روز اليوسف تواصل التحذير من مافيا السناتر
ميزانية الدروس الخصوصية أكبر من ميزانية التربية والتعليم؟
د.محمد فتحى
عصا موسى التى لا يستخدمها وزير التعليم فى مواجهة «أباطرة السناتر»
بعد الحديث عن بيزنس السناتر، واستضافة مدرس اللغة العربية الشهير محمد صلاح لدعاة سلفيين ومطرب تائب فى مراجعة ليلة الامتحان فى الثانوية العامة، والتحذير من الأفكار التي يمكن ترويجها من خلالهم، تواصل معى العديد من أولياء الأمور ما بين مؤيد وخائف ومعارض.
اتفق المؤيدون على الخوف، لكنهم سألوا عن البديل طالما «الرجل شاطر»، والصراع يتركز بينه وبين «جدو رضا» وهو أحد أباطرة السناتر فى اللغة العربية، وتكاد ثنائية صلاح ورضا الفاروق تكون أشبه بثنائية ميسى ورونالدو حول من الأفضل فى اللغة العربية.
أما الخائفون، فيقولون إن السناتر وفرت لنا دروسًا بسعر أقل فى ظل عدم ذهاب أبنائهم للمدرسة من الأساس، والخوف من أن تكون هذه الحملة تمهيدًا لإغلاق السناتر.
فى حين قال المعارضون: مالك أنت ومال هذا المدرس الناجح، ولماذا لا يوجد مثله فى المدارس؟ وما المشكلة فى أن يعرف الشباب دينهم؟ ولماذا لم تكتب عن مدرس السناتر الذي دخل بالبودي جاردات لحصة ليلة الامتحان، وبالسيارات المرسيدس، أو عن مدرسين آخرين استضافوا مطربي مهرجانات فى ليلة الامتحان؟ أم أنك تحارب الدين فقط وتروج للمهرجانات؟
والحقيقة أن هذا التفاعل فى حد ذاته دليل قوى على خطورة اجتماعية حقيقية للسناتر، كما أنه يفتح الباب على مصراعيه لكي نفهم هذه الظاهرة المرعبة، مع التأكيد على عدم شخصنة الموضوع، فالأمر ليس محمد صلاح السلفي الذى يظهر حافًا لشاربه مطلقًا للحيته ممسكًا بالآيفون الأحدث مبتسمًا ابتسامة هوليوود فى صورة تحمل من الدلالات التجارية للعلامة الشخصية أكثر مما تحمل جذبًا للعلم.
أصحاب ولا بيزنس؟
فى العام الماضي ظهرت إحصائية مرعبة فى الصحافة تقدّر ميزانية الدروس الخصوصية فى البيوت المصرية بحوالي 247 مليار جنيه مصرى. بحثت عن أصل المعلومة فوجدته رقمًا منسوبًا لتسريب من بحث الدخل والإنفاق الذي يجريه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ولأننا نعتمد الأرقام الرسمية وليس التسريبات فقد عدنا إلى الرقم الأكيد وهو 136 مليار جنيه ينفقها المصريون سنويًا على الدروس الخصوصية وفق بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك للعام 2019/2020، وبحساب بسيط ومنطقي لنسب الزيادة والتضخم وعدد الطلاب نجد أن الزيادة من 2020 وحتى يومنا هذا ستزيد حتمًا عن ال 247 مليارًا التي لم يوثقها أحد، وهو رقم أكبر من ميزانية وزارة التربية والتعليم نفسها، والبالغ ميزانيتها فى 2024- 2025 حوالي 224 مليار جنيه. هل شعرتم بعمق المشكلة؟
عصا موسى
بعد تولي الوزير محمد عبد اللطيف مسئولية وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، حل الرجل بعض مشكلات الماضي المستمر بتفكير خارج الصندوق، وبغض النظر عن صراعات أولياء الأمور مع كل من سيتولى هذا المنصب، فالواقع يقول إن عبداللطيف أعاد الطلاب للمدارس (حتى وإن كان عبر تقييمات واختبارات فقد عادوا)، وعصا موسى التي يمسكها فى يده ولا ندرى لماذا لم يستخدمها حتى الآن، هي أنه – ولأول مرة – جعل وزارة التربية والتعليم صاحبة الملكية الفكرية للمناهج والمقررات التعليمية، وهو ما يعني بوضوح، أن بيزنس السناتر عبر المنصات، وعبر وسائل وشبكات التواصل الاجتماعي، يمكن أن ينتهي فى لحظة ببلاغات انتهاك لحقوق الملكية الفكرية للوزارة، كما يصبح بيزنس السناتر ومحمد صلاح وشركاه، مطالبًا بتسديد قيمة ما يستغلونه من هذه المناهج لوزارة التربية والتعليم.
هل الأمر بهذه البساطة؟ نظريًا: نعم. وعمليًا: بالطبع لا.
