السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
قرصان البحار الحديث

قرصان البحار الحديث

هل تحولت السياسة الدولية فى عصر الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، إلى قانون بحر مفتوح، حيث لا مكان فى هذا البحر إلا للأقوى؟، سؤال يطرح نفسه بقوة عقب تصريحه الأخير فى ولاية فلوريدا، الذي شبّه فيه أداء البحرية الأمريكية (بالقراصنة)، خلال تنفيذ عمليات حصار بحرى تستهدف إيران، فى سياق الحرب الدائرة على إيران، حينما قال: إن القوات الأمريكية استولت مؤخرا على سفينة وحمولتها، مضيفا: «احتجزنا السفينة والنفط.. إنها تجارة مربحة جدا. نحن مثل القراصنة.. نوعا ما، لكننا لا نمزح». تصرفات وسلوكيات وأداء الرئيس الأمريكى تؤكد تلك الصفات، فالرجل منذ عودته إلى حكم أمريكا مرة أخرى، يتصرف فى أحيان كثيرة بعقلية أقرب إلى قرصان بحار حديث أكثر من كونه رئيسًا لأكبر دولة فى العالم. رغم أنه لا يحمل سيفا ولا يرفع علما أسود فوق سفنه، فارضا الإتاوات أو ناهبا لسفن الغير، مثلما كان يفعل القراصنة فى العصر القديم، إلا أنه يستخدم أسلوبا جديدا يستخدم من خلاله الدولار والعقوبات والرسوم التجارية، فارضا الرسوم الجمركية على الدول التى تختلف معه، وحتى الحلفاء التقليديون المقربون لواشنطن لم يسلموا من سياسة الإذعان التى يفرضها عليهم، مما يشكل ابتزازًا سياسيًا (يتم تحت شعار أمريكا أولًا)، محولا الاقتصاد العالمى إلى بحر مضطرب لا يعرف الاستقرار. رئيس بتلك العقلية لا يخلق نظامًا عالميًا، بل يخلق حالة من الفوضى المنظمة؛ محولا القوة الاقتصادية إلى أداة ترهيب، وتصبح السياسة الدولية أقرب إلى معركة. ولكن بصيغة القرن الحادى والعشرين، تحت دعاوى أن بلاده لا يجب أن تتحمل فاتورة حماية البلاد البعيدة أو حتى القريبة مجانا، لذلك سمح لنفسه بالاستيلاء على نفط فنزويلا، ومن ثم حان الدور على إيران للاستيلاء على نفطها، تفكير وتدابير وتصرفات لا يمكن بأى حال من الأحوال أن تصدر من رئيس دولة عظمى، بقدر ما تصدر من قرصان من قراصنة العصر القديم، يعتبر أن الغنائم لا يحصل عليها إلا الفائز فقط. وبالتالى لم يعد هناك من فرق بينه وبين قراصنة الماضى الذين كانوا يرفعون الرايات السوداء ويحملون البنادق للاستيلاء على السفن ونهبها، سوى أنه يرفع فى يده اليمنى شعار نمو الاقتصاد الأمريكى،  بينما يده اليسرى تحمل سلاح العقوبات وتغزو وتحاصر البلاد التى لا تنفذ رغباته أو تخالفه، حتى وصل به الأمر إلى إيقاف السفن فى عرض البحر لتفتيشها وفرض الإتاوات عليها تحت مسمى أمريكا أولا. مؤكدا أن هناك عصر قرصنة جديدًا قد تم استحداثه، بعيدا عن القانون الدولى والمنظمات الدولية التى تحكم العلاقات بين الدول. قرصنة جديدة لا تتحدث أو ترى سوى المصلحة وفرض السيطرة على أى دولة أو شركة أو حتى بنك يخرج عن السيطرة والخط الأمريكى.  وهنا تحديدا تتحول أمريكا على يده من قوة كان يفترض منها أن تقود الاقتصاد العالمى بحكم كونها دولة عظمى، إلى قوة لا تبغى سوى احتكار مفاتيحه، تستخدمها فقط لمعاقبة من يعارضها. حتى ولو كان من الشركاء التقليديين لدولته الذين لم ينجوا أيضا من تصرفاته وطموحاته، لرفضهم مشاركته فى حربه الأخيرة على إيران. وبالتالى لم يعد يراهم حلفاء بل (زبائن) عليهم أن يدفعوا ثمن حماية قواته لهم، وإلا سيضطر آسفا لسحبها من بلادهم، التى يدعى أنها تحميهم من غدر الزمان والأعداء. قرصنة حديثة لها سمات خاصة وضع قوانينها ترامب وحده، لا تعترف سوى بمنطق الغلبة والقوة والسيطرة، وكأننا نعيش فى غابة، الغلبة فيها لمن يملك المال والسلاح والعقوبات ليفعل ما يشاء، غابة انتهكت فى طريقها كافة القوانين والمعاهدات والمنظمات الدولية والتحالفات، سواء كانت قديمة أو حديثة، على يد دولة تدعى زورا وبهتانا أنها حامية الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان (والحيوان أيضا إذا أحببت). قرصنة غيبت النظام الدولى واستعاضت عنه بقوانين أقرب إلى البلطجة، سمحت لدولة كبرى بحصار دول ومصالح شعوب، بل والاعتداء عليها لنيل ثرواتها إذا لزم الأمر.



وهذا تحديدا ما جعل المحللين السياسيين يؤكدون أننا أمام حالة قرصنة جديدة، تهدف فى المقام الأول إلى السيطرة على مقدرات وثروات العالم وممراته البحرية، لفرض النفوذ والسيطرة، على دول العالم أن تستعد لمواجهتها والتصدى،  حتى تستطيع تجاوزها قبل أن تبتلعنا جميعا.