السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

اختار أن يكون امتدادا للماضى دون أن يتقاطع معه:

وداعًا أمير الغناء المحافظ

من المفارقات التى لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، بل تستدعى التحديق والتأمل وإعادة القراءة، أننا حين نقف أمام لحظة رحيل الفنان الكبير «هانى شاكر»، بعد رحلة امتدت لما يزيد على نصف قرن من الغناء المتواصل، نجد أنفسنا إزاء مسار يبدأ من أقصى درجات التماس مع «الثورة الفنية»، وينتهى إلى أقصى درجات «الانحياز للمحافظة». 



 

هى مفارقة لا تخص الرجل وحده، بقدر ما تكشف عن تحولات الذائقة، وتبدلات المجتمع، وحدود الممكن داخل الصناعة الغنائية.

البداية، كما نعرف، لم تكن عادية. طفل صغير يظهر فى عام 1966 داخل فيلم يتناول سيرة «سيد درويش»، مجسدًا شخصية «فنان الشعب» فى صباه. فنحن لا نتحدث عن مجرد دور تمثيلى عابر، بل عن دخول مبكر إلى عالم الفن من بوابة محمّلة بالرمزية. لأن «سيد درويش»، فى الوعى الجمعى،  ليس مجرد ملحن كبير، بل هو مشروع ثورى متكامل، أعاد تعريف وظيفة الفن، وكسر أنماطه التقليدية، وربطه بالشارع، بالناس، بالسياسة، وبالحياة اليومية.

ثورية «سيد درويش» لم تكن فقط فى ارتباطه بثورة 1919، بل فى كونه حاول، بوعى كامل، أن يغيّر شكل الأغنية، وأن ينقلها من حالة الترف إلى حالة الفعل، ومن الخيال إلى أرض الواقع. ومن هنا، تبدو المفارقة أكثر حدة حين نقارن هذا المدخل الثورى،  بما انتهى إليه مشروع «هانى شاكر»، الذى لم يسعَ، فى أى مرحلة من مراحله، إلى لعب دور «المُجدِّد الصادم» أو «المُغيِّر الجذرى»، بل اختار، بوعى لا يقل عمقًا، أن يكون امتدادًا للماضى،  ولا يتقاطع معه.

وهنا يصبح السؤال أكثر دقة: هل المحافظة موقف سلبي؟ أم أنها، فى بعض الأحيان، خيار واعٍ، يهدف إلى حماية شكل فنى من الذوبان؟

حين نصف «هانى شاكر» بأنه صاحب «هوية غنائية محافظة»، فنحن لا نصف عجزًا عن التجديد، بقدر ما نشير إلى انحياز جمالى وأخلاقى. انحياز إلى فكرة «الاستقرار» فى الفن، فى مقابل «المغامرة». وهو انحياز يحتاج -بصورة متناقضة-، إلى شجاعة من نوع آخر: شجاعة أن تظل كما أنت، فى زمن يضغط عليك كى تتغير.

الناقد الكبير «محمود عبد الشكور»، فى رثائه للفنان الراحل، وصفه عبر صفحته بموقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك»، بأنه «أنبغ» تلاميذ مدرسة «عبد الحليم حافظ». هذا الوصف، فى ظاهره، يبدو امتداحًا مباشرًا، لكنه، فى جوهره، يفتح بابًا لفهم طبيعة المشروع.

 

لأن مدرسة «عبدالحليم حافظ» لم تكن مجرد أسلوب أداء، بل كانت منظومة متكاملة: دراما فى الصوت، اختيار دقيق للكلمة، ارتباط وثيق بالمزاج العام، ووعى حاد بصورة الفنان القريب من جميع أطياف المجتمع فى الوعى الجماهيرى العام.

«هانى شاكر» لم يقلّد هذه المدرسة تقليدًا سطحيًا، بل استوعبها، ثم أعاد إنتاجها بما يناسب زمنه. والدليل على ذلك تعاونه المبكر مع الملحن الكبير «محمد الموجى»، أحد أعمدة مشروع العندليب. 

كان ألبوم (حلوة يا دنيا) وهو البداية بمثابة إعلان عن انتماء فنى واضح للمدرسة نفسها. عامان من التحضير والتدريب على أداء الأغانى،  كما صرّح هو بنفسه فى لقاء سابق مع الإعلامية «منى الشاذلى»، تكشف عن شخصية لا تؤمن بالصدفة، بل بالعمل الدؤوب والانضباط الصارم.

