السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

من داخل وحدة الإرشاد الأسرى بدار الإفتاء

لا تعسروا! «روزاليوسف» ترصد أبرز النزاعات الأسرية.. وإجراءات حل الخلافات الزوجية

لم تعد المشكلات الأسرية مجرد خلافات عابرة يمكن احتواؤها بكلمة طيبة أو مرور الوقت، بل أصبحت – فى كثير من الحالات – نزاعات مركبة تتشابك فيها الأبعاد الشرعية مع النفسية والاجتماعية، وتتحول فيها التفاصيل الصغيرة إلى أزمات ممتدة تهدد كيان الأسرة من جذوره.  



 

من خلال ما يرِد إلى مراكز الإرشاد الزواجى التابعة لدار الإفتاء، يتضح أن هناك أنماطًا متكررة من النزاعات، تكاد تتشابه فى أسبابها العميقة وإن اختلفت صورها الظاهرة.

ويؤدى مركز الإرشاد الزواجى والأسرى رسالته المهنية والإنسانية عبر نموذج تكاملى يجمع بين المتخصص الشرعى والإخصائى النفسى فى جلسة واحدة؛ لفهم المشكلة من جذورها لا من سطحها، وتحليلها تحليلًا موضوعيًا يكشف أبعادها الخفية، ثم تقديم حلول منضبطة تمنع تكرار النزاع، وتعيد بناء السكينة داخل الأسرة. 

وحول أهمية دور وحدة الإرشاد الأسرى بدار الإفتاء يقول الشيخ عويضة عثمان مدير الوحدة: لقد زادت فى أيامنا الرياح التى تعبث باستقرار الأسرة، وتهدد كيانها، وتعطل مسيرتها وعطاءها، فجاءت ضروب من المشاكل، وأنواع من الاختلافات المستجدات أخذت بها إلى شواطئ الهجر والقطيعة، وأغرقتها فى بحار المعارك والخصومات.. فزادت الحاجة إلى تدخل العقلاء من علماء الشرع، وعلماء النفس، لإرجاع الأسرة إلى رشدها، ومسارها الصحيح لتستكمل عطاءها على وعى، وثقافة بالتحديات التى تقابلها.

أضاف أنه يبرز دور دار الإفتاء المصرية؛ بإنشائها لمركز الإرشاد الزواجى والدعم النفسى للزوجين؛ لاستعادة الاستقرار الأسرى، والسعادة الزوجية.

 خطوات استقبال النزاعات 

ووفق ما صرح به د.عويضة عثمان مدير مركز الإرشاد لـ «روزاليوسف» أن مهمة المركز لا تتوقف عند حدود التهدئة المؤقتة، بل تمتد إلى إصلاح حقيقى طويل الأمد، يقوم على جلسات سرية تراعى الخصوصية، وتحترم الإنسان، وتنتقد الفعل لا الشخص، وتضع حلولًا واقعية قابلة للتطبيق داخل البيت.

واستطرد: «لا تبدأ هذه العملية من لحظة طرح المشكلة فقط، بل من لحظة استقبال الطرفين، حيث تعتمد دار الإفتاء منهجية دقيقة تضمن عدم إغفال أى تفصيلة قد تكون مفتاحًا لفهم النزاع.

فعند حضور الزوجين، يُطلب منهما أولًا ملء استمارة تُعرف بـ «استمارة التعارف»، وهى ليست مجرد إجراء إدارى، بل تمثل الخطوة الأولى فى بناء تصور شامل عن الحالة.

وتتضمن هذه الاستمارة بيانات تفصيلية تشمل الاسم، وتاريخ الميلاد، والمؤهل الدراسى، والوظيفة، وتاريخ الزواج، وعدد الأبناء، فضلًا عن تحديد ما تشكو منه الزوجة وما يشكو منه الزوج، وبيان ما إذا كان قد وقع طلاق سابق أم لا، إلى جانب أى معلومات أخرى تساعد فى رسم ملامح الحياة الأسرية».

