الجمعة 5 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

هدنــــــة على حافة الانفجار الفرصة الأخيرة فى المفاوضات الإيرانية - الأمريكية

تشهد الجهود الدبلوماسية بين «إيران» و«الولايات المتحدة» حالة من التعثر الواضح، وسط تباعد فى المواقف بشأن ملفات أساسية، ما يعكس صعوبة التوصل إلى اتفاق سريع ينهى التوتر القائم، رغم استمرار الوساطات الإقليمية والدولية لإعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات.  



وبين هدنة هشة وتصعيد محتمل، تدخل المفاوضات ما يمكن اعتباره مرحلتها الأخيرة، حيث لم يعد الفشل مجرد تعثر دبلوماسى، بل بوابة مفتوحة نحو مواجهة أوسع. فبينما كان مقررًا عقد محادثات جديدة فى العاصمة الباكستانية «إسلام آباد»، ظلت مؤشرات التقارب محدودة، فى ظل استمرار الخلافات بين الجانبين حول قضايا رئيسية، أبرزها الحصار الأمريكى على الموانئ الإيرانية، ومستقبل مضيق هرمز، إضافة إلى البرنامج النووى الإيراني.

وفى مطلع الأسبوع الماضى، ألغى الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» زيارة مبعوثيه «ستيف ويتكوف» و«جاريد كوشنر» إلى «إسلام آباد»، كما وجّه بعد ذلك باستمرار فرض الحصار على «إيران»، فى خطوة اعتُبرت انتكاسة للمسار التفاوضى، حيث أرجع الرئيس الأمريكى هذا القرار إلى عدم رضا واشنطن عن العرض الإيراني؛ مؤكدًا أن بلاده لن تدخل فى مفاوضات لا تلبى توقعاتها.

وفى هذا الصدد، برز مقترح إيرانى جديد عبر وساطة باكستانية، يركز على معالجة أزمة المضيق والحصار أولًا، وتأجيل الملف النووى إلى مرحلة لاحقة، فى محاولة لتجاوز نقاط الخلاف الأكثر تعقيدًا، غير أن موقف «واشنطن» من هذا الطرح لا يزال غير واضح.

من جانبه، أفاد إعلام أمريكى بأن الجمود الحالى يضع الإدارة الأمريكية أمام خيارات معقدة، تتراوح بين تصعيد الضغوط، أو القبول بتسوية أقل من سقف المطالب، أو الاستمرار فى سياسة الحصار الاقتصادي.

وفى وقت يواصل الطرفان تبادل الرسائل عبر الوسطاء، لا تظهر مؤشرات حاسمة على قرب استئناف المحادثات، ما يعكس استمرار حالة الجمود فى ظل تعقيدات سياسية وأمنية متشابكة. ومع ذلك، تتجه الأنظار إلى ما يمكن اعتباره «الفرصة الأخيرة» لإحياء مسار تفاوضى قد يمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

أزمة ثقة تعرقل أى نجاح تفاوضي

فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»، أكد الدكتور «أحمد لاشين» أستاذ الدراسات الإيرانية، أن العلاقات بين «الولايات المتحدة» و«إيران» فى المسار التفاوضى تعانى من اضطراب، ولا تحظى بمساحة كافية من التوافق أو حتى التقارب، فى ظل أزمة ثقة عميقة بين الطرفين؛ مشيرًا إلى اختبار «طهران» لواشنطن فى أكثر من ملف تفاوضى دون تحقيق نجاح يُذكر، لا سيما خلال إدارة «ترامب» فى ولايته الأولى أو الثانية.

وأكد «لاشين» أن الأزمة تكمن فى رؤية «ترامب» للموقف، إذ يفترض أن تأتيه «إيران» صاغرة إلى طاولة المفاوضات، وتقبل بكل البنود التى يسعى إلى تحقيقها، بما يحقق له مكسبًا سياسيًا داخليًا، ويعزز صورته أمام الرأى العام الأمريكي.

وأضاف، فى هذا الصدد، أن تحقيق تقدم فى الملف النووى الإيرانى سيمثل إنجازًا كبيرًا لترامب، وهو ما تدركه «طهران» جيدًا، الأمر الذى دفع الأخيرة، من وجهة نظره، إلى عدم التعامل مع هذا الملف باعتباره جزءًا مباشرًا من عملية التفاوض، مستفيدة من قدرتها على تفكيك القضايا المطروحة.

ثم أوضح «لاشين» أن «إيران» عملت على إبراز ملف مضيق «هرمز»، رغم أنه لا يمثل أولوية حاليًا لدى ترامب مقارنة بالملف النووى، مستغلة الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية للمضيق، وما له من تأثيرات فى الاقتصادين الإقليمى والعالمى، بهدف استخدامه كورقة ضغط ضمن مسار التفاوض.

واختتم «لاشين» حديثه بالتأكيد على أن حالة الجمود تُعد سمة ملازمة لفشل أو تعثر المفاوضات، خاصة فى أعقاب النزاعات العسكرية، حيث تميل الأطراف إلى التريث وإعادة الحسابات؛ مرجحًا أنه مع استمرار هذا الجمود، تزداد احتمالات فشل المفاوضات، وقد يمتد الأمر إلى استئناف العمليات العسكرية، ولو بشكل محدود، خاصة إذا لم يتمكن «ترامب» من الحصول على دعم الكونجرس أو تمديد التفويض اللازم خلال فترة زمنية محددة.

