السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
الموت تجارة وشطارة وسوق سوداء!‏

الموت تجارة وشطارة وسوق سوداء!‏

يقول المثل الشعبى: إكرام الميت دفنه.‏ ولا أظن أن قائل هذا المثل أو ناقليه تصوروا ولو من باب سوء الظن أو الهلوسة أو ‏الوساوس القهرية أن الموت يمكن أن يتحول إلى تجارة وشطارة وسوق سوداء!‏



فعلاً كان من المستحيل أن يتصور المصريون أزمة مدافن فى وطن أكثر من ثلاثة ‏أرباع مساحته صحراء فارغة، هل يعقل ذلك؟ ‏

 

نعم يُعقل، فالعجائب مثل جراب الحاوى يمكن أن يختبئ فيها ديناصور يبخ نارًا ‏حارقة، أو يطلع منه عفريت له قلب عصفور، فلماذا لا يحدث نقص فى المقابر ‏يستدعى تدخل البرلمان ويفتح له ملفًا عاجلاً؟

والحكاية أن النائب محمد سامى شهدة عضو مجلس النواب عن دائرة منيا القمح، ‏محافظة الشرقية، دخل إلى قاعة البرلمان رافعًا «إشارة حمراء»، على هيئة اقتراح ‏برغبة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيرة التنمية المحلية، فى قضية شديدة ‏الخطورة وحسب وصفه لها «أزمة إنسانية متصاعدة فى منظومة الدفن»!‏

وقال فى الاقتراح: إن الأزمة تتجاوز دائرته الانتخابية إلى العديد من مراكز ‏الجمهورية، وأظن وصفه لم يكن دقيقًا، فالأزمة ليست فى العديد من المراكز، بل ‏تقريبًا فى كل المراكز بدرجات متفاوتة، وإن ضرب النائب شهدة بدائرته الانتخابية، ‏مركز منيا القمح نموذجًا يجسد حجم الأزمة ومدى تأثيرها على الناس!‏

ولا أعرف هل النائب محمد سامى شهدة وهو يقدم اقتراحه يعلم أن خناقات عائلية فى ‏الأرياف واشتباكات وخلافات لا أول لها ولا آخر وصلت إلى حد القطيعة بسبب ‏إرث المقابر، وبعضها خرج من حدود العائلة إلى أقسام البوليس، وبعضها ‏وصل إلى المحاكم، خاصة فى العائلات التى تفرقت فروعها بين المدن المصرية ‏الكبيرة كالقاهرة والإسكندرية والجيزة، وتفككت علاقات أجيالها الجديدة إلى حد ما ‏بجذورهم الريفية، وإن كان الكبار فيهم مازال يشدهم الحنين إلى قراهم، ويتمسكون ‏بالعودة إلى مدافن العائلة فى نهاية الرحلة.‏

لكن مقابر القرى ضاقت بموتاها، خاصة بعد وقف تراخيص بناء المقابر منذ أكتوبر ‏‏2024، وغياب رؤية طويلة المدى، فى ظل تزايد الكثافة السكانية وارتفاع الطلب ‏على الأراضى المخصصة للدفن.

هل سمع النائب عن عربات دفن موتى تعود من الطريق أو تغير مسارها إلى مدافن ‏الصدقة، أو إلى مقابر مشاع مقابل معلوم على «قد إيد» أهل الميت، خاصة من فقراء ‏المصريين الذين تقطعت علاقاتهم بالجذور لأسباب متعددة.‏

مثلاً رحل من المصريين فى العام الماضى ما يقرب من 645000 مواطن، وفى ‏العام الذى قبله 611000، وهى أرقام تشى بمدى الحاجة الملحة إلى مقابر!‏

لكن..هل يجوز أن تحدث أزمة مقابر فى بلد صحاريها ممتدة شرقًا وغربًا بامتداد ‏النهر من أقصى الجنوب إلى البحر المتوسط شمالاً؟ المهم بعد أن قرأت أخبار الاقتراح برغبة المقدم إلى الحكومة، اختصرت المسافة ‏إلى عالم المدافن وإعلاناتها، ما هذا؟، ولماذا؟، وكيف؟، صحيح أن المصريين لهم ‏تاريخ خاص مع العالم الآخر منذ قديم الزمان، وبنوا أضخم مقابر عرفتها البشرية، ‏ولم يغيروا عادات الموت والتعامل معه حزنًا ودفنًا إلا هامشيًا، بالرغم من أنهم ‏غيروا دياناتهم القديمة إلى المسيحية وإلى الإسلام، فهم يدفنون موتاهم فى غرف، ‏يُفصل فيها الرجال عن النساء، انتظار للبعث والحساب، هى أضرحة لها أبواب ‏حديدية مرتفعة عن سطح الأرض عليها أقفال ضخمة، نعم هى ثقافة خاصة لكن ‏ليس إلى الدرجة التى وردت فى بعض الإعلانات!‏

