هندسة قانونية للحقوق والواجبات .. هل تحد من الجرئم الأسرية
من الرابح فى قانون «الأحوال الشخصية»؟
مى زكريا
ننشر النصوص الكاملة لمواد القانون الخاصة بأكثر « قضايا الخلاف» داخل الأسرة
بمجرد إعلان الحكومة انتهاء إعداد مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، اشتعلت ساحات النقاش العام؛ وتحولت مواقع التواصل الاجتماعى ووسائل الإعلام المختلفة إلى منصات مفتوحة للجدل الحاد حول بنوده، خاصة تلك المتعلقة بالزواج والطلاق والحضانة والرؤية.
لم يعد الأمر مجرد مشروع قانون للأحوال الشخصية، بل قضية رأى عام، يرى فيها المؤيد للقانون بأنه إنقاذ للأسرة، بينما يخشى المعارض تداعيات بعض مواده.
مشروع القانون يضع قواعد تفصيلية تبدأ من فترة الخطوبة، مرورًا بعقد الزواج وشروطه، وصولا لأدق تفاصيل الطلاق والحضانة والرؤية، وهو ما جعله فى مرمى النقاش العام، خاصة مع طرح مواد تمس قضايا شائكة ظلت لسنوات محل خلاف مجتمعى، مثل توثيق الطلاق، الاستضافة، الولاية التعليمية وربط بعض الحقوق بالالتزامات.
جلسات استماع برلمانية
تستعد اللجان النوعية بمجلس النواب، لعقد جلسات استماع موسعة تضم فقهاء الشريعة، خبراء القانون وعلماء الاجتماع، فى محاولة للوصول إلى صيغة توازن بين النصوص القانونية والواقع الاجتماعي.
ولن تكون المناقشات سهلة، بل من المتوقع أن تشهد جدلًا حادًا حول عدد من المواد، ومن أبرزها ما يلى:
الخطبة
المادة (1): الخطبة ليست عقدًا ملزمًا، وإنما مجرد وعد بالزواج بين الطرفين لا يترتب عليها أى من الآثار القانونية المترتبة على عقد الزواج.
ووضع القانون ضوابط حاسمة فى المواد «2 :5» لإنهاء نزاعات «الشبكة والهدايا»، حيث حسمت المادة «3» استرداد الهدايا وفقًا للمذهب المالكى، ليكون العدول سببًا فى خسارة الهدايا لمن تسبب فيه.
وأقرت المادة «5» حق التعويض عن الضرر المادى أو الأدبى الناتج عن فسخ الخطبة.
الزواج
منحت المادة «7» الزوجة حق فسخ العقد خلال 6 أشهر، إذا لم تكن حاملا أو لم تنجب؛ إذا تبين أنها تزوجت من «ادعى لنفسه ما ليس فيه»، أى فى حال اكتشاف «غش» فى بيانات الزوج أو صفاته.
كما تضمنت المادة «31» استحداث «وثيقة تأمين» إجبارية تضمن حقوق الزوجة عند الطلاق أو الوفاة، بالإضافة إلى إجازة المادة «32» لإرفاق «ملحق للوثيقة»؛ يتم الاتفاق فيه مسبقًا على تفاصيل الرؤية؛ النفقة؛ تفويض الزوجة فى إيقاع الطلاق لمرة واحدة أو أكثر، على أن تعتبر هذه الوثيقة جزء من عقد الزواج.
النفقة الزوجية
المادة «48»، تقرر وجوب النفقة للزوجة على زوجها من تاريخ العقد الصحيح حتى ولو كانت ميسورة الحال، بما يعكس أن النفقة التزام على الزوج لا يرتبط بحالة الزوجة المالية.
وتحدد المادة (49) عناصر النفقة، وتشمل الغذاء، والكسوة، والمسكن، ومصاريف العلاج، وكل ما يقضى به الشرع والعرف، وهو تعريف شامل يراعى احتياجات الحياة اليومية.
وتنص المادة (50) على أن نفقة الزوجة لا تسقط إذا خرجت للعمل المشروع أو لزيارة والديها، طالما أن هذا الخروج لا يضر بمصلحة الأسرة، وهو نص يواكب طبيعة المجتمع الحديث.
وتؤكد المادة (51) على أن النفقة دين فى ذمة الزوج لا يسقط إلا بالسداد أو الإبراء، لكنها تضع قيدًا على المطالبة القضائية، حيث لا تُقبل دعوى النفقة عن مدة تزيد على سنة سابقة على رفع الدعوى.
