من مدن الجيل الرابع إلى استصلاح الأراضى.. كيف تحولت استراتيجية الرئيس السيسي من البناء إلى صناعة حياة أفضل للمواطنين
المشروعات القومية المحــــرك الرئيس الـــــــذى أعـــــــــــاد رسم خريطة التوظيف فى مصر
أحمد عبدالعظيم
لم تعد قضية البطالة فى مصر تُطرح بالحدة ذاتها التى كانت عليها قبل عقد من الزمن. فمع التحولات الاقتصادية الكبرى التى شهدتها البلاد، تغيّرت ملامح سوق العمل بشكل واضح، وبرزت المشروعات القومية -خاصة منذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسي المسؤولية- كأحد أهم الأدوات التى استخدمتها الدولة لإعادة التوازن بين النمو الاقتصادى وتوفير فرص العمل.
لم يكن الهدف من هذه المشروعات مجرد إنشاء طرق أو مدن جديدة أو استصلاح أراضٍ، بل امتد ليشمل خلق فرص حقيقية لحياة أفضل، وهو ما بدأت نتائجه تنعكس بوضوح فى المؤشرات الرسمية.
أرقام تعكس التحول
فى قلب هذه التحولات، تقف أرقام لافتة تؤكد حجم ما تحقق على الأرض، فقد تراجع معدل البطالة فى مصر إلى نحو 6.3 % خلال عام 2025، مقارنة بـ 6.6 % فى عام 2024، و13.4 % فى عام 2013، وهو ما يعكس انتقال الاقتصاد المصرى من حالة الركود النسبى إلى مرحلة أكثر ديناميكية وقدرة على توليد فرص العمل.
وخلال اجتماع لمجلس الوزراء، استعرض الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، مؤشرات سوق العمل، مؤكدًا أن هذا التحسن جاء مدفوعًا بإصلاحات اقتصادية فعالة وتوسع كبير فى المشروعات القومية.
ولم يقتصر التحسن على المعدل العام فقط، بل امتد إلى الفئات الأكثر تأثرًا بالبطالة، حيث انخفض معدل البطالة بين الشباب (15-29 عامًا) إلى 13.2 % فى 2025 مقابل 14.9 % فى 2024. كما تراجع المعدل بين الشباب من حملة المؤهلات المتوسطة أو العليا إلى 16.8 % مقارنة بـ 18.7 %.
تحسن شامل فى سوق العمل
أما على مستوى النوع الاجتماعى، فقد سجلت البطالة بين الذكور 3.7 % فى 2025 مقابل 4.2 % فى 2024، بينما انخفضت بين الإناث إلى 15.3 % مقارنة بـ 17.1 %، وهو أدنى مستوى لها منذ عام 2021.
وفى نفس الوقت، شهدت قوة العمل نموًا ملحوظًا، حيث ارتفعت إلى 34.15 مليون فرد فى 2025، مقارنة بـ 32.04 مليون فى 2024، بنسبة زيادة بلغت 6.6 %. كما ارتفع عدد المشتغلين إلى نحو 32 مليون فرد مقابل 29.9 مليون فى العام السابق، بنمو 7 %.
هذه المؤشرات تعكس قدرة الاقتصاد المصرى على استيعاب الزيادة فى الداخلين إلى سوق العمل، بالتوازى مع خلق فرص تشغيل جديدة، رغم التحديات الاقتصادية العالمية.
فلسفة التشغيل
حين أطلقت الدولة حزمة المشروعات القومية، لم يكن الهدف مؤقتًا أو مرحليًا، بل استهدف إعادة تشكيل بنية الاقتصاد نفسه. فهذه المشروعات، بحجمها وانتشارها الجغرافى، خلقت طلبًا واسعًا على العمالة فى قطاعات متعددة، من التشييد والبناء إلى الصناعة والزراعة والخدمات.
