بين مريض يبحث عن أمل.. ومحتوى رقمى يضخم الوعود
العلاج بالبيضة والحجر!
هبة حسنى
فى ظل الانتشار الواسع لوصفات الطب البديل على وسائل التواصل الاجتماعى، وتصاعد الاعتماد على الأعشاب والعلاجات غير المثبتة علميًا، يطفو على السطح جدل واسع بين المتخصصين حول الحدود الفاصلة بين التغذية العلاجية كعلم طبى معتمد، وبين ما يُروج له من ممارسات شعبية قد تتحول إلى خطر مباشر على صحة المواطنين.
فى هذا السياق، يؤكد متخصصون فى مجالى الطب والتغذية والعطارة، أن المشكلة لا تكمن فى الطب البديل ذاته أو فى استخدام الأعشاب كمكملات، وإنما فى غياب الضوابط العلمية، وتحول المجال إلى ساحة مفتوحة لغير المتخصصين، بما يؤدى إلى انتشار وصفات غير دقيقة قد تُعرض المرضى لمضاعفات خطيرة.
بين الحقيقة والخرافة.. «العلاج بالبيضة والحجر»
من جانبه يؤكد الدكتور محمد عفيفى، رئيس وحدة التثقيف الغذائى السابق بالمعهد القومى للتغذية، أنه فى الوقت الذى تتسارع فيه الأبحاث الطبية عالميًا لتطوير أساليب علاج قائمة على الدليل العلمى، تظل بعض الممارسات الشعبية المرتبطة بما يُعرف بـ«الطب البديل» تثير جدلًا واسعًا داخل الأوساط الطبية فى مصر، خاصة مع انتشار وصفات غير موثقة علميًا عبر مواقع التواصل الاجتماعى، تتراوح بين نصائح غذائية مبسطة وادعاءات علاجية مباشرة لأمراض مزمنة وخطيرة.
هذا الجدل أعاد فتح ملف العلاقة بين التغذية العلاجية كعلم طبى منضبط، وبين الممارسات الشعبية التى تمتد جذورها فى الثقافة المجتمعية، لكنها فى بعض صورها الحديثة تحولت إلى محتوى ترويجى سريع الانتشار، يعتمد على جذب الانتباه أكثر من اعتماده على العلم.
ويضيف :إن التغذية العلاجية لا يمكن بأى حال أن تُقدم كبديل عن العلاج الدوائى، بل هى جزء مكمل داخل خطة علاجية يضعها الطبيب المختص وفقًا لكل حالة على حدة.
وشدد على أن التعامل مع الأمراض المزمنة مثل السكرى وأمراض الكبد والكلى لا يمكن أن يخضع لنمط غذائى واحد، لأن كل مريض له حالة مختلفة تمامًا حتى لو تشابه التشخيص.
كما يضيف أن النظام الغذائى «ليس وصفة جاهزة»، وإنما هو نظام تفصيلى يعتمد على التحاليل الطبية، والتاريخ المرضى، ومستوى النشاط البدنى، ووظائف الجهاز الهضمى، ما يجعل فكرة تعميم نظام غذائى واحد على الجميع أمر غير علمى على الإطلاق.
ويحذر عفيفى من الاعتماد على المحتوى المتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعى كمصدر للمعلومة الطبية، مؤكدًا أن المرجعية يجب أن تكون المؤسسات العلمية الرسمية مثل وزارة الصحة والمعهد القومى للتغذية، التى تعتمد على الأبحاث والدراسات الحديثة فى إصدار التوصيات الغذائية.
وأشار إلى أن التطور العلمى المستمر فى مجال التغذية يؤدى إلى تحديثات متواصلة فى المفاهيم الطبية، ما يجعل بعض التصورات القديمة قابلة لإعادة التقييم، وهو ما يعكس طبيعة العلم القائم على التغيير المستمر وليس الثبات.
العطارة بين التراث والفوضى
وعلى الرغم من التحذيرات، لا ينفى المختصون أهمية بعض الأعشاب والمكونات الطبيعية التى أثبتت الدراسات فائدتها فى دعم الصحة العامة، مثل الألياف النباتية وبعض النباتات الطبية، بشرط استخدامها وفق جرعات مدروسة وتحت إشراف متخصصين، وليس بشكل عشوائى أو اعتمادًا على تجارب فردية.
ويطرح محمد الشيخ- ممثل شعبة العطارين- رؤية مختلفة، إذ يؤكد أن ما يُعرف بالطب البديل ليس مرفوضًا بالكامل، بل يمتد بجذور تاريخية طويلة، وكان له دور فى بعض المجتمعات التقليدية، إلا أن المشكلة الأساسية—بحسب وصفه—تكمن فى غياب التنظيم وغياب التخصص، وتحول المجال إلى مساحة مفتوحة لغير المؤهلين.
