نبيل عمر
الموت تجارة وشطارة وسوق سوداء!
يقول المثل الشعبى: إكرام الميت دفنه. ولا أظن أن قائل هذا المثل أو ناقليه تصوروا ولو من باب سوء الظن أو الهلوسة أو الوساوس القهرية أن الموت يمكن أن يتحول إلى تجارة وشطارة وسوق سوداء!
فعلاً كان من المستحيل أن يتصور المصريون أزمة مدافن فى وطن أكثر من ثلاثة أرباع مساحته صحراء فارغة، هل يعقل ذلك؟
نعم يُعقل، فالعجائب مثل جراب الحاوى يمكن أن يختبئ فيها ديناصور يبخ نارًا حارقة، أو يطلع منه عفريت له قلب عصفور، فلماذا لا يحدث نقص فى المقابر يستدعى تدخل البرلمان ويفتح له ملفًا عاجلاً؟
والحكاية أن النائب محمد سامى شهدة عضو مجلس النواب عن دائرة منيا القمح، محافظة الشرقية، دخل إلى قاعة البرلمان رافعًا «إشارة حمراء»، على هيئة اقتراح برغبة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيرة التنمية المحلية، فى قضية شديدة الخطورة وحسب وصفه لها «أزمة إنسانية متصاعدة فى منظومة الدفن»!
وقال فى الاقتراح: إن الأزمة تتجاوز دائرته الانتخابية إلى العديد من مراكز الجمهورية، وأظن وصفه لم يكن دقيقًا، فالأزمة ليست فى العديد من المراكز، بل تقريبًا فى كل المراكز بدرجات متفاوتة، وإن ضرب النائب شهدة بدائرته الانتخابية، مركز منيا القمح نموذجًا يجسد حجم الأزمة ومدى تأثيرها على الناس!
ولا أعرف هل النائب محمد سامى شهدة وهو يقدم اقتراحه يعلم أن خناقات عائلية فى الأرياف واشتباكات وخلافات لا أول لها ولا آخر وصلت إلى حد القطيعة بسبب إرث المقابر، وبعضها خرج من حدود العائلة إلى أقسام البوليس، وبعضها وصل إلى المحاكم، خاصة فى العائلات التى تفرقت فروعها بين المدن المصرية الكبيرة كالقاهرة والإسكندرية والجيزة، وتفككت علاقات أجيالها الجديدة إلى حد ما بجذورهم الريفية، وإن كان الكبار فيهم مازال يشدهم الحنين إلى قراهم، ويتمسكون بالعودة إلى مدافن العائلة فى نهاية الرحلة.
لكن مقابر القرى ضاقت بموتاها، خاصة بعد وقف تراخيص بناء المقابر منذ أكتوبر 2024، وغياب رؤية طويلة المدى، فى ظل تزايد الكثافة السكانية وارتفاع الطلب على الأراضى المخصصة للدفن.
هل سمع النائب عن عربات دفن موتى تعود من الطريق أو تغير مسارها إلى مدافن الصدقة، أو إلى مقابر مشاع مقابل معلوم على «قد إيد» أهل الميت، خاصة من فقراء المصريين الذين تقطعت علاقاتهم بالجذور لأسباب متعددة.
مثلاً رحل من المصريين فى العام الماضى ما يقرب من 645000 مواطن، وفى العام الذى قبله 611000، وهى أرقام تشى بمدى الحاجة الملحة إلى مقابر!
لكن..هل يجوز أن تحدث أزمة مقابر فى بلد صحاريها ممتدة شرقًا وغربًا بامتداد النهر من أقصى الجنوب إلى البحر المتوسط شمالاً؟ المهم بعد أن قرأت أخبار الاقتراح برغبة المقدم إلى الحكومة، اختصرت المسافة إلى عالم المدافن وإعلاناتها، ما هذا؟، ولماذا؟، وكيف؟، صحيح أن المصريين لهم تاريخ خاص مع العالم الآخر منذ قديم الزمان، وبنوا أضخم مقابر عرفتها البشرية، ولم يغيروا عادات الموت والتعامل معه حزنًا ودفنًا إلا هامشيًا، بالرغم من أنهم غيروا دياناتهم القديمة إلى المسيحية وإلى الإسلام، فهم يدفنون موتاهم فى غرف، يُفصل فيها الرجال عن النساء، انتظار للبعث والحساب، هى أضرحة لها أبواب حديدية مرتفعة عن سطح الأرض عليها أقفال ضخمة، نعم هى ثقافة خاصة لكن ليس إلى الدرجة التى وردت فى بعض الإعلانات!
