السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

كيف يقتل الجهل مرضانا بصمت

لماذا يصدق المصريون الخرافة؟

منذ أيام أعلن المجلس القومى للأمومة والطفولة عن اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، وإبلاغ النيابة العامة، بشأن واقعة تعريض طفل للخطر نتيجة الترويج لأحد الأنظمة العلاجية غير العلمية، التى تدّعى إمكانية الاستغناء عن علاج الإنسولين للأطفال، وأعرب المجلس عن بالغ قلقه إزاء هذه الظاهرة، التى تمثل تهديدًا خطيرًا ومباشرًا على صحة الأطفال وسلامتهم.  



وأوضحت رئيسة المجلس، الدكتورة سحر السنباطى، أن الإدارة العامة لنجدة الطفل رصدت منشورًا متداولًا لوالدة طفل ادّعت خلاله قيامها بوقف علاج الإنسولين لطفلها اتباعًا لهذا النظام المثير للجدل، وهو ما يشكل خطرًا جسيمًا على حياته وصحته. وعلى الفور، تم إبلاغ مكتب حماية الطفل والأشخاص ذوى الإعاقة والمسنين بمكتب النائب العام، لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة وضمان حماية الطفل وعدم تعريضه لأى مخاطر.

عندما تتحول الخرافة إلى مأساة

فيما أعلن أحد المواطنين عن وفاة زوجته بعدما توقفت عن علاجها الدوائى لأحد الأمراض المزمنة نتيجة الاعتماد على نفس النظام، وتدهورت حالتها الصحية بعد أيام قليلة من وقف العلاج، حيث تعرضت لنزيف ومضاعفات متتالية، وتقدم الزوج بشكوى رسمية إلى نقابة الأطباء.

 وهم الشفاء: نظام بلا دليل علمي

كان قد انتشر نظام يدّعى علاج مرضى الأمراض العضال كالقلب والسكر وسيولة الدم وحتى الأورام السرطانية، بالامتناع عن أخذ الأدوية اللازمة والاكتفاء بتغيير نمط التغذية، دون تقديم أى أدلة علمية على فعالية هذا النظام، بزعم أن الجسم قادر على علاج أى خلل. وتعددت الحالات التى تعرضت لمخاطر صحية جسيمة، سواء بالوفاة أو المضاعفات الخطيرة، مما دفع الجهات إلى حظر نشر أو بث أو تداول أى مواد مصورة أو مسموعة أو مقروءة صادرة عن هذا النظام، خاصة بعد تداول عدد من الشهادات لمرضى تدهورت حالاتهم الصحية نتيجة تبنيهم لهذا النظام.

 لماذا نصدق الخرافة رغم العلم؟

على الرغم من أننا فى زمن تتسارع فيه الاكتشافات العلمية، وتُتاح فيه المعرفة بضغطة زر، إلا أنه لا تزال الخرافات تجد مكانها فى عقول البعض، من قراءة الأبراج إلى تفسير الأحداث بالحسد، وصولًا إلى ممارسات لا تستند إلى علم أو منطق. وتتعدد صور المعتقدات المضللة، لكن تأثيرها يظل حاضرًا فى تفاصيل الحياة اليومية.

فلماذا يتمسّك بعض المصريين بهذه الأفكار؟ هل هى محاولة للهروب من الواقع؟ أم بحث عن إجابات سهلة فى عالم معقّد؟ أم أنها امتداد لموروثات ترسّخت عبر الزمن؟ خلال السطور التالية، نقترب من الظاهرة، ونحاول فهم أسبابها بين الواقع والوهم. 

 الأرقام تكشف: الخرافة نمط تفكير

 

واسع الانتشار

تشير الدراسات الاجتماعية والنفسية فى مصر إلى انتشار واسع للمعتقدات الخرافية والشعوذة، والتى ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمستويات الجهل والأمية الثقافية والتعليمية، بالإضافة إلى الخوف من المجهول والضغوط الاقتصادية.

فقد بلغت نسبة الإيمان بالخرافات حسب دراسة أجراها المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية أن 63% من المصريين يؤمنون بالخرافات، كما أشارت الدراسة نفسها إلى أن 11% من المثقفين والرياضيين والفنانين والسياسيين يؤمنون بالخرافات.

ويعتقد 31% من المصريين، بينهم من يشغلون مناصب عليا، بتقمص الأرواح وسيطرة الجن على تصرفاتهم، كما يوجد حوالى 130 ألف شخص فى مصر يدّعون علم الغيب وقراءة الكف والفنجان، وحوالى 300 ألف شخص يدّعون علاج الأمراض بتحضير الأرواح، و75% من المصريين يتحاشون ضرب القطط والكلاب ليلًا لاعتقادهم أن العفاريت تتلبس هذه الحيوانات، ويعتقد حوالى مليون و200 ألف شخص أن الحذاء المقلوب أو الملقى فى الشارع وسيلة للوقاية من الجن.

 خبراء: الجهل والتفكير غير العلمى يصنعان الخرافة

أكدت الدراسة أن أسباب انتشار الخرافات والجهل تتمثل فى ضعف التفكير العلمى، وانتشار الأمية والجهل بالأسلوب العلمى فى التفكير، والاعتماد على التفسيرات الغيبية بدلًا من التحليل المنطقى، إلى جانب الأزمات الاقتصادية والنفسية التى تزيد من القلق والخوف من المستقبل، مما يدفع الأفراد للبحث عن حلول سريعة لدى الدجالين، فضلًا عن ترويج بعض وسائل الإعلام للدجالين والمشعوذين، مما يحول الجهل إلى صناعة رابحة. الخطاب الدينى والكاريزما ساهما فى انتشار الوهم

قالت الدكتورة هالة منصور، أستاذ علم الاجتماع، خلال تصريحات لروزاليوسف، إن ما يحدث بسبب اعتماد هذا النظام على استخدام السنة والقرآن ولغة الخطاب الدينى، مع فكرة كونه طبيبًا، جعل منه شخصية مؤثرة على المصريين، ولديه كاريزما قوية فى التعامل عبر مواقع التواصل الاجتماعى، مع ظهور بعض الحالات المضللة التى استخدمت النظام.