ولأن الفن، فى جزء منه، صناعة للنجوم، فقد كان من الطبيعى أن تشتعل المقارنات بين «عبد الحليم حافظ» و»هانى شاكر». تصريح العندليب الشهير، بأن الأخير «صوت كويس، لكنه لن يتجاوز مستوى معين»، ظل معلقًا فى الهواء، قابلاً للتأويل. 

فهل كان تحذيرًا؟ أم قراءة دقيقة؟ أم حتى غيرة فنية مشروعة؟ 

ولا أحد يملك الإجابة القاطعة، لكن المؤكد أن هذا التصريح يكشف عن وعى مبكر بوجود «مشروع بديل» قيد التشكل، خاصة أن «هانى» ظهر فى البداية ككورال خلف العندليب، وأن تعاونه مع «الموجى» كما تقول الكثير من المصادر جاء فى وقت خلافه مع «عبدالحليم».

ثم تأتى لحظة 1977، التى يمكن اعتبارها لحظة مفصلية فى تاريخ الأغنية العربية: رحيل «عبد الحليم حافظ». فجأة، يجد الجمهور نفسه بلا صوته الأثير، وتجد الصناعة نفسها أمام فراغ هائل. فى التوقيت نفسه تقريبًا، يظهر «محمد منير»، بمشروع مختلف جذريًا: موسيقى قائمة على الهارمونى،  فرقة موسيقية أصغر، نصوص شعرية تتجاوز الرومانسية التقليدية إلى أبعاد سياسية واجتماعية وفلسفية.

ويكون بذلك «محمد منير» هو صاحب المشروع الثورى الجديد، اما المشروع المحافظ الامتدادى لما كان عليه سابقًا يمثله «هانى شاكر». 

النقد، بطبيعته، ينجذب إلى الجديد، إلى المختلف، إلى ما يثير الجدل، ولذلك انشغل كثيرون بتجربة «منير». لكن، فى الظل، كان «هانى شاكر» يرسّخ حضوره بهدوء، دون ضجيج، مستندًا إلى قاعدة جماهيرية تبحث عن استمرارية ما كان موجودًا قبل ذلك.

والحقيقة التى يجب الاعتراف بها، دون مواربة، أن ملء فراغ «عبدالحليم حافظ» لم يكن ممكنًا لأى فنان بسهولة. لكن «هانى شاكر» كان، ربما، الأكثر استعدادًا لهذه اللحظة. ليس فقط بسبب صوته، بل بسبب تكوينه: دراسة أكاديمية فى كلية التربية الموسيقية، إتقان العزف على البيانو، خبرة مبكرة فى الوقوف أمام الكاميرا فى فيلم (سيد درويش)، مشاركة فى الكورال خلف العندليب نفسه، حضور مسرحى أمام «نيللى» فى (سندريلا والمداح)، ووعى تدريجى بكيفية بناء الذات الفنية.

والمؤكد أنه لم يظهر فجأة، بل تدرج. ولم يقفز، بل صعد درجة درجة. وهذه نقطة جوهرية فى فهم استمراريته.

الأكثر ذكاءً فى مسيرته، أنه لم يترك مسألة «الوراثة» للصدفة. أداؤه المستمر لأغانى «عبد الحليم حافظ» فى حفلاته لم يكن مجرد تحية، بل كان فعلًا واعيًا لتكريس هذا الامتداد. بل إنه ذهب أبعد من ذلك، حين جُمعت بعض هذه الأغانى فى ألبومات، فى محاولة لإعادة تقديم التراث بصوته، وترسيخ صورته كحلقة وصل بين جيلين.

لكن، هل كان ذلك كافيًا ليصنع فنانًا يستمر لما يقرب من ستة عقود؟

الإجابة تكمن فى عنصر آخر: «الانضباط». «هانى شاكر» كان، طوال مسيرته، نموذجًا شبه مثالى لفكرة الفنان المنضبط. اختياراته محسوبة ولا تصطدم مع أحد، ولقاءاته الإعلامية دائما ما تتميز بالبهجة والبشاشة وخفة الظل، ولغته مهذبة، وموضوعاته لا تصطدم بالقيم العامة. هذا النوع من الفنانين لا يصنع «تريند»، لكنه يصنع «ثقة». والثقة، فى الفن، عملة نادرة.