إعادة ترتيب الملفات

من جانبها، اعتبرت الدكتورة «نوران مجدي» أستاذة الدراسات الإيرانية، فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»، أن تعثر المفاوضات الحالية لا يعكس خلافًا تكتيكيًا مؤقتًا، بقدر ما يمكن اعتباره إعادة ترتيب أوراق التفاوض.

وأوضحت أنه لأول مرة فى تاريخ المفاوضات الأمريكية الإيرانية تقوم «طهران» بإعادة ترتيب الملفات من خلال مقترح جديد يقضى بفصل إنهاء الحرب وفتح مضيق «هرمز» عن الملف النووي.

وفى هذا السياق، رأت «مجدي» أن «إيران» لديها فرصة لنجاح مقترحها القائم على فصل الملفات، وإن كانت تلك الفرصة ليست كبيرة، حيث تعتمد على مدى قدرة «الولايات المتحدة» أو مرونتها فى تقبل هذا المقترح.

ثم أكدت أنه فى ظل المتغيرات الحالية، المتمثلة فى سعى القيادة الأمريكية، وعلى رأسها «ترامب»، إلى إعلان النصر الكامل على «إيران»، ونجاح حربه ضدها، وتدنى شعبية الرئيس الأمريكى داخل «الولايات المتحدة»، وانتهاء المدة القانونية التى يستطيع فيها التصرف بمفرده فى قرارات الحرب دون الرجوع إلى الكونجرس الأمريكى، فضلًا عن تصريحات «البنتاجون» بشأن نفاد الذخيرة، قد تدفع «واشنطن» إلى قبول المقترح الإيراني.

سيناريو مرجح لتصعيد اقتصادي

اتفقت الدكتورة «نسمة عبدالنبي» أستاذة الدراسات الإيرانية والباحثة فى وحدة الدراسات الإيرانية بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، مع الطروحات السابقة؛ معتبرة أن ما يميز المرحلة الحالية هو تغيير إيران لنهجها التفاوضى، فبدلًا من طرح جميع بنود المقترح فى سلة واحدة، اتجهت إلى تقسيمها على ثلاث مراحل أساسية.

وفى تصريحات لـ«روزاليوسف»، وصفت «عبدالنبي» الهدنة الراهنة بأنها هشة للغاية، فى ظل وجود فجوات جوهرية فى عدد من القضايا العالقة التى لم تُحسم بين الجانبين الإيرانى والأمريكى، ما يجعل فرص استقرارها محدودة.

كما أكدت أن المقترح الإيرانى من غير المرجح أن يحظى بقبول أمريكي؛ لأن الموافقة عليه تعنى، من وجهة نظر «واشنطن»، العودة إلى نقطة الصفر. موضحة أن فتح المضيق، واستئناف حركة الملاحة الدولية، دون تحقيق تقدم ملموس فى الملف النووى، سيُفسر على أنه إخفاق لإدارة «ترامب» فى تحقيق أهدافها، مقابل تصوير «إيران» على أنها الطرف الذى نجح فى فرض شروطه، وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل 28 فبراير.

ثم توقعت «عبدالنبي» أن السيناريو الأقرب يتجه إلى استمرار «الولايات المتحدة» فى فرض الحصار البحرى على الموانئ الإيرانية، بهدف زيادة الضغط الاقتصادى، وإضعاف قدرة «طهران»، وصولًا إلى حالة من الشلل الاقتصادي.

وربطت هذا التوجه بانتهاء مهلة الستين يومًا من بدء العمليات العسكرية، كما أشارت إلى أن الضغوط الداخلية فى «الولايات المتحدة»، سواء من الديمقراطيين أو حتى من بعض الجمهوريين الذين بدأوا فى مراجعة موقفهم بسبب الكلفة الاقتصادية للحرب، وغياب رؤية استراتيجية واضحة، تمثل عامل ضاغط إضافيًا، فضلًا عن تراجع شعبية «ترامب»، واقتراب انتخابات التجديد النصفي.

المفاوضات محكومة بتوازنات أوسع

قال «باسم أبو سمية» الباحث السياسى من «واشنطن»، فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»، إن الرهان على مستقبل هذه المفاوضات لا يتحدد فقط على طاولة التفاوض، بل يمتد أيضًا إلى المضائق البحرية، والأسواق النفطية، وحسابات الردع، إضافة إلى صراعات الداخل السياسى لدى مختلف الأطراف؛ مؤكدًا أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على نزاع حول ملف بعينه، بل تمثل صراعًا أوسع على شكل النظام الإقليمى القادم.

وأوضح أنه رغم الانطباع الأولى بأن المنطقة تتجه نحو احتواء جولة التصعيد الأخيرة وفتح نافذة سياسية جديدة، فإن التطورات اللاحقة أظهرت أن الهدنة لم تكن تسوية حقيقية، بقدر ما كانت وقفًا هشًا لإدارة الاشتباك، أتاح للأطراف فرصة لإعادة التموضع سياسيًا وعسكريًا.