إعلانات المقابر تنافس إعلانات الشقق والسيارات الفاخرة والأجهزة الكهربائية ‏والشاليهات، وكما الحياة طبقات، الموت أيضًا طبقات، ويبدو أن البشر لا يؤمنون ‏بالمساواة لا فى الدنيا، ولا فى رحلة العبور من الدنيا إلى العالم الآخر، فالإعلان ‏يقول: إذا كنت تبحث عن مقابر ومدافن كاملة التشطيب، ذات تصميمات عالية، ‏وتتمتع بالخصوصية، ومحاطة بأسوار عالية وبوابة حديدية (ملحوظة:حماية للجثث ‏من السرقة)، المقابر تابعة للمحافظة أو جهاز المدينة، فأنت فى المكان الصحيح، ‏والذى لا يعرفه الكثيرون أن الشركة لديها علاقات قوية فى مصلحة الشهر ‏العقارى، مما يجعلك تنهى إجراءات البيع والشراء سريعًا، دون أن تنتظر وقتًا ‏طويلاً، مثلما يحدث داخل هذا النوع من المصالح الحكومية، والأجمل أنك ستكون ‏المالك الوحيد لمقبرة فى أفضل أماكن الجمهورية، مما يجعل استثمارك بكل سهولة، ‏والأسعار من 300 ألف جنيه إلى ثلاثة ملايين جنيه، والسعر الأخير لمقبرة 80 ‏مترًا مكونة من ست غرف كبيرة واستراحتين داخليتين ودكك خرسانية للجلوس ‏وواجهة من الحجر الجبلى على طريق الواحات.‏

إعلان مدهش، كأنه يتحدث عن شالية بالساحل الشمالى، وشقة فى كمبوند: تصميم ‏وتشطيب وتسجيل واستثمار!

إذن نحن نحن أمام تجارة رائجة للموت..

على الجانب الآخر توزع الحكومة المقابر على مواطنيها بالقرعة مثل شقق الإسكان ‏الاجتماعى وشقق الإسكان المتوسط، الأول تنشر إعلانًا، ويتقدم له المواطنون، ثم ‏قرعة بينهم، والقطعة بـ300 ألف جنيه، يعنى المتر فى حدود 15 ألف جنيه!، أى ‏أن المتر فى مقابر الموتى قد يعادل أو أغلى قليلا من متر المبانى فى الإسكان ‏الاجتماعى للأحياء، لكنه فى النهاية أرخص من السعر فى السوق الخاصة، التى ‏يمكن أن يتعرض فيها المشترى لعمليات نصب واحتيال وهى كثيرة!‏

وعمومًا أرض المدافن لا تُمَلك وإنما هى تعطى للمشترى بحق الانتفاع فقط، فالدولة ‏تصنف المدافن خدمة اجتماعية، حتى لو كان المتر بـ15 ألف جنيه فى الصحراء.‏

ويقترح النائب محمد سامى شهدة إعادة النظر فى منظومة تراخيص المقابر، وتوفير ‏أراض بديلة لكل المراكز، وإنشاء آلية حكومية لإدارة الجبانات ومنع الاحتكار ‏وضبط الأسعار، بما يضمن حل الأزمة بشكل متوازن ومستدام.‏

ويمكن أن نضيف أفكارًا جديدة إلى النائب، بأن نؤسس هيئة خاصة للمقابر، ترتب ‏نظامًا تأمينيًا لمن يريد الاشتراك من المصريين، وتخصص لها الدولة مساحات ‏فى الظهير الصحراوى للمحافظات، ومعظم محافظات مصر لها ظهير صحراوى، ‏إلا الدقهلية، وكفر الشيخ والغربية ودمياط، ويمكن التفكير فى حلول لها.‏

وعلى هذه المساحات تبنى الهيئة مقابر المشتركين فيها حسب مخططات عامة جيدة، ‏الملكية للدولة والأفراد يشتركون فقط فى الخدمة برسوم مثل التأمينات الاجتماعية ‏تمامًا، تُحصل من الموظفين من مرتباتهم خلال الخدمة، ومن الأهالى بالدفع الشهرى ‏فى مكاتب مخصصة لذلك.‏

ولا يكون الدفن إلا لسكان المحافظة، يعنى سكان القاهرة يدفنون فى مقابر مخصصة ‏لهم فى الصحراوات المحيطة بالقاهرة، وكذلك سكان الجيزة والإسكندرية والبحيرة ‏والمنوفية..إلخ، ومن يريد أن يدفن مع أهله عليه أن يعيش فى بلده أو بالقرب منها ‏ليدفن فيها.‏

المقبرة مصير نهائى للدنيا، فلماذا لا نوفر لها قيمة حضارية بعيدًا عن السوق ‏السوداء والمضاربات لمن لا يستطيع أن ينافس فى هذه السوق، ومن يريد مقبرة ‏خاصة فى مكان خاص به، هذا هو شأنه، وإنما أتحدث عن الطبقات محدودة الدخل، ‏سواء كانت من الوسطى المستورة أو الدنيا، وهم الغالبية من المصريين.‏

وإذا كان السكن حقًا إنسانيًا، فالمدفن أيضًا حق لكل مواطن سواء كان معدمًا على ‏باب الله أو مستورًا، وعلى حدود هذه التجمعات أو مدن الموتى، يمكن أن تُشيد ‏مكاتب خدمات تابعة لوزارات الصحة والداخلية والتنمية المحلية والعدل ومساجد ‏وقاعات عزاء ودور مناسبات!‏

الموت لبعض الأسر يشبه خراب الديار، بسبب توحش الأسعار فى كل الخدمات ‏المصاحبة للرحيل. فهل نحول اقتراح النائب محمد سامى شهدة إلى مشروع على ‏أرض الواقع؟