السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

هل انتهى نظام

ولاية الفقيه فى إيران؟

منذ قيام الثورة الإيرانية 1979، بدا نظام «ولاية الفقيه» وكأنه معادلة مغلقة يصعب كسرها، حيث صاغ روح الله الخمينى نموذجًا يمنح رجل الدين الأعلى سلطة تتجاوز المؤسسات المنتخبة، واضعًا أسس نظام جمعت بين العقيدة والسياسة فى بنية واحدة. لكن بعد أكثر من أربعة عقود، لم يعد هذا النموذج بمنأى عن التساؤل، بل أصبح محل اختبار حقيقى فى ضوء تحولات داخلية عميقة وضغوط خارجية متصاعدة.



ترى فايننشال تايمز أن إيران تواجه اليوم مزيجًا خطيرًا من الضغوط الاقتصادية والسخط الشعبى، مشيرة إلى أن هذا التداخل يضع النظام أمام تحدٍ وجودى، وليس مجرد أزمة عابرة. واعتبرت الإيكونوميست أن الجمهورية الإسلامية تبدو مستقرة من الخارج، لكنها تعانى من تآكل بطئ فى الداخل، فى إشارة إلى فجوة تتسع تدريجيًا بين الدولة والمجتمع.

هذا التآكل ظهر بوضوح خلال احتجاجات إيران 2022، التى وصفتها نيويورك تايمز بأنها «واحدة من أجرأ موجات التحدى للنظام منذ عقود»، حيث لم تقتصر الهتافات على المطالب المعيشية، بل امتدت إلى رفض صريح لأسس الحكم. ونقلت الصحيفة عن محللين قولهم إن الجيل الجديد لم يعد يرى فى النظام ممثلًا له، وهو تحول بالغ الدلالة فى بلد قام نظامه على شرعية ثورية ودينية.

اقتصاديًا، تبدو الصورة أكثر قتامة، فقد أشارت وول ستريت جورنال إلى أن إيران «تعيش تحت وطأة عقوبات تخنق النمو وتعمّق الأزمات الهيكلية»، بينما تؤكد تقارير أن التضخم المرتفع وتراجع العملة يضغطان بقوة على الطبقة الوسطى. ورغم توجه طهران نحو تعزيز علاقاتها مع الصين وروسيا، فإن هذه الشراكات، بحسب محللين، «لم تنجح فى إنقاذ الاقتصاد بقدر ما وفرت متنفسًا محدودًا».

قال رامى إبراهيم، الباحث فى العلاقات الدولية: إن حرب الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران سواء فى حرب الـ 12 يومًا التى كانت فى شهر يونيو 2025، ثم الحرب الأخيرة التى بدأت يوم 28 فبراير الماضى، وقدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على اغتيال العشرات من القادة الإيرانيين وعلى رأسهم المرشد الإيرانى على خامنئى، أحدث خلل وتصدعات فى بنية النظام الإيرانى من الداخل، كما أن الحرب الأخيرة، وما أحدثته من خسائر بشرية ومادية، أفسحت المجال لإعادة النظر فيما تسمى بـ «ولاية الفقيه».

وأضاف الباحث فى العلاقات الدولية فى تصريحاته لمجلة روزاليوسف أن بنية النظام الإيرانى وتركيبته المعقدة، نظرًا للتداخل بين المؤسسات ما يخلق حالة من الغموض وعدم اليقين حول استمرار هذا النظام ببنيته وشكله الحالى والحفاظ على ما يسمى بولاية الفقيه، أم إعادة ترميمه من الداخل، إذا كان هذا ممكنا، لكن بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وظهور هشاشة النظام الإيرانى من داخله رغم تركيبته المعقدة، وتصاعد نفوذ الحرس الثورى، قد نشهد خلال الفترة المقبلة إعادة ترتيب البيت من الداخل بما يقلص من نفوذ وهيمنة «المرشد الأعلى الإيرانى».

وأشار رامى إبراهيم، إلى أن صعود الحرس الثورى الإيرانى كفاعل رئيسى فى مجريات الأمور وإدارة المواجهات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب المؤسسات الأخرى وتخطيها فى كثير الموضوعات يكشف عن أجنحة وتيارات مختلفة داخل مطبخ صنع القرار، مما يخلق حالة من عدم التوافق على شكل وبنية الحكم التى استمرت منذ قيام الثورة الإيرانية، ومن المتوقع أن يتم إعادة تشكيل البنية الداخلية للنظام فى إيران مع الحفاظ الرمزى على «ولاية الفقيه»، حتى لا ينهار النظام ككل.

وأوضح أن الأزمة فى الداخل الإيرانى، أعمق وتتعلق بغياب مركز صنع القرار، حيث تتوزع السلطات بين المؤسسات الرسمية التى يتم تهميشها، وبين الحرس الثورى الذى يتصاعد نفوذه باستمرار ما يؤدى إلى تضارب فى التوجهات، خاصة بعد ظهور دور التيار البراغماتى المرتبط بـمحمد باقر قاليباف، الذى يسعى إلى المواءمة مع الأمن والانفتاح السياسى، وذلك إلى جانب التيار الأمنى الذى يقوده محمد باقر ذو القدر، وهو يركز على تعزيز السيطرة الداخلية وإدارة الأزمات كما أنه يعطى أولوية للاستقرار الداخلى.