وتنظم المادتان «54» و«55» تقدير النفقة، بحيث يتم تحديدها وفقًا لحالة الزوج المادية (يسرًا أو عسرًا)، مع إمكانية زيادتها أو إنقاصها إذا تغيرت الظروف.
وتلزم المادة «58» جهات العمل بتقديم بيان رسمى بدخل الزوج؛ بناءً على طلب المحكمة، لضمان تقدير النفقة بشكل عادل ودقيق.
الطلاق
وضع القانون بعض القيود على الطلاق فى محاولة لتقييده؛ كما ألزم بفترة التفكير إجبارية قبل وقوع الطلاق؛ وتلزم المادة «75» المطلق بتوثيق طلاقه خلال 30 يومًا، للتضييق على «الطلاق الشفهي» غير الموثق.
وتضمنت المادة «79» حكما يجبر الزوج أو وكيله الإقرار فى وثيقة الزواج بالحالة الاجتماعية إذا كان متزوجا؛ ويتم إخطار زوجته بالزواج الجديد بخطاب مسجل.
وأعطت المادة «80» الحق للزوجة فى طلب الطلاق؛ إذا تغيب زوجها مدة ستة أشهر بلا عذر مقبول وفى حاله الضرر.
الخلع
وفى محاولة لوضع قواعد للحد من ارتفاع نسبه الطلاق؛ تضمنت المادة «84» إلزام الزوجة التى لم يمض على زواجها ثلاثة سنوات؛ طلب إذن من القاضى إذا أرادت أن تقيم دعوى خلع.
الحضانة
وفى مسألة الحضانة نصت المادة «115» على تقديم الأب بعد الأم؛ وجعله فى المرتبة الثانية؛ وفقا لما أسفر عن الواقع العملى من مشكلات أصابت العديد من الصغار بالضرر النفسى والاجتماعي.
وتضمنت المادة «118» نصا يحدد أقصى سن للحضانة بـ15 عامًا؛ وببلوغ هذا السن تسقط عنه ولاية النفس.
نصت المادة «122»، على أن زواج الحاضن الأب أو الأم بغير محرم للصغير يسقط حقه فى الحضانة؛ ما لم تقتض مصلحة المحضون غير ذلك، واستثناء من حكم الفقرة الأولى من هذه المادة، ومع مراعاة مصلحة الطفل الفضلى، فإن زواج الأم الحاضنة لا يسقط حقها فى الحضانة فى الحالتين التاليتين:
إذا كان سن المحضون لم يجاوز السبع سنوات
وإذا كان للمحضون علة أو إعاقة تجعل حضانته مستعصية على غير الأم
وفى جميع الأحوال يترتب على بقاء الصغير مع أمه رغم زواجها سقوط حقها فى الإقامة يمكن الحضانة المعد بمعرفة المطلق ولها أجر مسكن حضانة».
ونصت المادة «124»، على أن زواج الحاضن من غير الأم أو الأب؛ لا يسقط حقه فى الحضانة؛ حتى لا تكون الحضانة سببا فى منعه من حقه فى الزواج، بما لا يمثل ضررًا على المحضون.
الولاية التعليمية
المادة «136» نصت على أن الولاية التعليمية تكون للحاضن؛ وعند الخلاف يرفع الأمر لمحكمة الأسرة من مادة «138»، وذلك مع إلزام الأب بأداء تكاليف تعليم أولاده؛ بما فى ذلك التعليم فى المرحلة التمهيدية قبل التعليم الأساسي؛ ويستمر الإنفاق حتى بلوغ الولد مرحلة الجامعة؛ وتسترد فى حال اختيار الأب نوعا معينا من التعليم ليس له أن يرجع عن ذلك إلا بسند.
الرؤية
استحدثت المادة «140» من له حق رؤية المحضون؛ قراراته لغير الحاضن من الأبوين والأجداد والجدات مجتمعين فى مكان واحد.
ومن المواد المثيرة للجدل المادة «141»، والتى تقضى بإسقاط الحضانة فى حال الامتناع عن تنفيذ حكم الرؤية بغير عذر مقبول؛ ونقل الحضانة إلى من يليه محددة لمدة لا تزيد على 3 أشهر من تاريخ تنفيذ حكم النقل.
وتضمنت المادة «143» على أن الحق فى الرؤية يسقط؛ إذا كان طالبها هو الملتزم بنفقة المحضون وامتنع عن أدائها لمدة عام.