فالوزارة التى ستلغي المنصات لم تقدم البديل بعد، ولم تجذب طلاب الثانوية العامة للمدارس، ولم تنظم لهم نسب حضور حقيقية كشرط لدخول الامتحانات، أو تلزمهم بتقييمات واختبارات، حتى لتبدو المدارس غير مهيئة بالمرة، لكن هل سيستمر الأمر العام المقبل الذى سيشهد تطبيق البكالوريا المصرية لأول مرة؟ أم أن هناك مفاجآت يحضرها وزير التعليم لأباطرة السناتر؟
النقطة الأخرى المهمة هى عصا موسى أخرى تمتلكها وزارة التعليم ولا تدعمها، وهى قنوات مدرستنا، وعلى الرغم من قوة هذه القنوات، وبثها عبر النايل سات والإرسال الأرضى لإحداث عدالة تعليمية، وعلى الرغم من قوة المحتوى المقدم بها، إلا أن الوزارة تغض الطرف عن أهميتها، وبدلًا من استغلالها فى عمل تفاعل بينها وبين المدرسة، أو ترويجها فى المدارس كبديل مجاني آمن وخاضع لرقابة الدولة وإشراف الوزارة، وخدمة توفرها الدولة، إلا أن القنوات الثلاثة بلا أي دعاية، وبلا دعم إعلاني حقيقى.
لماذا يحبون السنتر؟
تنشأ بين الطلاب والسنتر علاقة مختلفة، خصوصًا فى الثانوية العامة، فالدرس يتحول إلى «شو»، والسنتر إلى «date» أو موعد يقابل فيه الطلاب بعضهم البعض، كما أن المدرس نفسه بالنسبة لهم «نجم»، وهو بالنسبة لهم يلعب دور «نوستراداموس»، أو ذلك الرجل الذي يتنبأ بالامتحان، والذى يأتى بأسئلة وامتحانات لا يخرج الامتحان منها، ومع غياب المدرسة فى الثانوية العامة، نعود لنفس السؤال: لماذا يحب الطلاب السناتر؟
ببساطة، لأن المدرسة أصبحت بيئة غير جاذبة، ومليئة بتعقيدات تعطل أكثر مما تدفع للأمام. أغلب المدرسين غير مؤهلين، ووقت الحصة بسيط، وطالب الثانوية العامة يكره المدرسة عن مجمل أعمالها فى السنوات السابقة ولا يثق فيها. وهنا يبدو (السيستم) القوى فى السناتر مذهلًا مع تطويره على أيدى عدد من تايكونات هذه السناتر.
دولة الأكواد ورعب المنصات
محمد صلاح ليس وحده، وأغلب «تايكونات» السناتر وأباطرتها يستخدمون «منصات خاصة» بعيدًا عن رقابة الدولة، وتدفع الاشتراكات بها عبر محافظ إلكترونية، وتوزع أكواد لفتح فيديوهاتها، ولا أحد يدرك طبيعة ما يقدم عليها، ولا خطورة أن تكون هذه المنصات بلا ضوابط، ومع حالة الهشاشة النفسية لطالب الثانوية العامة، يصبح صاحب المنصة هو طوق النجاة، ونذهب وقتها إلى احتمالات مرعبة.
الحل على طريقة خالد عبد العزيز
إذا كان وزير التعليم لديه عصا موسى، فالمهندس خالد عبد العزيز رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لديه قانون واضح يساعده ويساعد الدولة لو أراد استخدامه، ففى المادة السادسة نص صريح يقول: «لا يجوز تأسيس أو إدارة مواقع إلكترونية فى مصر أو إدارة مكاتب/ فروع لمواقع تعمل من الخارج، إلا بعد الحصول على ترخيص من المجلس، وللمجلس عند المخالفة اتخاذ إجراءات منها وقف النشاط أو الحجب عند عدم وجود ترخيص سارٍ»، والسؤال هنا: هل حصلت المنصات الخاصة بأباطرة السناتر على هذا الترخيص؟ ومتى سيلتفت المجلس لخطورة هذه المنصات التي تحتاج تقنينًا ورقابة؟
لماذا نجح مدرسو السناتر؟
الإجابة بوضوح وبإنصاف: بسبب شطارتهم.لكن أي شطارة؟
هو شاطر فى مادته التى لا وجود لموجه عليه فيها. شاطر فى طريقة شرحه المتحررة من ضغط وقت الحصة. شاطر فى طرح عدد كبيييير ضخم من نماذج الامتحانات والأسئلة وتدريب الطلاب عليها، وبالتالي، مدرسو السناتر يقدمون للطلاب ما لا يتسع الوقت فى المدرسة لتقديمه من شرح وامتحانات وتدريبات، والأهم، متابعات.
سينسب النجاح للسناتر فى النهاية، وينسب الفشل للامتحان الصعب والوزارة التى «استقصدت عيالنا» ويسب ويشتم واضعى الامتحان، وليس مدرس السنتر!!
وأولياء الأمور هنا فى حالة عجيبة جدًا، فقد كانوا يشتكون من كثافات الفصول لكن ليس لديهم مانع فى أن يحضر أبناؤهم فى السناتر بالمئات فى قاعة واحدة، أو بالآلاف فى الاستاد فى مراجعة ليلة الامتحان. والطلاب يشتكون من الوقت المضغوط، لكنهم فى السناتر يرحبون بمحاضرات قد تمتد لست ساعات كاملة!
تقدم لهم وزارة التربية والتعليم دروسًا مجانية أون لاين، لكنهم يختاروا الدفع فى دروس نجوم السناتر.
هل قرر أحد التفكير فى الأسباب ودراستها .. تخيلوا إن لأ !!
وأظن أن الوقت قد حان
ولهذا ستظل للقصة فصول أخرى







