اختلافها وحسها الموسيقى صنعا نجاحها
سهير زكى.. سفيرة الرقص الشرقى
منى بكر
برحيل سهير زكى، تنطفئ واحدة من العلامات المضيئة فى تاريخ الفن المصرى، تلك التى استطاعت أن تعيد صياغة النظرة إلى الرقص الشرقى فى مرحلة كان يختزل فيها هذا الفن فى صور نمطية ضيقة، ويُنظر إليه باعتباره مجرد إغراء أو أداء بلا قيمة فنية حقيقية.
جاءت سهير زكى لتكسر هذه النظرة، وتقدّم نموذجًا مختلفًا بل وفريدًا أعاد الاعتبار للرقص بوصفه فنًا قائمًا على التعبير والإحساس، لا على الإثارة فقط.
كان حضورها استثنائيًا، يعتمد على البساطة والصدق، ويترجم الموسيقى إلى حركة تحمل معنى وروحًا، وهو ما ساهم فى تغيير الصورة الذهنية السائدة، ودفع الجمهور لإعادة اكتشاف الرقص الشرقى كجزء أصيل من التراث الفنى والثقافى المصرى.
فقد عشقت سهير زكى فنها، وآمنت بموهبتها، وسارت عكس التيار السائد بجرأة غير مسبوقة، لكنها كانت جرأة واعية فى مضمون ما تقدمه، لا فى الشكل الخارجى.
فنجحت فى إعادة تقديم الرقص الشرقى بوصفه فنًا تعبيريًا راقيًا، قائمًا على الإحساس والتذوق، لا على الابتذال.
وبفضل هذا المسار، استطاعت سهير زكى أن تغير النظرة السائدة فى ذلك الوقت، وأن تنتزع احترام الجمهور وإعجابه، لتصبح نموذجًا لفنانة دخلت إلى دائرة الشهرة والنجومية من بوابة الاحترام والرقى والإبداع، لا من باب الإثارة أو الابتذال.
كما رسخت حضورها كواحدة من القلائل اللاتى جمعن بين الموهبة الحقيقية والوعى الفنى، وقدمن تجربة مختلفة أثرت فى أجيال لاحقة.
ومع رحيلها، لا نفقد فنانة فقط، بل نفقد واحدة ممن أعادوا تعريف هذا الفن، ورسخوا قيمته كأحد أشكال التعبير الراقى فى الوجدان المصرى والعربى.
البداية
وُلدت سهير زكى عبد الله عام 1945 فى مدينة المنصورة، وبدأت شغفها بالفن فى سن مبكرة للغاية،. ومع تطور موهبتها، انتقلت إلى القاهرة بحثًا عن فرص أوسع، لتبرز بقوة من خلال مشاركتها فى برنامج «أضواء المسرح» خلال ستينيات القرن الماضى، ونجحت بأدائها المختلف وحضورها الهادئ فى تحقيق صدى واسع، ليكون ذلك الظهور نقطة تحول مهمة فى مسيرتها الفنية، وشكل هذا البرنامج انطلاقتها الحقيقية نحو الشهرة، وفتح أمامها أبواب العمل فى الملاهى الليلية والسينما، لتصبح لاحقًا واحدة من أبرز نجمات الرقص الشرقى فى مصر.
راقصة خارج الصندوق
لم تكن سهير زكى راقصة تقليدية فى أى مرحلة من مسيرتها، بل قدمت نفسها كفنانة متفردة، تميزت ليس فقط بأسلوبها فى الأداء، وإنما أيضًا بوعيها فى اختيار الموسيقى التى ترقص عليها. فقد كان ارتباطها بالموسيقى عميقًا وحسها الموسيقى استثنائيًا جعلها لا تكتفى بمواكبة الإيقاع، بل تعيشه وتترجمه إلى حركة تحمل روح اللحن وتفاصيله.
وهو ما انعكس بوضوح على طريقتها فى التعبير الحركى، لتصبح واحدة من الراقصات اللاتى قدمن هذا الفن برؤية مختلفة، فارتباطها العميق بالموسيقى منح أدائها خصوصية نادرة وجعلها تتماهى مع اللحن وكأنها جزء منه.
كان هذا الحس الموسيقى أحد أسرار تميزها بل تفردها وسط نجمات الرقص الشرقى حينها، فلم تكن سهير زكى ترقص على الألحان بقدر ما كانت تندمج فيها وتترجم النغمة إلى حركة تحمل روحًا.
ومن أبرز ما ميّز تجربتها، جرأتها فى الرقص على أغانى أم كلثوم، لتكون من أوائل الراقصات اللاتى خضن هذه التجربة، رغم أن أغانى كوكب الشرق لم تكن تصنف ضمن الإيقاعات الراقصة، بل اتسمت بالرصانة والهدوء والطابع الشرقى الكلاسيكى، غير أن سهير زكى استطاعت كسر هذه القاعدة، وقدمت تلك الألحان فى لوحات راقصة متكاملة، مزجت فيها بين الإحساس العالى والحركة المدروسة، لتبهر الجمهور وتعيد تقديم هذه الأعمال من منظور بصرى مختلف.
