استراتيجية «الخط الأصفر» هل تفسد الاتفاق بين لبنان وإسرائيل؟
آلاء البدرى
تسعى إسرائيل إلى فرض واقع جديد على لبنان عبر استراتيجية الخط الأصفر التى لم تعد مجرد أداة ردع عسكرية، بل تحولت إلى وسيلة لإدارة المفاوضات نفسها فى المحادثات التى كان يفترض أن تكون مسارًا دبلوماسيًا لإنهاء عقود من المواجهة باتت اختبارًا وجوديًا لمستقبل لبنان الذى أصبح رهينة معادلة قاسية،إما الانصياع لشروط أمنية إسرائيلية تشرعن التوغل العسكرى، والاحتلال أو مواجهة عسكرية قد تحرق الأخضر واليابس.
استراتيجية الخط الأصفر
تواصل إسرائيل تكريس سياسة الاحتلال المقنع فى جنوب لبنان عبر فرض ما تسميه الخط الأصفر، وهو ظاهريا منطقة أمنية عازلة خارج حدودها المتعارف عليها دوليا يرسم حدود وهمية لكن فى الحقيقة، هذا الإجراء يحول المنطقة الممتدة من نهر الليطانى التى تنظر إليها إسرائيل كمطمع حتى الحدود إلى منطقة قتال مغلقة، ويهدف عمليًا إلى منع عودة المواطنين اللبنانيين النازحين إلى الداخل اللبنانى إلى قراهم مع منح الجيش الإسرائيلى الضوء الأخضر لاستهداف أى تحركات مدنية أو عسكرية باعتبارها خرقًا للتفاهمات الأمنية، وتكشف التحركات الإسرائيلية فى جنوب لبنان أن جيش الاحتلال توغل لمسافات تصل إلى نحو عشرة كيلومترات داخل الأراضى اللبنانية شملت محيط بلدة راشيا وصولًا إلى الناقورة ورأس البياضة،هذا التوغل يبدو أنه يهدف إلى ترسيخ واقع جغرافى جديد يمنحها تفوقًا دائمًا على حزب الله، وأيضا يمنحها حدودا جديدة ويعيد إنتاج تجربة الاحتلال السابقة لكن بصيغة أكثر شرعية فى ظاهرها.
والخط الأصفر ليس مجرد تسمية لحدود مؤقتة، بل هو استراتيجية إسرائيلية متكررة تهدف إلى تحول الأراضى إلى فراغات أمنية تخدم الاحتلال كما حدث فى غزة حيث طبقت إسرائيل نموذجًا مشابهًا منذ سنوات عبر فرض مناطق عازلة على طول الحدود الشرقية والشمالية،هذه المناطق التى تمتد أحيانًا لعمق يصل إلى 300 - 500 متر داخل القطاع حولت الأرض إلى أرض محروقة يستحيل فيها الحياة تمنع فيها الزراعة والبناء وتستهدف فيها أى حركة مدنية باعتبارها تهديدًا أمنيًا النتيجة كانت حرمان آلاف العائلات من أراضيها الزراعية وخلق شريط حدودى فارغ يخدم السيطرة الإسرائيلية، ويضعف قدرة السكان على الصمود اقتصاديًا واستخدمتها إسرائيل فى سوريا أيضًا حيث نفذت استراتيجية مشابهة فى الجولان المحتل، وفرضت مناطق أمنية على طول خطوط التماس مستخدمة نفس المفهوم الخط الأصفر كأداة لتوسيع نطاق السيطرة الميدانية إلى أن ضمت الأرض السورية.
سياسة الأمر الواقع
كشفت صور الأقمار الصناعية عن قيام إسرائيل بعمليات هدم ممنهجة فى جنوب لبنان حيث تم تسوية مدن وقرى كاملة بالأرض بأوامر مباشرة من وزير الدفاع الإسرائيلى يسرائيل كاتس على غرار ما حدث ومازال يحدث فى غزة.
وفى تحليل أجرته هيئة الإذاعة البريطانية أظهر أن أكثر من 1400 مبنى قد دمر منذ الثانى من مارس استنادًا إلى أدلة مرئية موثقة لكن محدودية الوصول الميدانى، والاعتماد على الصور الفضائية تعنى أن الرقم الحقيقى قد يكون أكبر بكثير مما يفتح الباب أمام تقديرات بوجود دمار شامل يتجاوز ما هو معلن هذه السياسة لا تبدو مجرد رد فعل عسكرى على استهداف حزب الله لإسرائيل، بل هى جزء من استراتيجية إسرائيلية لإعادة رسم الجغرافيا وفرض واقع جديد على الأرض فى لبنان.
كما يواجه لبنان قلقًا متزايدًا بشأن موارد الطاقة البحرية بعد أن نشر الجيش الإسرائيلى خريطة توسع نطاق المنطقة العازلة لتشمل امتدادًا فى البحر الأبيض المتوسط، وهو ما أثار مخاوف جدية حول مصير حقل غاز قانا الذى يعد أحد أهم الموارد الاستراتيجية للبنان.