أضاف: إنه بعد ذلك تبدأ جلسة الاستقبال داخل غرفة الإرشاد، حيث يتم الترحيب بالطرفين وتهيئة مناخ هادئ وآمن يشعر فيه كل منهما بالقدرة على التعبير دون خوف أو حرج، ثم يُطرح السؤال الأساسى الذى تُبنى عليه الجلسة: ما سبب حضوركما إلى مركز الإرشاد الزواجي؟ ومن هنا تبدأ عملية الاستماع، وهى الركيزة الأهم فى فهم النزاع.. وتُمنح الزوجة فى كثير من الحالات الفرصة لعرض مشكلتها أولًا.

 تدخل الأهل.. أبرز الخلافات 

ومن خلال رصد الحالات، برزت مجموعة من النزاعات الأكثر تكرارًا، أولها تدخل الأهل فى الحياة الزوجية، حين تتحول النصيحة إلى سيطرة، حيث تعد وفق أوراق مركز الإرشاد الزوجى أن هذه المشكلة تعد من أكثر القضايا حضورًا على طاولة الإرشاد الزواجى، وغالبًا ما تبدأ بشكل بسيط تحت مسمى «الاهتمام» أو «النصيحة»، ثم تتطور تدريجيًا حتى تتحول إلى تدخل مباشر فى القرارات اليومية للزوجين.

وعن نموذج لتلك الحالة فى الحالة التى عُرضت، كانت زوجة بعد عشرين عامًا من الزواج؛ تشكو من فقدان زوجها لشخصيته داخل البيت بسبب تدخل أهله فى كل تفاصيل حياتهم، رغم أنه زوج كريم ماديًا.

ومع الوقت، شعرت أن حياتها لم تعد ملكًا لها، وأن القرارات تُدار من خارج المنزل، مما دفعها للتفكير فى الانفصال.

وعند الاستماع للزوج، أقرّ بصحة ما تقوله زوجته، لكنه كان يعيش صراعًا داخليًا بين الحفاظ على بيته، والخوف من عقوق والديه.

والمعالجة الشرعية لتلك المشكلة ركزت على: مفهوم القوامة باعتبارها مسئولية لا سلطة، وأن استقلال القرار داخل البيت لا يتعارض مع بر الوالدين، وأن كثيرًا من حالات الطلاق سببها هذا النوع من التدخل.

وأما المعالجة النفسية فقد كشفت شعور الزوجة بانتهاك حدودها وفقدان الأمان العاطفى، واعتماد الزوج على أهله كآلية هروب من المسئولية، وضرورة إعادة بناء الثقة، وتعليم مهارات التواصل، ووضع حدود صحية للعلاقة مع الأهل.

 الخلافات المالية.. وعلا جها 

ومن أبرز الخلافات التى تأتى على قمة المشكلات التى تهدد الكيان الأسري؛ من واقع المشكلات المرصودة داخل وحدة الإرشاد الزوجى الخلافات المالية، حيث يتحول الإنفاق إلى ساحة صراع.

 ويوضح د.عويضة عثمان؛ أن من القضايا الشائعة كذلك النزاعات المرتبطة بالمال، سواء بسبب تقصير الزوج فى النفقة.. أو إسرافه بشكل يضر باستقرار الأسرة.. أو خلاف حول إدارة الدخل.

وتكمن خطورة هذا النوع من النزاعات؛ فى أنه لا يتوقف عند الجانب المادى، بل يمتد ليؤثر على مشاعر الأمان والاحترام بين الزوجين.

وعند معالجة هذه المشكلة؛ وفق ما أفادت به وحدة الإرشاد بدار الإفتاء؛ فشملت الرؤية الشرعية التى أكدت وجوب النفقة على الزوج بحسب استطاعته، وحرمة التقتير أو التبذير، وضرورة الوضوح فى إدارة المال.