وروت سهير زكى فى أحد البرامج التليفزيونية كواليس واحدة من أبرز محطات مسيرتها، حين رقصت على أنغام أغنية «أنت عمرى» من ألحان الموسيقار محمد عبد الوهاب. وعندما بلغ الأمر عبدالوهاب وأم كلثوم أثار غضبها فى البداية، خاصة أن الأغنية تُعد من الأعمال الكلاسيكية ولم يكن من المعتاد تقديمها فى قالب راقص، وشعرت أم كلثوم أن هذا تجاوزًا فى حقها وفكرت فى منعها.
ودفع هذا الغضب عبد الوهاب إلى التوجه بنفسه لمشاهدة العرض، حيث حرص على الحضور قبل الموعد بدقائق، طالبًا عدم إبلاغ سهير بوجوده بين الجمهور، وما إن بدأت سهير زكى فقرتها على أنغام «أنت عمرى»، حتى تبدلت نظرته تمامًا، إذ انبهر بقدرتها على تحويل اللحن الرصين إلى لوحة راقصة متكاملة، دون أن تنتقص من قيمته، بل تضيف إليه بعدًا تعبيريًا مختلفًا. وبعد انتهاء العرض، نقل انطباعه إلى أم كلثوم قائلاً عبارته الشهيرة: «سهير تغنى بجسدها»، فى إشارة إلى حسها الموسيقى العالى وقدرتها على التعبير الحركى المتناغم مع اللحن.
ولم تكتف أم كلثوم بما سمعته، فقررت أن تشاهد العرض بنفسها، لتكتشف أن ما قدمته سهير زكى لم يكن خروجًا على العمل، بل قراءة فنية مختلفة له، وهو ما دفعها فى النهاية إلى الإشادة بأدائها، بعد أن كانت تفكر فى منعه، لتتحول حالة الغضب الأولى إلى تقدير واضح لموهبة مختلفة تستحق الدعم والإشادة.
راقصة الزعماء
وفى عام 1974، وخلال الزيارة التاريخية التى قام بها الرئيس الأمريكى «ريتشارد نيكسون» إلى مصر، حظى باستقبال رسمى حافل، تضمن حضور عرض فنى أقيم بحضور الرئيس أنور السادات، كانت بطلته سهير زكى، وقدمت خلاله فقرة استعراضية مميزة بالعصا، أبهرت الحضور، ولفتت انتباه نيكسون بشكل خاص.
وفى السبعينيات أيضًا، توجهت سهير زكى إلى موسكو بدعوة رسمية من وزير الدفاع السوفيتى الأسبق «أندريه جريتشكو»، الذى كان قد شاهدها فى القاهرة وأُعجب بفنها فوجه لها دعوة لزيارة موسكو وسافرت سهير بالفعل إلى روسيا بدعوة رسمية من وزير دفاعها.
وفى مصر، كانت سهير زكى حاضرة فى واحدة من أبرز المناسبات الرسمية، حين شاركت فى إحياء حفل زفاف ابنة الرئيس جمال عبد الناصر، وقدّمت خلال الحفل فقرة راقصة لاقت تفاعلًا كبيرًا من الحضور، فى أجواء اتسمت بالبهجة والاحتفاء، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل تم بث جزء من هذه الفقرة ضمن نشرة أخبار التليفزيون المصرى، فى سابقة لافتة تعكس حجم التقدير الرسمى لفنها، ومكانتها التى جعلتها الراقصة الوحيدة التى يظهر فنها فى سياق إخبارى رسمى آنذاك.
الاعتزال
ولكى تكتمل التجربة الفريدة قررت سهير الاعتزال فى أوج مجدها بعد زواجها من المصور محمد عمارة، وكان التعارف أثناء تصوير أحد الأفلام حيث كان مساعدا مصورا حينها وعاشا قصة حب توجت بالزواج على الرغم من اعتراض الأهل لكنهما تمسكا بالزواج رغم الضغوط وهو ما روته سهير فى حوار تليفزيونى مؤكدة أن المخرج حسن الصيفى خال زوجها هو من ساندهما ودعمهما خلال تلك الفترة. سهير زكى أكدت أن موقف أهل زوجها تغير تماما بعد الزواج فأحبوا زوجة ابنهم كثيرًا مع مرور الوقت.
فى النهاية يبقى اسم سهير زكى حاضرًا، ليس فقط بما قدمته من عروض، بل بما أحدثته من تغيير فى النظرة إلى الرقص الشرقى كفن راق قائم على الإحساس والتعبير، وتظل تجربتها شاهدًا على أن الفن الحقيقى قادر دائمًا على فرض احترامه، ويظل أثره حاضرًا فى وجدان الجمهور وذاكرة الفن.