وأضافت أن النظام المعلن قدّم بدائل دون جوع أو حرمان، كما يوفر توفيرًا ماديًا، وهو ما يلائم الكثير ويجعلهم يرحبون باتباعه، وكانت وسائل التواصل الاجتماعى وسيلة لانتشار هذه الضلالات.

الفقر واليأس يدفعان نحو تصديق الخرافة

لفتت دكتورة هالة منصور إلى أن الفقر المادى قد يدفع بعض الناس لتجريب نظام غذائى قد لا يكونوا مقتنعين به بالكامل، للتخلص من تناول الأدوية المكلفة، وأحيانًا اليأس من المرض يجعل البعض يسعى وراء أى أمل حتى لو كان كاذبًا.

وكشفت أن من بين العوامل التى ساهمت فى انتشار هذه الخرافات الترويج لنظام «الطيبات» الغذائى من قِبل إعلاميين مشهورين يحظون بثقة قطاعات واسعة من الجمهور، فضلًا عن وجود مجموعات منظمة عبر وسائل التواصل الاجتماعى تعمل على تسويقه باعتباره الحل الطبيعى لجميع الأمراض.

الإحباط والبحث عن الغريب وراء الانسياق

قالت الدكتورة هالة يسرى، أستاذ علم الاجتماع، إن بعض المصريين تستهويهم الروحانيات والأفكار الغريبة، وهذا يسبب غياب المعارف العلمية الدقيقة، ولهذا يتجه البعض للأمور البراقة والخارجة عن المألوف. وللأسف، أحيانًا حالة الإحباط واليأس تدفعهم لتجربة أمور غير صحية حتى لو كانت وهمية.

وأضافت أن الموروث الثقافى والشعبى ينتقل من جيل إلى جيل مع غياب الوعى العلمى، والإعلان عن تجارب شخصية مضللة واعتبارها بديلًا سهلًا لعلاج الأمراض المزمنة. 

غياب الوعى ونظريات المؤامرة تغذى الوهم

قال دكتور على سالم، أستاذ علم النفس، خلال تصريحات خاصة لروزاليوسف، إن ما يحدث هو نتاج لغياب درجة الوعى الكافية لدى العوام، مؤكّدًا أن هذه الظاهرة درب من الخيال وغير علمية، وقد تم الرد عليها من جميع المتخصصين.

وأضاف أن الغموض وعدم الوعى، بالإضافة إلى إيمان البعض بفكرة المؤامرة، يجعل لديهم اعتقادًا بوجود قوى كبرى تحرك الأحداث وأيادٍ شريرة، مشيرًا إلى أن العامة يجرون وراء الأوهام والغموض ويلجؤون للعلاج بالإيحاء، وقد يتحسنون نفسيًا لأنهم يصدقون الوهم.

 استغلال الدين لنشر الخرافة مرفوض

أوضح دكتور محمد على، الداعية الإسلامى وأحد علماء الأزهر، أن ما كان يتحدث عنه الدكتور الراحل بخصوص نظام الطيبات فى الأكل وتحذيره من تناول بعض الوجبات التى أحلها الله يُعد مخالفة للإجماع والعادات والتقاليد.

وأضاف أن ما طرحه العوضى كان بهدف إثارة الجدل وليس لسبب علمى موثوق، مؤكدًا أن ما حرّمه الله وما أحلّه واضح فى النصوص الشرعية، وأن الادعاء بأن بعض الأطعمة تسبب الوفاة كلام غير صحيح ويهدف لإثارة الجدل.

 الخرافة قد تقتل

حذر الدكتور أيمن سالم من خطورة ما يُعرف بـ «نظام الطيبات» المرتبط باسم الراحل ضياء العوضى، مؤكدًا أن هذا النظام يفتقر لأى أساس علمى، وأنه خرافة قاتلة، وقد تسبب فى أضرار جسيمة وصلت إلى حد وفاة بعض المرضى نتيجة التوقف المفاجئ عن العلاج، وهو ما يعنى أنه تهديد مباشر لحياة المرضى.

وأوضح سالم أن الترويج لمثل هذه الأنظمة دفع بعض المرضى إلى التوقف عن أدوية حيوية لعلاج أمراض مزمنة مثل السكرى والضغط، بل حتى علاجات الأورام، وهو ما وصفه بـ «الكارثة» التى تهدد حياة المرضى بشكل مباشر، مشيرًا إلى أن انتشار هذه الأفكار جاء نتيجة تداولها بشكل واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعى ومن خلال الأحاديث المتناقلة بين الناس، دون الاعتماد على مصادر علمية موثوقة.

 الوعى فى مواجهة الخرافة

وطالب دكتور على سالم، أستاذ علم النفس، بضرورة مواجهة هذه الظاهرة عبر التوعية، مؤكّدًا ضرورة وجود مصادر موثوقة ترد على هذه الادعاءات، لأنه متعلق بحياة مرضى الأمراض المزمنة والخطيرة، مع توضيح الإيجابيات والسلبيات لما قيل، دون رفض تام أو قبول تام للأفكار.