ولهذا، استطاع أن يدخل كل البيوت دون استئذان. لا توجد أسرة تخشى من تشغيل أغانيه. لا يوجد أب أو أم يقلقان من كلمة خارجة، أو فكرة صادمة داخل أعماله الصوتية أو حتى المصورة. فهو، وبكل بساطة، «آمن».

فى المقابل، قد يرى البعض أن هذا «الأمان» جاء على حساب المغامرة. أنه لم يخاطر بما يكفى،  ولم يذهب بعيدًا فى التجريب. لكن هذا الحكم، فى حد ذاته، يحتاج إلى مراجعة. لأن اختيار «عدم المغامرة» فى زمن يقدّس المغامرة، هو، فى حد ذاته، موقف.

وعلى مستوى الأداء، لا يمكن إنكار قدرته اللافتة على التعبير الدرامى،  خاصة فى الأغانى الحزينة. أغنيات مثل (غلطة، تخسرى،  متهدديش بالانسحاب، نسيانك صعب أكيد)، تكشف عن صوت يعرف كيف «يحكى»، لا كيف «يغنى» فقط. وفى المقابل، قدّم أغانٍ مبهجة مثل (على الضحكاية)، دون أن يفقد هويته، أو يقع فى فخ الابتذال.

هذا التوازن بين الحزن والبهجة، بين الدراما والخفة، لم يكن عشوائيًا، بل كان نتاج  فهم عميق لحدود صوته، وطبيعة جمهوره، وما ينتظره منه.

وإذا انتقلنا إلى البعد الإنسانى،  سنجد أن «هانى شاكر» امتلك ما هو أبعد من الصوت: امتلك «القبول». بشاشة، خفة ظل، حضور هادئ، قدرة على كسب التعاطف دون استجدائه. وهى صفات لا تُدرَّس، لكنها تصنع فارقًا هائلًا فى علاقة الفنان بجمهوره.

حتى مواقفه الصارمة، مثل موقفه من أغانى المهرجانات أثناء توليه نقابة الموسيقيين، لم تكن منفصلة عن هذا السياق. هو لم يكن يحارب نوعًا غنائيًا فقط، بل كان يدافع عن تصور كامل لما يجب أن تكون عليه الأغنية وفق رؤيته هو ورؤية الزمن الذى جاء منه.

ومن المؤكد قد نختلف معه، لكن لا يمكن إنكار اتساقه مع نفسه.

ويبلغ هذا الاتساق ذروته فى لحظاته الشخصية الأكثر ألمًا. حديثه عن ابنته «دينا»، التى رحلت بعد صراع مع المرض، كان كفيلًا بأن يكشف عن إنسان صادق، لا يختبئ خلف صورته كنجم. ومع هذه الحادثة تتغير نظرتنا له كـ«فنان»، وتظهر صورته كـ«أب». ويتحول التعاطف إلى ارتباط إنسانى.

ولهذا، لم يكن غريبًا أن يشعر كثيرون، عند ذكر اسمه، أنه «واحد من العائلة». ليس مجرد «مغنى»،  بل عم أو خال، يمثل نموذجًا محافظًا، يحاول أن يذكّرنا دائمًا بما يجب أن يبقى.

ربما لم يكن «هانى شاكر» ثوريًا، ولم يسعَ إلى تغيير شكل الأغنية، لكنه، فى المقابل، حافظ على شكلٍ كان مهددًا بالاختفاء. وفى زمن تتسارع فيه التحولات، قد يكون الحفاظ، أحيانًا، أصعب من التغيير.

رحل «أمير الغناء المحافظ»، لكن المؤكد أن أغانيه ستظل خالدة، والأهم أنه بغير قصد استطاع أن يصيغ تعريفًا غنائيا جديدًا بأعماله: وأن الغناء ربما ليس بالضرورة أن يكون صادمًا، بل يمكن أن يكون رسالة طمأنينة.

رحم الله «هانى شاكر»، الذى ترك لنا صوته كوثيقة سمعية لزمنٍ اختار أن يستمر، لا أن ينقلب على نفسه.