واستحدثت المادة «144» حكم جواز طلب الحق فى الرؤية إلكترونيا؛ إذا كانت ظروفا خاصة بالحاضن أو المحضون أو صاحب الحق فى الرؤية تحول دون الرؤية المباشرة مدة لا تقل عن 3 ساعات أسبوعيًا.
وأجازت المادة «146» للحاضن تقديم طلب بوقف الرؤية، إذا امتنع صاحب الرؤية 3 مرات متتابعة دون إخطار سابق؛ على أن يصدر الأمر بالوقف لمدة تزيد لا تزيد على 3 أشهر.
الزيارة
تضمنت المادة «148» أحكاما خاصة بالزيارة، وهى طلب اصطحاب المحضون لمدة مقررة، كما يجوز أن تشمل المبيت على ألا يقبل الطلب للمحضون الذى يقل سنه عن خمس سنوات؛ إلا بالاتفاق، وألا تقل مدة الزيارة عن 8 ساعات، ولا تزيد على 12 ساعة كل شهر.
ولا يجوز الجمع بين الزيارة والرؤية فى نفس الأسبوع؛ ويكون المبيت لمدة لا تقل عن يومين؛ ولا تزيد على أربعة أيام منفصلة كل شهر.
وتضمنت المادة «149» إسقاط الحق فى الاستزارة؛ إذا كان طالبها ملزما بنفقة المحضون؛ وامتنع عن أدائها دون عذر مقبول، وذلك حتى يتم سداد النفقة.
النائبة لبنى عبد العزيز، عضو مجلس النواب، والهيئة البرلمانية لحزب حماة الوطن، قالت إن المناقشات حول قانون الأحوال الشخصية، خاصة ما يتعلق بسن الحضانة، كشفت عن فجوات كبيرة فى آليات دعم المرأة والطفل، مؤكدة ضرورة تفعيل دور المجلس القومى للطفولة والأمومة على أرض الواقع.
وأوضحت أنها اقترحت إنشاء مكاتب تابعة للمجلس فى جميع المراكز والمديريات، لا سيما فى القرى والنجوع للتعامل مع حالات الطلاق، مشيرة إلى أن النساء فى المناطق الأكثر فقرًا هن الأكثر تضررًا، حيث تتحمل المرأة مسئولية الإنفاق على الأبناء فى كثير من الحالات، دون الحصول على نفقة، أو القدرة على اللجوء لمحامين.
وأضافت: لا بد أن تجد المرأة ملاذًا قانونيًا وإنسانيًا تلجأ إليه بسهولة، لأن الكثيرات لا يستطعن البحث عن حقوقهن أو تحمل أعباء التقاضى، ولفتت إلى أن بعض المجالس القائمة لا تؤدى دورها بالشكل المطلوب.
وأشارت إلى أنها كنائبة، لم تكن على علم كامل بالخدمات التى يقدمها المجلس القومى للطفولة والأمومة، ما يعكس ضعف التوعية، ما يستدعى إطلاق حملات توعية واسعة.
وشددت عبد العزيز على أهمية التوعية قبل الزواج، محذرة من تفاقم ظاهرة التفكك الأسرى وتأثيرها على الأجيال الجديدة، قائلة إن المشكلات الأسرية تنعكس بشكل مباشر على استقرار المجتمع.
كما حذرت من انتشار ما يطلق عليه ظاهرة «الزواج على ضهر الورق» فى القرى والنجوع، خاصة بين الفتيات دون السن القانونية، معتبرة أنها من أخطر الظواهر التى تؤدى إلى زيادة أعداد المطلقات فى المناطق الأكثر احتياجًا.
ودعت إلى إدخال برامج التوعية الأسرية ضمن المناهج الدراسية منذ الصغر، وليس الاكتفاء بالمبادرات الموجهة للشباب فى سن الجامعة، مؤكدة أن حل المشكلة يبدأ من الجذور، عبر بناء جيل واعٍ قادر على التعامل مع تحديات الحياة الأسرية.
وأوضحت أن مشروع قانون الأسرة الجديد، يتضمن العديد من المواد الإيجابية التى تدعم حقوق الأم والطفل، منتقدة فى الوقت ذاته إعادة ترتيب الأولى بالحضانة، ليقفز الأب فى المرتبة الثانية، قائلة إنها كانت تفضل أن يكون الترتيب الأم أولًا، ثم الجدة للأم، ثم الأب، ثم الجدة للأب، معتبرة أنه ترتيب أكثر عدالة ومنطقية.