ولفت رامى إبراهيم، إلى أن دور المؤسسة الدينية التقليدية فى إيران، تراجع كثيرًا فى الفترة الأخيرة وأصبح دورها يقتصر على توفير الغطاء الشرعى دون تدخلات قوية فى مجريات الأحداث وهذا الغطاء ضرورة للحفاظ على النظام من الانهيار التام، لذلك من المتوقع أن يتحول نظام «ولاية الفقيه» إلى غطاء شرعى رمزى للثورة الإيرانية مع صعود دور الحرس الثورى بالتنسيق مع بعض الأطراف التى تميل إلى كفته لتتحول إيران إلى نظام «أمنى سياسى» بغطاء «أيديولوجى».

وأكد الباحث فى العلاقات الدولية، أن المرحلة الحالية التى تعيشها إيران، مرحلة معقدة للغاية تتداخل فيها الصراعات الداخلية والخارجية معًا، ما يجعل مستقبل النظام مفتوحًا على سيناريوهات عدة فى ظل غياب قيادة واضحة وتنامى التنافس بين مراكز القوى المختلفة، أحد هذه السيناريوهات انهيار بنية الحكم فى إيران بسبب تداعيات الحرب.

وقال رامى إبراهيم، إن السيناريو الأقرب خاصة فى ظل المرحلة الحالية، هو تحويل نظام «ولاية الفقيه» إلى أداة سياسية أكثر منها دينية، لتوفير الغطاء الشرعى للأطراف الفاعلة فى النظام الإيرانى وعلى رأسها الحرس الثورى، وبعض الشخصيات التى فرضتها ضرورات الحرب، ومن المتوقع ألا تتجه إيران إلى تفكيك بنيتها الحالية على الأقل فى المستقبل القريب، حتى لا تنهار الدولة بالكامل وتظهر الصراعات الداخلية، وأيضًا تصاعد مطالب الأقاليم الانفصالية

 أدوات البقاء

ومع ذلك، فإن النظام لا يزال يمتلك أدوات قوية للبقاء. ووفقًا لمجلس العلاقات الخارجية، فإن «مزيجًا من القبضة الأمنية والمؤسسات الموازية يمنح القيادة قدرة كبيرة على احتواء الأزمات». ويبرز هنا دور الحرس الثورى الإيرانى، الذى لا يقتصر نفوذه على المجال العسكرى، بل يمتد إلى الاقتصاد والسياسة، ما يجعله أحد أعمدة استمرارية النظام.

لكن التحدى الأكثر حساسية قد يكون داخليًا بامتياز. فقد لفتت واشنطن بوست إلى أن مسألة خلافة على خامنئى «قد تتحول إلى لحظة مفصلية»، فى ظل غياب توافق واضح داخل النخبة الحاكمة. وتشير الصحيفة إلى أن أى صراع على هذا الموقع قد يكشف هشاشة التوازنات التى حافظت على استقرار النظام لعقود.

ورغم كل هذه المؤشرات، تميل معظم التحليلات إلى استبعاد سيناريو الانهيار السريع. إذ ترى الإيكونوميست أن «الجمهورية الإسلامية أثبتت مرارًا قدرتها على البقاء، حتى فى أصعب الظروف»، لكنها تحذر فى الوقت نفسه من أن «التآكل المستمر قد يفرض تغييرات لا يمكن التحكم فيها على المدى الطويل». بمعنى آخر، قد لا يسقط النظام فجأة، لكنه قد يتغير من داخله تحت ضغط الواقع.

وفى نفس السياق، قال عمرو فاروق الباحث فى شئون الجماعات الأصولية وتيارات الإسلام السياسى: إن النظام الإيرانى بشكله الحالى صعب اقتلاعه، فانتهاء ولاية الفقيه ليس أمرًا سهلا لأن المدارس الدينية القائمة فى إيران لا زال لها تأثير فى القرار السياسى داخل الدولة رغم حالة التمرد فى المجتمع الإيرانى الناتجة عن الاضطرابات والانهيار الاقتصادى والعقوبات والمحاصرة الاقتصادية.

وأضاف فى تصريحاته لمجلة روزاليوسف أنه ربما تم تحجيم أذرع إيران لكن الإطار الأيديولوجى يحكم مؤسسات الدولة من الداخل خاصة المؤسسات السيادية مثل الحرس الثورى الإيرانى والمخابرات.

وأوضح أنه حتى إذا سقط النظام سيكون بمثابة انقلاب ناعم حيث تتولى أطراف أخرى داخل الدولة الحكم والسلطة وربما تبدى حينها مرونة فى بعض الملفات ولكنها ستمنح الأمان للقوى الفاعلة فى الحكومة.

كما استبعد أن يحدث سقوط للنظام بشكل كامل فى هذه المرحلة حيث إن الضربات قد تضعف النظام لكنها لا تنهى النظام الإيرانى الملالى لأنه قائمة على أيديولوجية فكرية.