ثم أشار إلى أن أهداف «واشنطن» تتلخص فى تقليص قدرة «إيران» على استخدام الممرات البحرية كورقة ضغط، ومنعها من توسيع نفوذها الإقليمى، إلى جانب السعى لفرض اتفاق جديد بشروط أكثر صرامة، فضلًا عن طمأنة الحلفاء الإقليميين، وإظهار استمرار الهيمنة الأمريكية.

وفيما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، طرح «أبو سمية» ثلاثة مسارات رئيسية؛ يتمثل الأول، وهو الأكثر ترجيحًا فى نظره، فى التوصل إلى اتفاق مرحلى محدود يشمل تخفيفًا جزئيًا للحصار، وفتحًا تدريجيًا للممرات البحرية، مع تجميد بعض الملفات الخلافية واستمرار المفاوضات، بما ينسجم مع واقع انعدام الثقة بين الطرفين، لا سيما فى ظل غموض الموقف الأمريكي.

أما السيناريو الثانى، فيقوم على هدنة طويلة دون اتفاق، حيث يستمر وقف إطلاق النار بالتوازى مع بقاء العقوبات والتوترات والرسائل العسكرية، وهو ما يعكس نهج إدارة الأزمة بدلًا من حلها.

بينما يتمثل السيناريو الثالث فى انهيار المسار التفاوضى وعودة التصعيد من جديد.

تقديرات غربية: سيناريوهات بين الاحتواء والتصعيد الدولي

على الجانب الآخر، تناول العديد من الأبحاث الموقف الإيرانى الأمريكى الحالى فى محاولة لاستشراف السيناريوهات. وفى هذا السياق، لخص «بارى بافل» كبير باحثى مركز سكوكروفت للاستراتيجية والأمن، والذى شغل سابقًا منصب مساعد خاص للرئيس الأمريكى ومدير أول لسياسات واستراتيجيات الدفاع فى مجلس الأمن القومى الأمريكى، و«جيفرى سيمينو» الباحث فى مبادرة الاستراتيجية الجيوسياسية التابعة للمركز نفسه، السيناريوهات المتوقعة، إلا أنهما ربطا مصير المفاوضات بعاملين رئيسيين، هما: مستوى الانخراط العسكرى الأمريكى، ودور الصين فى الصراع.

وأشارا إلى عدة سيناريوهات محتملة، أولها «تآكل تدريجى للنفوذ الأمريكي»، وهو السيناريو الأرجح على المدى القريب وفقًا لتحليلهما، حيث رجح الباحثان بقاء الوضع فى حالة «سلام غير مكتمل»، تستمر فيه المفاوضات دون اتفاق شامل. وفى هذا السياق، تواصل الولايات المتحدة ضرباتها المحدودة، بينما تستفيد «الصين» اقتصاديًا من «إيران» دون تدخل مباشر، ما يؤدى إلى استقرار هش وتآكل تدريجى فى التحالفات الأمريكية.

أما السيناريو الآخر فهو «استعادة الهيمنة الأمريكية»، عبر اتجاه «واشنطن» إلى تصعيد عسكرى واسع، حال فشل المفاوضات، يستهدف البنية العسكرية والنووية الإيرانية بشكل حاسم، إلا أنهما أكدا، فى الوقت ذاته، أن نجاح هذا السيناريو يتطلب بقاء «الصين» على الحياد؛ موضحين أن هذا السيناريو سيؤدى إلى إعادة فرض النفوذ الأمريكى، ولكن بتكلفة عسكرية واستراتيجية كبيرة.

أما السيناريو الأخير، فيتمثل فى «نقطة تحول فى النظام الدولي»، الذى وصفاه بالأخطر، حيث يتزامن التصعيد الأمريكى مع تدخل صينى غير مباشر لدعم «إيران»، ما يفتح الباب أمام مواجهة دولية متعددة الجبهات. وفى هذه الحالة، حسب المحللين، قد يتحول الصراع إلى ما يشبه حربًا باردة جديدة، مع تداعيات اقتصادية عالمية عميقة.

وفى النهاية، اتفق المحللون على أن العامل الأكثر تأثيرًا فى مسار الأحداث هو مدى استمرار اضطراب الملاحة فى مضيق «هرمز»؛ موضحين أن تعطيلًا قصير الأمد يمكن احتواؤه، أما إذا طال أمده، فقد يعيد تشكيل أسواق الطاقة والتحالفات الدولية بشكل جذري.

فى النهاية، يمكن القول إنه فى ظل هذا المشهد المعقد، تبدو المفاوضات بين «الولايات المتحدة» و«إيران» أمام لحظة حاسمة قد تحدد مسار المرحلة المقبلة بأكملها. ورغم الضغوط الداخلية، والحسابات الإقليمية، والتوازنات الدولية، وتضاؤل فرص الحلول، لا تزال هناك «نافذة أخيرة» يمكن من خلالها إعادة إحياء المسار التفاوضى، إذا ما أبدى الطرفان قدرًا من المرونة السياسية.