 الفتور العاطفي… والعنف

وفى المركز الثالث تبرز مشكلة الفتور العاطفي؛ كأحد أسباب المشاكل بين الزوجين بما يهدد الكيان الأسرى، حيث يأتى كثير من الأزواج إلى مركز الإرشاد؛ وهم لا يعانون من مشكلة واضحة، لكنهم يشعرون بأن العلاقة «فارغة» لا شجار ولا حب.

ووفقا لمدير الإرشاد الزوجى بدار الإفتاء؛ فإن هذا النوع من النزاعات الصامتة هو الأخطر، لأنه يتسلل ببطء حتى يصل إلى مرحلة الانفصال النفسى، وأن المعالجة هنا تركز على إحياء لغة الحوار، وإعادة بناء الاهتمام المتبادل، وتخصيص وقت يومى للتواصل بعيدًا عن ضغوط الحياة.

بينما يأتى العنف اللفظى والمعنوي؛ كأحد أبرز النزاعات الزوجية، حيث عرضت على وحدة الإرشاد الأسرى نزاعات لكثير من الحالات؛ لا تتضمن ضربًا أو أذى جسديًا، لكنها مليئة بالإهانة، والسخرية، والتقليل من الشأن.

 ويوضح د.عويضة عثمان؛ أن هذا النوع من العنف يهدم الثقة، ويُفقد العلاقة احترامها، ويترك آثارًا نفسية عميقة، خاصة على الأبناء.

وأضاف أن الرؤية الشرعية فى حل هذه النزاعات ترفض هذا السلوك تمامًا، وتؤكد على المعاشرة بالمعروف، أما نفسيًا فهو غالبًا نتيجة تراكمات لم تُحل، أو أنماط شخصية غير ناضجة فى التعبير عن الغضب.

غياب المسئولية

وتأتى مشكلة غياب المسئولية من أبرز أسباب النزاعات الأسرية المعروضة، وتظهر هذه المشكلة فى صور متعددة تشمل زوجًا لا يشارك فى تربية الأبناء، أو لا يتحمل أعباء البيت، أو يعتمد بالكامل على الطرف الآخر.

وهنا تشعر الزوجة (أو أحيانًا الزوج)؛ بأنها تعيش وحدها داخل علاقة يفترض أنها شراكة.

وترى وحدة الإرشاد فى علاج هذه المشكلة بأن الحل يبدأ من إعادة تعريف الأدوار داخل الأسرة، وتحميل كل طرف مسئوليته، وتدريب الطرف غير المتحمل على مهارات الالتزام.

 الخيانة… كسر الثقة الأكبر

ويعد الشك والتخوين بين أحد الزوجين للآخر؛ من أسباب النزاعات المعروضة فى وحدة الإرشاد الزوجى والأسرى بدار الإفتاء، حيث تعرض نزاعات بسبب الخيانة؛ سواء كانت خيانة فعلية أو عبر وسائل التواصل، وهى من أعقد القضايا التى تصل إلى مركز الإرشاد.

وفى مثل هذه النزاعات لا يكون التحدى أمام وحدة الإرشاد فقط فى الحكم الشرعى، بل فى هل يمكن استعادة الثقة؟ وهل يستمر الزواج أم ينتهي؟ ومن هنا ووفق ما تقوم به وحدة الإرشاد بدار الإفتاء فإن المعالجة تعتمد على تقييم صدق التوبة؛ واستعداد الطرفين للإصلاح، ووضع حدود صارمة تمنع تكرار الخطأ.

ومن هنا، يصبح مركز الإرشاد الزوجى والأسري؛ أكثر من مجرد جهة تقدم الفتوى، بل مساحة آمنة يُعاد فيها اكتشاف معنى الأسرة، لا باعتبارها علاقة شكلية، بل باعتبارها سكنًا ورحمة، تحتاج إلى وعى، وصبر، وفهم متبادل، حتى تستعيد دورها الحقيقي.. بيتًا يُبنى، لا ساحةً صراع.