ويشير إلى أن بعض الممارسات الشعبية القديمة كانت تعتمد على الأعشاب بشكل منضبط، لكن تطور الأمراض وتحور الفيروسات فرض ضرورة وجود دراسة أكاديمية متخصصة، وعدم ترك المجال للاجتهاد الفردى أو الخبرة غير العلمية.
ويحذر من أن تحول الطب البديل إلى نشاط تجارى فقط، أو استخدامه دون ضوابط، قد يؤدى إلى أضرار صحية خطيرة، خاصة فى الحالات التى يتم فيها استبدال العلاج الطبى بوصفات غير موثقة، وهو ما قد يفاقم الحالة المرضية بدلًا من علاجها.
ويتقاطع رأى الطرفين عند نقطة مركزية، وهى أن وسائل التواصل الاجتماعى أصبحت أحد أبرز أسباب انتشار المعلومات غير الدقيقة، حيث يتم تداول وصفات علاجية وأعشاب دون تحقق علمى، فى بيئة تعتمد على السرعة والتأثير أكثر من اعتمادها على المصداقية.
ويؤكد المتخصصون أن الخطر الحقيقى لا يكمن فى وجود الطب البديل فى حد ذاته، بل فى غياب الضوابط العلمية التى تنظم استخدامه، وفى قدرة غير المتخصصين على تقديم أنفسهم كخبراء صحيين دون تأهيل، وهو ما يخلق حالة من الارتباك لدى الجمهور.
حين يتحول الأمل إلى خطر صحى
وفى ظل هذا المشهد، تتزايد الدعوات إلى ضرورة وضع إطار تنظيمى واضح يحدد من يحق له تقديم الاستشارات الغذائية أو المرتبطة بالطب البديل، مع تعزيز دور المؤسسات الرسمية فى التوعية الصحية، بما يضمن وصول المعلومة الطبية بشكل علمى وآمن.
وتقدم الدكتورة أمانى مختار، أستاذ الصحة العامة والطب الوقائى بكلية الطب جامعة عين شمس، وأستاذ البحث الطبى الحيوى بكلية طب القوات المسلحة، قراءة أوسع للظاهرة، تربط فيها بين الجانب الطبى والبعد الاجتماعى والنفسى للمريض.
وتوضح أن المشكلة لا تبدأ من الوصفة نفسها، بل من اللحظة التى يقرر فيها المريض تأجيل العلاج العلمى لصالح بديل غير مثبت.
وتشير إلى أن هذا التأخير قد يفتح الباب أمام سلسلة من المضاعفات، تبدأ بتفاقم الحالة المرضية، وتمر بانخفاض فرص الاستجابة للعلاج، وقد تنتهى فى بعض الحالات إلى تلف دائم فى أعضاء الجسم أو تهديد مباشر للحياة، خصوصًا فى الأمراض الخطيرة مثل السرطان وأمراض القلب والكلى.
كما توضح أن كثيرًا من المرضى لا يتجهون إلى هذه الممارسات بدافع الرفض الكامل للطب الحديث، وإنما بدافع نفسى يرتبط بالخوف أو الرغبة فى تجنب الآثار الجانبية أو البحث عن أمل سريع، وهنا تظهر خطورة «الرسائل المضللة» التى تقدم نماذج فردية على أنها قاعدة عامة، دون أى سند علمي.
وتضيف أن التسويق الرقمى لعب دورًا كبيرًا فى تضخيم هذه الظاهرة، من خلال تقديم الوصفات فى صورة جذابة وسهلة، مدعومة بعبارات مثل «طبيعي» و«آمن تمامًا»، رغم أن غياب الأدلة العلمية يجعل هذه العبارات مضللة فى كثير من الأحيان.
وحذرت من أن بعض هذه الممارسات قد تتداخل بشكل خطير مع الأدوية الطبية، مما يؤدى إلى تقليل فعاليتها أو إحداث آثار جانبية غير متوقعة، وهو ما يضاعف من خطورة الوضع الصحى للمريض.
وتؤكد أن العلاج غير المثبت لا يصبح مجرد خيار غير فعال، بل قد يتحول إلى عامل مباشر فى تدهور الحالة الصحية، خاصة عندما يُستخدم كبديل وليس كعنصر مساعد تحت إشراف طبى.
وبين مريض يبحث عن أمل سريع، ومحتوى رقمى يضخم الوعود، وممارسات غير منظمة تستغل الثقة، تتشكل دائرة مغلقة قد يدفع ثمنها المريض أولًا، وفى ظل هذا الواقع، يبقى السؤال مفتوحًا: هل المشكلة فى «البديل» نفسه، أم فى غياب الوعى الذى يفصل بين ما هو علمى وما هو مجرد إدعاء؟







