السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

بيزنس الوهم الرقمى

ملاحقة برلمانية لمروجى الدجل الطبى «وعلاج الديجيتال»

لم تكن حالة الجدل الصاخبة التى أثارها ما يُعرف بـ«نظام الطيبات»؛ وما صاحبها من لغط طبى وقانونى، سوى القشة التى قصمت ظهر البعير فى ملف «فوضى الطب الرقمي»، هذا الملف الذى ظل مفتوحًا لسنوات، شهد خلال الأيام القليلة الماضية انتفاضة حقيقية تحت قبة البرلمان بمجلسيه «النواب والشيوخ».  



 هذا المشهد المرتبك دفع مجلس النواب إلى انتفاضة رقابية ومهنية حقيقية، وضعت «بيزنس الوهم الطبي» فى مرمى النيران، بحثًا عن استعادة هيبة العلم وحماية أرواح المصريين من «فخاخ الموت» الافتراضية، يأتى هذا بالتوازى مع تحرك مهنى حاسم من نقابة الأطباء، فى محاولة لضبط «بيزنس الوهم» الذى استباح أرواح المصريين عبر منصات التواصل الاجتماعي.

تحركات برلمانية

شهدت جلسات مجلس النواب مؤخرًا، تحركات رقابية مكثفة، حيث تقدم عدد من النواب بطلبات إحاطة عاجلة، أبرزها الطلب المقدم من النائبة هناء أنيس رزق الله، والموجه إلى وزراء الصحة والاتصالات ورئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، التحرك النيابى ركز على نقطة جوهرية وهى «تراخى الرقابة الرقمية»، التى سمحت بظهور منتحلى صفة أطباء يروجون لتركيبات مجهولة وأدوية غير معتمدة، ما تسبب فى مضاعفات صحية خطيرة لعدد من المواطنين.

وطالب النواب بضرورة تفعيل القانون رقم 206 لسنة 2017، الذى يحظر الإعلان عن أى منتج صحى دون ترخيص، مؤكدين أن «الأمن الصحى القومي» بات فى خطر؛ بسبب «فخاخ الموت» المنصوبة على الشاشات، والتى تستهدف البسطاء بوعود شفاء زائفة.

مجلس الشيوخ

وعلى الجانب الآخر، لم يكن مجلس الشيوخ بمنأى عن هذا الحراك؛ حيث شهدت لجان المجلس خاصة لجنة الصحة والسكان، نقاشات موسعة حول سبل مواجهة «الشائعات الطبية»، وبرزت آراء قوية داخل المجلس تنادى بضرورة وضع استراتيجية وطنية شاملة؛ تشترك فيها وزارة الصحة مع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، لفلترة المحتوى الطبي؛ وضمان عدم خروج أى نصيحة صحية للجمهور إلا من خلال كوادر مؤهلة ومرخصة.

وأكد أعضاء بمجلس الشيوخ خلال مداولات الأسبوع الماضي؛ على أن «حرية التعبير لا تعنى تعريض حياة الناس للخطر»، مطالبين بتنسيق أمنى تقنى مع «مباحث الإنترنت»، لتعقب الكيانات الوهمية التى تدير صفحات الدجل الطبى من وراء الستار.

نقابة الأطباء

وبالتوازى مع الحراك البرلمانى، أعلنت نقابة الأطباء عن خطوة مهنية حاسمة بوضع لائحة جديدة لتنظيم الظهور الإعلامى للأطباء، وكشفت الدكتورة عبير عبده، عضو اللجنة القانونية بالنقابة، عن ملامح هذه اللائحة التى استحدثت «لجنة أخلاقيات الإعلام الطبي».

اللائحة الجديدة وضعت ضوابط صارمة تمنع الطبيب من الترويج لنتائج غير مؤكدة علميًا أو استغلال الشاشة لبيزنس شخصى، مع إقرار تدرج عقابى رادع يبدأ من الإنذار ويصل إلى «الشطب النهائى من سجلات المهنة»؛ فى حال ثبوت الإضرار العمدى بالصحة العامة، مع الإحالة الفورية للقضاء الجنائى لمنتحلى الصفة.

الفراغ التشريعي

فى السياق نفسه، تبرز آراء قانونية وطبية؛ تؤكد أن الفراغ التشريعى فى ملاحقة «منتحلى الصفة» عبر الإنترنت يجب أن يغلق فورًا، فالأمر تجاوز حدود «النصيحة الغذائية»؛ إلى تقديم بروتوكولات علاجية لأمراض مزمنة مثل السكر والضغط، وهو ما يعتبره القانون «شروعًا فى قتل» إذا أدى لتوقف المريض عن تناول أدويته المعتمدة.

هيئة الدواء 

وعلى صعيد متصل، لم تغب «هيئة الدواء المصرية» عن دائرة المطالب البرلمانية خلال المداولات الأخيرة؛ حيث شدد النواب على ضرورة خروج لجان التفتيش الصيدلى من إطار «الصيدليات الرسمية»؛ إلى ملاحقة «المخازن العشوائية» التى تمثل المورد الأساسى لدجالى السوشيال ميديا؛ فالمعضلة كما طرحها خبراء وبرلمانيون تكمن فى أن تلك التركيبات والمكملات «المجهولة» تُتداول بنظام الشحن المباشر (Delivery) بعيدًا عن الرقابة الدوائية، ما يجعل من الضرورى تفعيل «الضبطية القضائية»؛ لملاحقة مراكز التعبئة غير المرخصة التى تتخذ من الشقق السكنية مقرات لها، وتصدير قرارات إدارية فورية بمصادرة أى منتج طبى يتم الترويج له عبر منصات التواصل دون الحصول على رقم تسجيل معتمد من الهيئة، لضمان تجفيف منابع «بيزنس الوهم» من جذوره.