إعلانات المقابر تنافس إعلانات الشقق والسيارات الفاخرة والأجهزة الكهربائية والشاليهات، وكما الحياة طبقات، الموت أيضًا طبقات، ويبدو أن البشر لا يؤمنون بالمساواة لا فى الدنيا، ولا فى رحلة العبور من الدنيا إلى العالم الآخر، فالإعلان يقول: إذا كنت تبحث عن مقابر ومدافن كاملة التشطيب، ذات تصميمات عالية، وتتمتع بالخصوصية، ومحاطة بأسوار عالية وبوابة حديدية (ملحوظة:حماية للجثث من السرقة)، المقابر تابعة للمحافظة أو جهاز المدينة، فأنت فى المكان الصحيح، والذى لا يعرفه الكثيرون أن الشركة لديها علاقات قوية فى مصلحة الشهر العقارى، مما يجعلك تنهى إجراءات البيع والشراء سريعًا، دون أن تنتظر وقتًا طويلاً، مثلما يحدث داخل هذا النوع من المصالح الحكومية، والأجمل أنك ستكون المالك الوحيد لمقبرة فى أفضل أماكن الجمهورية، مما يجعل استثمارك بكل سهولة، والأسعار من 300 ألف جنيه إلى ثلاثة ملايين جنيه، والسعر الأخير لمقبرة 80 مترًا مكونة من ست غرف كبيرة واستراحتين داخليتين ودكك خرسانية للجلوس وواجهة من الحجر الجبلى على طريق الواحات.
إعلان مدهش، كأنه يتحدث عن شالية بالساحل الشمالى، وشقة فى كمبوند: تصميم وتشطيب وتسجيل واستثمار!
إذن نحن نحن أمام تجارة رائجة للموت..
على الجانب الآخر توزع الحكومة المقابر على مواطنيها بالقرعة مثل شقق الإسكان الاجتماعى وشقق الإسكان المتوسط، الأول تنشر إعلانًا، ويتقدم له المواطنون، ثم قرعة بينهم، والقطعة بـ300 ألف جنيه، يعنى المتر فى حدود 15 ألف جنيه!، أى أن المتر فى مقابر الموتى قد يعادل أو أغلى قليلا من متر المبانى فى الإسكان الاجتماعى للأحياء، لكنه فى النهاية أرخص من السعر فى السوق الخاصة، التى يمكن أن يتعرض فيها المشترى لعمليات نصب واحتيال وهى كثيرة!
وعمومًا أرض المدافن لا تُمَلك وإنما هى تعطى للمشترى بحق الانتفاع فقط، فالدولة تصنف المدافن خدمة اجتماعية، حتى لو كان المتر بـ15 ألف جنيه فى الصحراء.
ويقترح النائب محمد سامى شهدة إعادة النظر فى منظومة تراخيص المقابر، وتوفير أراض بديلة لكل المراكز، وإنشاء آلية حكومية لإدارة الجبانات ومنع الاحتكار وضبط الأسعار، بما يضمن حل الأزمة بشكل متوازن ومستدام.
ويمكن أن نضيف أفكارًا جديدة إلى النائب، بأن نؤسس هيئة خاصة للمقابر، ترتب نظامًا تأمينيًا لمن يريد الاشتراك من المصريين، وتخصص لها الدولة مساحات فى الظهير الصحراوى للمحافظات، ومعظم محافظات مصر لها ظهير صحراوى، إلا الدقهلية، وكفر الشيخ والغربية ودمياط، ويمكن التفكير فى حلول لها.
وعلى هذه المساحات تبنى الهيئة مقابر المشتركين فيها حسب مخططات عامة جيدة، الملكية للدولة والأفراد يشتركون فقط فى الخدمة برسوم مثل التأمينات الاجتماعية تمامًا، تُحصل من الموظفين من مرتباتهم خلال الخدمة، ومن الأهالى بالدفع الشهرى فى مكاتب مخصصة لذلك.
ولا يكون الدفن إلا لسكان المحافظة، يعنى سكان القاهرة يدفنون فى مقابر مخصصة لهم فى الصحراوات المحيطة بالقاهرة، وكذلك سكان الجيزة والإسكندرية والبحيرة والمنوفية..إلخ، ومن يريد أن يدفن مع أهله عليه أن يعيش فى بلده أو بالقرب منها ليدفن فيها.
المقبرة مصير نهائى للدنيا، فلماذا لا نوفر لها قيمة حضارية بعيدًا عن السوق السوداء والمضاربات لمن لا يستطيع أن ينافس فى هذه السوق، ومن يريد مقبرة خاصة فى مكان خاص به، هذا هو شأنه، وإنما أتحدث عن الطبقات محدودة الدخل، سواء كانت من الوسطى المستورة أو الدنيا، وهم الغالبية من المصريين.
وإذا كان السكن حقًا إنسانيًا، فالمدفن أيضًا حق لكل مواطن سواء كان معدمًا على باب الله أو مستورًا، وعلى حدود هذه التجمعات أو مدن الموتى، يمكن أن تُشيد مكاتب خدمات تابعة لوزارات الصحة والداخلية والتنمية المحلية والعدل ومساجد وقاعات عزاء ودور مناسبات!
الموت لبعض الأسر يشبه خراب الديار، بسبب توحش الأسعار فى كل الخدمات المصاحبة للرحيل. فهل نحول اقتراح النائب محمد سامى شهدة إلى مشروع على أرض الواقع؟







