السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
حتمية إعادة بناء السردية المصرية (1)

كلام فى السياسة

حتمية إعادة بناء السردية المصرية (1)

ليست كل المعارك تُخاض بالسلاح.. ولا كل الانتصارات تُقاس بمساحات الأرض.. هناك معارك أعمق.. تدور فى الوعى وتُحسم فى العقول قبل الميادين.. وفى قلب هذه المعارك تقف «السردية» الإعلامية تلك القصة الكبرى التى ترويها الدول عن نفسها وتُقنع بها العالم.. أو تفشل.



وهو ما سأسعى لتناوله فى هذة السلسلة من المقالات فى «مسقط راسى الصحفى مجلة روزاليوسف».

فى الحالة المصرية اليوم لا تكمن الأزمة فقط فى غياب سردية متماسكة.. بل فى ما هو أخطر وهو فوضى الفهم للدور المصرى..داخليًا وخارجيًا على حد سواء.. فهناك من يراه دورًا تقليديًا لم يعد قائمًا وهناك من يختزله فى ردود أفعال آنية وهناك من يحمّله ما لا يحتمل من توقعات. وبين هذا وذاك تضيع الحقيقة حول الدور المصرى القائم بالفعل إقليميا ودوليا.

لأن مصر عبر تاريخها الطويل لم تكن يومًا مجرد دولة تؤدى دورًا بل كانت فى كثير من الأحيان هى التى تكتب مسار الفهم للأحداث وكان هذا المسار قابلا للتصدير من خلال نخب حقيقية.. لكنها اليوم تواجه تحديًا مختلفًا.. ليس فقط فى ممارسة الدور.. بل فى تعريفه وضبط حدوده وإقناع الآخرين به وإن لم يقتنعوا على الأقل لا يساء فهمه أو تفسيره وهذا أضعف الإيمان.

ومن هنا تأتى حتمية إعادة بناء السردية المصرية.. لأن السؤال لم يعد: ماذا تقول مصر؟ بل: لماذا يُساء فهم ما تقول؟ وكيف يمكن تقليص المسافة بين الفعل المصرى وتفسيره؟ فالفجوة بين الأداء والإدراك إن اتسعت تتحول إلى عبء استراتيجى، مهما بلغت قوة الدولة.

السردية المصرية من هذا المفهوم عليها أن تنطلق من إدراك واضح وهو أن فوضى الفهم ليست صدفه.. بل نتيجة لغياب خطاب متماسك ترك المجال مفتوحًا لتأويلات الآخرين. وأن العالم لا ينتظر.. فإن أى فراغ سردى يُملأ فورًا بروايات بديلة قد لا تعكس الواقع.. لكنها تؤثر فيه.

هذه السلسلة من المقالات لا تهدف إلى التنظير بقدر ما تسعى إلى تفكيك هذه الفوضى وإعادة تركيب صورة أكثر اتساقًا للدور المصرى.

كيف ترى مصر نفسها؟

كيف تريد أن يراها الآخرون؟

وأين يحدث الخلل بين الاثنين؟

فى هذه السطور نضع الإطار العام.. السردية ليست رفاهية فكرية.. بل أداة قوة.. وفوضى الفهم ليست مجرد سوء تقدير.. بل خطر استراتيجى.

إعادة بناء السردية المصرية كما أفهمها فى هذه اللحظة الإقليمية والدولية تعنى إنهاء حالة الالتباس بقوة، أن تتحول مصر من موضوع لتفسيرات متضاربة.. إلى مرجعية واضحة فى تعريف دورها وحدوده. ومن ساحة يُختلف عليها بفعل المؤثرات الإعلامية لجماعة الإخوان الإرهابية إلى طرف يُجمع على فهمه.. حتى إن اختلفت معه.

فى المقالات القادمة.. سنفكك عناصر هذه السردية.. من تعريف الذات إلى تحديد المصالح إلى إدارة الصورة مرورًا بلغة الخطاب وأدوات التأثير.

لأن مصر ببساطة لا ينقصها الدور.. لكنها تحتاج إلى سردية متماسكة تنهى الفوضى من حوله.