وفى زاوية أخرى لا تقل أهمية، ركزت نقاشات لجان البرلمان على البعد التقنى للمواجهة، مطالبة بضرورة تفعيل نصوص قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (رقم 175 لسنة 2018)، الرؤية البرلمانية التى تبلورت خلال الأيام الماضية؛ دعت إلى تدشين «منصة بلاغات إلكترونية موحدة» تحت إشراف وزارة الصحة وبالتنسيق مع مباحث الإنترنت، تكون مهمتها رصد «المحتوى الطبى عالى الخطورة» والتعامل معه فنيًا وقانونيًا قبل تحوله إلى «تريند». ولم تتوقف المطالب عند حد الحجب، بل امتدت لتشمل تتبع «التحويلات المالية» التى تتم عبر المحافظ الإلكترونية لهؤلاء الدجالين، باعتبارها دليلًا ماديًا على ممارسة نشاط تجارى طبى غير مشروع، بما يضمن إحكام الحصار حول من يتخذون من «خوارزميات» السوشيال ميديا ستارًا للهروب من طائلة القانون.

نقص القوانين

وفى مواجهة صريحة مع الواقع التشريعى، وضع الدكتور مجدى مرشد، وكيل لجنة الشئون الصحية بمجلس النواب، إصبعه على مكمن الداء، مؤكدًا أن الأزمة ليست فى نقص القوانين بقدر ما هى فى «تراخى التطبيق».

وأشار مرشد؛ إلى أن البرلمان كان قد أصدر القانون رقم 206 لسنة 2017؛ بشأن تنظيم الإعلان عن السلع والمنتجات الصحية، والذى نص على إنشاء «لجنة عليا» لمنح التراخيص ونظر المخالفات، إلا أن الواقع العملى شهد عزوفًا من الكثيرين عن اللجوء لهذه اللجنة، ما فاقم من حالة «الفوضى الإعلانية والإعلامية» الراهنة.

وشدد وكيل لجنة الصحة؛ على أن المجلس لديه إصرار كامل فى الدورة الحالية على تفعيل هذا القانون وتغليظ عقوباته إذا لزم الأمر، خاصة فيما يتعلق بملاحقة «المخازن» التى تدار خارج السياق القانوني.

 وأوضح مرشد أن ظواهر مثل «الطيبات» وغيرها استمرت لفترات طويلة بسبب غياب الدور الرقابى الفاعل وتشتت الأدوات الرقابية، مطالبًا بمنح هيئة الدواء المصرية أدوات أكثر فاعلية وقوة لتنفيذ القانون على الأرض، لإنهاء هذه الحالة من «الفوضى غير المسبوقة» التى باتت تتلاعب بالوعى المجتمعي؛ وتصنع «تريندات» زائفة على حساب صحة المواطن.

تشتت الرقابة

ومن منظور «النظم التشريعية»، يرى المستشار سمير عبد الغفار، المحامى بالنقض، أن أزمة الفوضى الطبية الرقمية تكمن فى «تشتت الولاية الرقابية» بين نصوص القوانين، مؤكدًا أن وجود تشريعات مثل قانون (206) لسنة 2017؛ وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات هو «خطوة منقوصة»؛ ما لم يتم الربط بينها وبين قانون العقوبات فى شق «النصب والاحتيال»؛ والإضرار العمدي.

ويشير الخبير التشريعى إلى أن «الجريمة الإلكترونية الطبية» تتطور أسرع من الجمود التشريعي؛ فالمخالف هنا لا يكتفى بالإعلان المضلل، بل يمارس «التدليس» عبر وسيط تقنى، ما يستوجب تفعيل مادة «انتحال الصفة».

 وأخيرًا، نجد أن تكاتف «أضلاع المثلث» (النواب، الشيوخ، النقابة) خلال الأيام الماضية؛ يعكس إدراكًا حقيقيًا لخطورة الظاهرة، المعركة الآن انتقلت من مرحلة «التشخيص» إلى مرحلة «الجراحة»؛ فطلبات الإحاطة التى حاصرت المسئولين، ولائحة «أخلاقيات الإعلام» التى صاغتها النقابة، تفرض واقعًا جديدًا لا مكان فيه لمنتحلى الصفة أو تجار الأزمات الصحية.

إلا أن العبرة ستظل دائمًا بـ«التنفيذ»؛ فالتشريعات وحدها—مهما بلغت قوتها—لن تمنع دجالًا من بث سمومه عبر «تيك توك» ما لم تقابل بـ«يد حديدية» من جهات التنفيذ، وتنسيق تكنولوجى عابر للحدود مع المنصات الرقمية.

 فالمواجهة التى بدأت عقب أزمة «الطيبات» لم تعد مجرد رد فعل، بل تحولت إلى «مسار تشريعي» يهدف لتجفيف منابع «تجارة الوهم»، الكرة الآن فى ملعب الجهات التنفيذية لتحويل هذه التوصيات والطلبات البرلمانية إلى قرارات إغلاق ومحاكمات تنهى هذا العبث.