الأهم أن هذه المشروعات لم تقتصر على توفير فرص عمل مؤقتة، بل أسست قواعد إنتاجية مستدامة قادرة على الاستمرار فى خلق الوظائف بعد انتهاء مراحل التنفيذ.
ديناميكية سوق العمل
تكشف البيانات أيضًا عن مرونة متزايدة فى سوق العمل المصرى، حيث أصبح أكثر قدرة على إعادة توزيع العمالة بين القطاعات. فقد شهدت قطاعات مثل الزراعة، والنقل والتخزين، والصناعات التحويلية انتقال أعداد كبيرة من العمالة إليها، ما يعكس تنوعًا فى مصادر التشغيل.
ويظهر هذا التنوع فى التوزيع النسبى للمشتغلين، حيث تستحوذ الزراعة على 19.7 %، تليها التجارة 15.1 %، ثم التشييد والبناء 13.2 %، والصناعات التحويلية 12.6 %، والنقل والتخزين 9.3 %.
الأرض تتحول إلى فرص عمل
وراء هذه المؤشرات تقف مشروعات قومية عملاقة لعبت دورًا مباشرًا فى دعم التشغيل، مثل مشروع الدلتا الجديدة، ومشروع توشكى، وتنمية سيناء، والتى ساهمت فى خلق مجتمعات عمرانية جديدة وتوفير فرص عمل فى مناطق كانت تعانى ضعف النشاط الاقتصادى.
وفى قطاع الثروة السمكية، أسهمت مشروعات الاستزراع السمكى فى توفير آلاف الوظائف، إلى جانب تعزيز الأمن الغذائى. كما دعم المشروع القومى للبتلو عشرات الآلاف من صغار المربين، وساهم فى تحسين دخولهم.
أما قطاع الدواجن، فقد وفر نحو 3 ملايين فرصة عمل باستثمارات تقدر بـ 100 مليار جنيه، ما يعكس دوره الحيوى فى الاقتصاد. التشييد والصناعة فى الصدارة
كان قطاع التشييد والبناء من أكبر المستفيدين، خاصة مع تنفيذ أكثر من مليون وحدة سكنية، وهو ما خلق طلبًا واسعًا على الصناعات المرتبطة مثل الأسمنت والحديد.
وفى المجال الصناعى، برزت مناطق مثل مدينة الجلود بالروبيكى كنماذج للتكامل الصناعى، حيث ساهمت فى توفير عشرات الآلاف من فرص العمل وتعزيز الصادرات.
ما وراء الأرقام
لا يتوقف تأثير المشروعات القومية عند حدود التشغيل، بل يمتد إلى تحسين جودة الحياة، من خلال تطوير البنية التحتية، وتقليل الفجوة بين المحافظات، وتوجيه الاستثمارات إلى المناطق الأكثر احتياجًا.
كما لعبت منظومة التدريب المهنى دورًا مهمًا فى رفع كفاءة العمالة، بما يضمن توافقها مع احتياجات سوق العمل، وهو ما انعكس على زيادة الإنتاجية والتنافسية.
آفاق أوسع للمستقبل
مع استمرار التوسع فى المشروعات القومية، إلى جانب التوجه نحو الاقتصاد الأخضر والتحول الرقمى، تبدو آفاق سوق العمل فى مصر أكثر اتساعًا، وتؤكد المؤشرات أن الاقتصاد المصرى أصبح أكثر قدرة على توليد فرص العمل بالتوازى مع نمو قوة العمل، وهو ما يعزز من استدامة التحسن فى معدلات البطالة.
فى النهاية، تقدم التجربة المصرية نموذجًا واضحًا لكيفية توظيف المشروعات القومية كأداة فعالة لمواجهة البطالة، حيث تحولت التنمية من مجرد أرقام إلى فرص حقيقية للعمل، ومصدر أمل لملايين المواطنين، فى مسيرة مستمرة نحو اقتصاد أكثر استقرارًا ونموًا.