كما أشادت بالمادة (138) التى تلزم الأب بالإنفاق على أبنائه فى جميع المراحل التعليمية، مع إسقاط حقه فى الرؤية حال عدم الالتزام، مؤكدة دعمها القوى لهذا التوجه.
فى المقابل، حذرت من بعض المواد التى قد تمثل ضغطًا على المرأة، مثل اشتراط مرور ثلاث سنوات قبل رفع دعوى الخلع، موضحة أن هذا الشرط قد يظلم بعض النساء فى حالات استحالة العشرة بسبب العنف أو الإهانة، مع إتاحة استثناءات واضحة فى هذه الحالات.
ولفتت إلى أن هناك مواد قد تُستغل بشكل خاطئ، مثل إسقاط الحضانة عن الأم حال عدم الالتزام بالرؤية، خاصة أن بعض الأزواج قد يفتعلون مشكلات قانونية لتحقيق ذلك، بينما أيدت بشدة إسقاط حق الأب فى الرؤية حال عدم التزامه بالإنفاق.
وأكدت على أن الهدف الأساسى يجب أن يظل حماية الطفل، وتحقيق التوازن بين حقوق الأب والأم، مع سد الثغرات التى قد تُستغل بشكل يضر باستقرار الأسرة.
خطوة مهمة
قالت النائبة سناء السعيد، عضو اللجنة التشريعية بمجلس النواب، إن مشروع قانون الأحوال الشخصية، يمثل خطوة مهمة نحو معالجة العديد من الإشكاليات القائمة فى القانون الحالي.
وأوضحت أنه وفقًا للخطوط العريضة، يتناول بشكل شامل قضايا الحضانة والرؤية والنفقة وسن الحضانة والولاية، وهى محاور تمثل جوهر المشكلات الأسرية التى يعانى منها المجتمع.
وأضافت أنه من حيث المبدأ، فإن المشروع يعكس ما كنا نطالب به خلال جلسات الاستماع، إذ يسعى لوضع إطار متكامل يعالج أوجه القصور فى القانون القائم.
وأشادت بالنص على جعل الأب فى المرتبة الثانية فى ترتيب الحضانة، واصفة ذلك بأنه “حق أصيل يحقق قدرًا من التوازن”.
كما أشارت إلى أنه فى حال عدم قدرة الأب على تولى الحضانة، يمكن انتقالها بشكل طبيعى إلى الأم او الجدة من جهة الأم، مع ضرورة وجود ضوابط واضحة فى التشريع تنظم مسألة الحضانة بما يضمن مصلحة الطفل أولًا.
وفيما يتعلق بسن الحضانة، أوضحت أن المشروع لم يدرس بشكل تفصيلى حتى الآن، لافتة إلى أن الطرح المبدئى يشير إلى إمكانية وصوله إلى 15 عامًا، ويجب أن يحسم الرأى النهائى بناء على آراء المتخصصين من الإخصائيين الاجتماعيين والأطباء، وليس بشكل تقديرى فقط.
وفى ملف النفقة، أكدت أن المشروع يتضمن حلولا عملية لمشكلات تنفيذ أحكام النفقة، من خلال توفير آليات ومحاكم متخصصة للفصل السريع، بما يخفف معاناة الأسر.
كما أشادت بنظام «الاستضافة» الوارد فى مشروع القانون، موضحة أنه يعالج الإشكاليات التى كانت تواجه نظام الرؤية داخل مراكز الشباب، لافتة إلى أن تنظيم الاستضافة بضوابط قانونية واضحة يسهم فى تحقيق التوازن بين حقوق الأب وطمأنينة الأم.
وأكدت دعمها للمادة التى تنص على إسقاط الحضانة عن الأم حال امتناعها عن تنفيذ حكم الرؤية، مع ضرورة ضبط صياغة النص بما يضمن العدالة للطرفين، مشددة على أن دور المشرع هو تحقيق التوازن مع وضع مصلحة الطفل فى المقام الأول.
كما أيدت بقوة المادة التى تسقط حق الأب فى الرؤية حال امتناعه عن سداد النفقة، معتبرة أن الالتزام بالواجبات شرط أساسى للحصول على الحقوق.
وأكدت على أن «ضبط صياغة النصوص القانونية هو الضمان الحقيقى لحقوق الطرفين»، مشيرة إلى أن التشريع الجديد يجب أن يمنع أى ممارسات سلبية مثل تهريب الأطفال أو استغلال الثغرات القانونية، بما يحقق الاستقرار الأسرى ويحمى حقوق الطفل.







