهم الثالث:

الدكتور جودة غانم

ظهر فى العديد من البرامج، ويروج لنفسه عبر إعلانات مدفوعة فى قنوات تليفزيونية مغمورة تبث على النايل سات، وتنسب له العديد من المنتجات التى لم تحظ بموافقة الجهات المعنية، ولم تراجع تركيبتها طبيًا، وقد تم إيقافه عن العمل من قبل، وغلق عيادته الشهيرة فى الأزبكية، لكنه إلى الآن يباشر عمله، رغم ظهوره من قبل وهو يروج لمنتجاته مجهولة المصدر ومنتهية الصلاحية كما فى بيان رسمى لوزارة الصحة المصرية.

المتهم الرابع:

محمود صلاح

يدعى تخصصه فى علوم الماورائيات، ويقدم فى الإعلام بوصفه «الدكتور» فى علم الميتافيزيقا، لكن أحدًا لا يعرف ما تخصصه المعتمد، ومن أين حصل على الدكتوراة، وهل هى دكتوراه صحيحة أم مزيفة؟ ظهر فى العديد من البرامج، وله فقرة ثابتة فى قناة مشفرة تبث من مصر عبر النايل سات وتخاطب المصريين، وفى إحدى الحلقات ظهر وفى يده جهاز لكشف الجن والأرواح فى الاستديو، وهو يتحدث بشكل غير علمى، ويروج له بقوة عبر ظهوراته الإعلامية التى أكسبته شهرة واسعة، وجعلت كثيرين يصدقوا ما يطرحه رغم زيفه وخرافته.

المتهم الخامس:

نظام التعليم!

يصعب وضع مسئول بعينه ممثلًا لوزارة التربية والتعليم ضمن المتهمين بالترويج للخرافة، لكن الحقيقة أن اهتراء منظومة التعليم وتراجعها عبر سنوات يجعل من الترويج للخرافة سهلًا مقابل تراجع التفكير العلمى والنقدى الذى يتشدق به وزراء التعليم، ولا تعكسه المناهج الدراسية، ويقاومه أولياء الأمور، وتلفظه الامتحانات، ويشيطنه البعض باعتباره ضد الدين، ويسئ البعض تقديمه بشكل ينفر الناس منه ويجعلهم يصدقوا خرافة اعتباره ضد الدين!

وللدكتور فؤاد زكريا كتاب عظيم هو «التفكير العلمى»، لو كان الأمر بيدى لجعلته مقررًا ليس على الطلاب، ولكن على وزراء التربية والتعليم الذين تولوا هذه المسئولية منذ عشرات السنوات، هو وكتاب: مستقبل الثقافة فى مصر للدكتور طه حسين، والذى يوجد به تشخيص لكل ما يحدث الآن، وعلاج راسخ، لكن أكثر وزراء التربية والتعليم لا يعلمون، ولا يقرؤون!

أداة الجريمة: كيف يضحكون علينا؟

استخدم المتهمون، بمحض الصدفة أو مع سبق الإصرار والترصد، تلاعبًا نفسيًا عبر ما يمتلكوه من أدوات، فقدموا لضحاياهم التخويف (عندك مرض خطير- معمولك عمل- جسمك مليان سموم- فيه حد عاملك عمل)، ولكنهم قدموا كذلك وعد بالإنقاذ (عندى الحل- التركيبة التى لن يخبرك بها أحد- كورس معتمد- علاج يواجه المؤامرة)، وكل ذلك يقدمه هؤلاء عبر سلطة تتلخص فى لقب، أو عمامة، أو حتى شكل ما، وكلهم بشكل أو بآخر لديهم عداء ما مع المؤسسة الرسمية، وهم يجيدوا استخدام هذا العداء لترويج خرافاتهم بوصفهم يحاربوا من الفاسدين، ويتفق ذلك مع شهادات جمهور، لا نعرف هل هو حقيقى أم لا، فنحن لا نعرف عبير من الدقهلية التى تحدثت مع أحمد عبده عوض فى مكالمة شهيرة وأخرج الجن منها بينما هى تصرخ، ويوهم الأمر كثيرين للانضمام وكأنها دعوة جديدة لدين جديد أو أمل جديد، ومع إغراقنا بالمحتوى، ومؤخرًا بشركات السوشيال ميديا التى صارت بمثابة وكالتهم الإعلانية، يصبح الأمر سهلًا، ويصدق الناس كل هذا التلاعب.

هنا لا بد من الإشارة لنقطة مهمة جدًا لاحظتها، وهى أن التسرع فى الهجوم على هذه النماذج دون نقاشها، والسعى لحجبها بدلًا من تفنيد ما تذهب إليه وفضحه، يعطيها مصداقية تساعدها على استغلال الأمر والاستمرار لمزيد من الوقت فى كذبتها، كما أن بعضهم يجيد التخفى والتلاعب وإعادة التموضع مرة أخرى، وبشكل يجعلهم أكثر فهمًا للناس من الإعلاميين أنفسهم.