ورغم تأكيد وزير الطاقة والمياه اللبنانى جو السعدى أن هذه الخريطة والحرب لا تغير شيئًا من الحقائق التى أرساها اتفاق ترسيم الحدود البحرية الموقع عام 2022.
وأكد على أن الاتفاقية ملزمة قانونيًا للطرفين وقد تم تسجيلها لدى الأمم المتحدة إلا أن التجربة التاريخية مع إسرائيل تظهر أنها اعتادت على سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة متجاهلة القوانين الدولية والاتفاقيات بكل أشكالها وأنواعها.
تفاوض تحت التهديد
تجرى المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية تحت وطأة التهديد حيث تجاوز خطاب وزير الدفاع الإسرائيلى يسرائيل كاتس الحدود المقبولة، وكأنه يرسم شروط جديدة للضغط على لبنان إذ قال خلال لقائه مع مبعوثة الأمم المتحدة إلى لبنان جانين هينيس إن النار ستحرق البلد بأكمله موجهًا تحذيرًا مباشرًا إلى حزب الله وقيادته، هذا الخطاب الذى تخللته عبارات مثل النار ستلتهم أشجار الأرز كلها واتهم الحكومة اللبنانية بالاحتماء تحت جناح حزب الله، وهو ما يعكس استخدام إسرائيل لسياسة تقوم على لغة التهديد كأداة تفاوضية حيث تطرح شروط أمنية وسياسية جديدة فى سياق يقترب من الإنذار العسكرى أكثر منه من الحوار الدبلوماسى.
والرسالة التى تريد إسرائيل إيصالها واضحة أنها لن تقبل بوقف إطلاق نار شكلى يتعايش مع استمرار الهجمات على شمالها، وهى مستعدة لتوسيع نطاق التصعيد ليشمل كامل الأراضى اللبنانية إذا لم تلب مطالبها الأمنية بشكل يناسبها حتى لو على حساب جزء من الأراضى اللبنانية.
مستقبل المفاوضات
يرى الخبراء الدوليون أن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية أكثر تعقيدا وتشابكا من المفاوضات الأمريكية الإيرانية، حيث تتداخل لغة الحوار فبها مع لغة التهديد ما يجعل فرص نجاح المحادثات بين لبنان وإسرائيل محدودة للغاية.
فبينما تقدم هذه المحادثات على أنها فرصة تاريخية لإنهاء صراع ممتد وأول مفاوضات مباشرة منذ عام 1983 فإنها عمليًا تجرى فى ظل بيئة مشحونة إسرائيل تتهم حزب الله بمحاولة تخريب المفاوضات عبر استمرار عملياته العسكرية فيما يرد الحزب باتهام إسرائيل بخرق، وقف إطلاق النار وتدمير الجنوب اللبنانى والسعى إلى فرض واقع جديد من خلال استراتيجية الخط الأصفر، وهذه الاستراتيجية كما يوضح الخبراء ليست مجرد إجراء ميدانى بل تحمل رسالة سياسية مفادها أن إسرائيل تريد فرض شروطها بالقوة حتى وهى تجلس على طاولة الحوار فهى تقوم على تحويل مناطق واسعة إلى فراغات أمنية تمنع عودة النازحين وتشرعن التوغل العسكرى وهو ما يعيد إنتاج نماذج مشابهة حيث تحولت المناطق العازلة إلى أدوات لإعادة رسم الحدود.
وتكريس الاحتلال مما يجعل أى اتفاق سلام فى لبنان هشًا وقابلًا للانهيار عند أول اختبار ميدانى، إذا استمرت هذه السياسة ومن ناحية أخرى يحذر الخبراء من أن الجمع بين لغة التفاوض، ولغة التهديد يفرغ العملية من مضمونها، ويحولها إلى مجرد غطاء سياسى لتوسيع السيطرة العسكرية.
فى المعادلة التى تطرحها تل أبيب تبدو واضحة، إما قبول شروطها الأمنية أو مواجهة تصعيد، قد يمتد ليشمل كامل الأراضى اللبنانية، هذا يضع لبنان أمام معضلة صعبة بين تثبيت وقف إطلاق النار وحماية سيادته.
من واقع جديد يُفرض بالقوة
الأخطر أن هذه المفاوضات تجرى فى ظل فقدان الثقة بالمنظومة الدولية، إذ أثبتت الحروب الأخيرة أن الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، ومجلس الأمن وكل المنظمات الدولية.
لم يعد لها تأثير فعلى بل تحولت إلى عبء مادى على الدول الأعضاء دون قدرة على فرض القانون الدولى أو حماية المدنيين، هذا الفراغ المؤسسى يعزز قناعة إسرائيل بأنها قادرة على فرض وقائع جديدة دون محاسبة، ويزيد من هشاشة الموقف اللبنانى الذى يفتقر إلى مظلة دولية حقيقية تدعمه.