 

ضياء العوضى بتاعهم

آلمتنى اتهامات صديقى المخرج التى لم يحذفها حتى الآن، ولولا أن الحوار عامًا لما ذكرتها فى بداية المقال، لكن الأمر استدعى تفكيرًا حقيقيًا فى ظاهرة ضياء العوضى نفسها، وهل هى مصرية خالصة؟

فإذا كانت الخرافة ظاهرة عالمية، فأين «ضياء العوضى بتاعهم»؟ 

لم أتعب فى البحث، وتعالوا أعرفكم على كيفن ترودو، وهو ليس طبيبًا بالمرة وإنما مجرد بائع تليفزيونى، روج لمنتجات وكتب تزعم امتلاك حلول صحية ومالية وغذائية «لا تريد الحكومات وشركات الأدوية أن يعرفها الجمهور»، بل وأصدر عددًا من الكتب التى دخلت ضمن قوائم الأكثر مبيعًا، وجعلت له أتباعًا ومريدين يؤكد كثير منهم شفاءهم من أمراضهم المزمنة باتباع وصفاته، وقد طاردته السلطات بتهم مختلفة تمامًا عما تسبب فيه لضحاياه، وسجن عشر سنوات، ودفع تعويضات ضخمة لضحاياه الذين أوهمهم بأنه (مفكر صحي).

ماذا يفعل العالم مع بائعى الخرافة؟

هناك أكواد إعلامية واضحة تنظم ظهور هؤلاء أو تمنعه فى بعض الأحيان، وتمنعه من المنبع، وليس بعد أن تكبر كرة الثلج وتسقط على الجميع، فالقاعدة ألا يحدث «ضرر عام» على الناس بسبب الخرافات، وإذا كان كاتب هذه السطور متخصصًا فى الإعلام، فقد وجبت الإشارة إلى أن الجمهور «الهش» الذى يتعرض لوسائل الإعلام هو أكثر ما تصمم له الأكواد والإجراءات، بغض النظر عن مستواه التعليمى أو الاقتصادى، وتجب حمايته من الاستغلال المالى أو العاطفى أو الطبى أو الدينى، ففى بريطانيا مثلًا يمنع كود (أوفكوم) الترويج لممارسات تحضير الأرواح أو طرد الأرواح الشريرة، أو تقديم نصائح «تغير مجرى الحياة» فى مجالات الصحة والمال، وحتى البرامج «الروحانية» كما يسميها البعض، تستخدم بوضوح لأغراض الترفيه فقط، كما يحظر تمامًا بث شهادات من المشاهدين تؤكد دقة تنبؤات هؤلاء الضيوف أو فعالية ممارساتهم وما روجوا إليه، كما تلتزم القنوات بالتوازن الشديد فى هذه الأمور، حيث استضافة طبيب متخصص أو ممثل عن نقابة الأطباء للرد على الادعاءات «فورًا»، لمنع انفراد الضيف بما يسموه «الوعى العام»، والأمر نفسه أقرب لما يحدث فى الولايات المتحدة الأمريكية، ويواجه المخالفون بالغرامات والإغلاق، إضافة إلى أن بعض الدول بدأت فى إدراج «تزييف الحقائق العلمية» ضمن الجرائم التى تستوجب سحب ترخيص القناة التى تسمح بمرور هذه المعلومات دون تدقيق مثلما حدث فى فرنسا.

الكود الغائب والنجم المنتظر.. رسالة لرئيس الوزراء

حتى ظهور كود إعلامى ينظم ظهور الأطباء، ويمنع ترويج الخرافات، ويحظر الدجالين والمشعوذين، ويحاكم بائعى الوهم للناس، سيظل هؤلاء فى حياتنا، يسمموها، أو يجعلوها أفضل بالنسبة لكثير ممن يبحثون عن «القشاية»، والواقع أن الدولة أحوج الآن لمنظومة رصد إعلامى حقيقية تتعامل مع الظواهر الاجتماعية والإعلامية اليومية التى نتعرض لها، وتقوم بتصنيفها، واتخاذ ما يلزم بشأنها، ولا أتفق مع من سيسارع للحلول الأمنية العاجلة والنافذة والتى لها كل الاحترام إذا نفذت فى التوقيت السليم وفى الحالات المناسبة، لكن الداخلية لن تحاسب دائمًا على أخطاء الجميع، ولا يجب دفعها لمواجهات صفرية، أو استغلالها كجهة إنفاذ للقانون فى غير ما هى موكلة إليه، والطريق يبدأ من هذه المنظومة، التى تحرك الأمر للوزارة المعنية لاتخاذ اللازم، وبشكل أسرع، وبصورة حقيقية، وهناك العديد من الخبراء الذين يمكن الاستعانة بهم لتنفيذ هذه المنظومة الرسمية، والتى يدعون لها فى مقالاتهم وجلساتهم العلمية، وهم الأقدر على تنفيذها

 تأجيل

حتى بعد هذه المحاكمة الصحفية، وبعد الغضب من تجار الوهم الذين يتمترسون خلف أتباعهم، وبعد إثبات الجرم عليهم، للأسف الشديد، سيظل الحكم مؤجلًا، وغير قابل للتنفيذ، لأن أحدًا لم يتحرك بالشكل الصحيح، فهل نكسر القاعدة هذه المرة؟