السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

محمد عبد الوهاب: أوافق على تعدد الزوجات.. بشرط !

إنه فنان وأنا أحبه.. كفنان!!



وصدقونى إنى لم أر عبدالوهاب شخصيا إلا اليوم، ورغم ذلك فقد كان دائما يعيش فى حياتى.. فى كل يوم من أيام حياتى.

إنه بالنسبة لي- وبالنسبة لكثير من البنات- ليس مجرد إنسان يغنى ويطربنا.. ولكنه وهم جميل يعيش فى كل عواطفنا.

 

إنى عندما أحب أسمع صوته، وعندما أحزن أجده بجانبى يغنى لى وحدى، وعندما تقع لى مصيبة لا أجد إلا هو يخفف عنى.

وعندما كنت أذهب إلى المدرسة وأصل فى طريقى إلى بيت معين كنت أسمع صوته يغنى لي: «مريت على بيت الحبايب»!!

وفى العام الماضى كان يغنى لي:

«كل ده كان ليه لما شفت عينيه»!!

واليوم يغنى لي: «والله ما أنا سالى يا لى سلتونى»!!

إنى أستطيع أن أكتب تاريخ حياتى كلها بأغانى عبدالوهاب..

وكل فتاة فى الشرق العربى تشرك عبدالوهاب فى عواطفها وتلجأ إليه فى وحدتها.. وفى الحمام!!

وبعد هذا قليقل أعداء عبدالوهاب ما يقولون.. وليكن «حرامى» أو لا يكون.. فلن يرد عليهم عبدالوهاب بأكثر من أن يخلع نظارته.. ويمسح زجاجها، ثم يهز كتفيه ويتمتم «مثاكين» يقصد «مساكين»!!

وعندما ذهبت إلى بيت عبدالوهاب كنت أشعر بأنى سألتقى بالوهم الذى عاش فى حياتى.. كنت كالراهبة التى تبحث فى السماء عن الصوت المجهول الذى يتحكم فى عواطفها.

كان فى رأسى أكثر من ثلاثين سؤالًا ضاعت جميعا من يدى بمجرد أن جلست أمامه.. تبخرت كلها فى رأسى.

وأخذت أنظر إلى زميلى جمال كامل وأحاول أن أذكر، ورفعت عينى على صورة فاتنة لزوجته.. ووجدت نفسى حائرة: هل أحسدها أم أرثى لها؟

وفضلت أن أرثى لها.. فإن الفتاة التى تتزوج وهما لا تلبث أن تكتشف أن هذا الوهم ليس سوى مجرد رجل؟!

 هل الزواج يقتل الفنان؟

كثيرون يدعون أن بيت الزوجية هو مقبرة الفنان، ما رأيك الخاص؟

وتكلم عبدالوهاب الزوج.. 

لا الفنان.. وصوت عبدالوهاب عندما يتكلم قريب جدا من صوته وهو يغنى، بعكس أم كلثوم التى تتكلم بصوت طه حسين وتغنى بصوت الملائكة!

قال عبدالوهاب:

- إن الفنان بطبيعته فوضوى.. ثائر لا يعترف بالنظام إلا فى حدود إنتاجه، وهو لهذا فى حاجة إلى المرأة التى تنظم له حياته وأيامه ولياليه..

والفنان السعيد هو الذى يعثر على هذه المرأة.. فهو بها يخلق فنا عبقريا أقوى مئات المرات مما كان يخلق أيام عزوبيته..

وهذا كله بالنسبة للفنان الرجل، أما الفنانة فأنا لا أعرف بالضبط موقفها من الزواج..

ومعنى هذا أن عبدالوهاب يقول إن الفنان رجل أنانى ويريد زوجة شهيدة تضحى بنفسها فى سبيل أنانيته.

ورغم ذلك فلا بد أن فى حياة الشهيدة التى تزوجت عبدالوهاب متاعب.. ولا بد أن فى حياته هو متاعب زوجية.. وقد سألته عن هذه المتاعب.. لأسأله عن متاعبه كزوج فنان.. وعن متاعب زوجته.. كزوجة فنان..

فقال:

- أما عن زوجة الفنان فإنها مسكينة تعيش فى واد من القلق والاضطراب الذى يسود حياة زوجها كأثر لحساسية أعصابه.. وهى دائما تحاول أن تخلق له الجو الهادئ، الذى يريحه، ويهدئه، ولن يكون هذا إلا على حساب أعصابها.. فهى لا تعرف متى يمكن لها أن تلاطفه.. أو تحادثه.. أو تقترب منه.. ومتى يجب عليها أن تتركه لأفكاره وفنه..

أما متاعب الزوج الفنان فهو حريص على أن يجتمع بمزيد من أصدقائه وزملائه وحرصه من جانب آخر على أن يرضى زوجته حتى لا يجرح شعورها وكرامتها فبين الاثنين كثيرا ما يقلق الزوج.. والفنان وتتصارع الشخصيتان.. وهزيمة إحداهما قلق لأعصابه وحرب على سعادته..

وأنا أعرف أن زوجة عبدالوهاب- ولها الحق- شديدة الغيرة على زوجها، فهو نجم لامع تحلم به العذارى، وتعيش فى أغانيه..

 هل أحاطتك يوما شكوك زوجتك وكيف تصرفت معك؟

وابتسمت عيون عبدالوهاب من وراء منظاره.. وهو يقول:

- إن الزوجة التى لا تشك فى زوجها لم تولد بعد.. وثق أنى سعيد بشكوكها، فإن هذا دليل على اهتمامها بأمرى..

أما كيف تصرفت فلعلك لن تصدقينى هل تصدقين إنها قبلتنى؟

وتأملت صورة الزوجة الشهيدة..

وتظاهرت بأنى صدقت عبدالوهاب ثم قلت له:

 والحب.. هل يستطيع الفنان أن يعيش بغير حب.. إنهم يقولون إن الحب هو وقود العباقرة.. فكيف بالفنان؟

واستمع عبدالوهاب إلى سؤالى عن الحب والفنان.. استمع إليه، ثم قال وكأنه لا يريد أن يجيب:

- لا. لا يستطيع الفنان أن يعيش بغير عاطفة.

وزاغت نظراته، وسرح، ولم يقل أكثر من هذا!!

وأردت أن أوقظ عبدالوهاب من الفكرة الحالمة التى راح فيها.. فسألته عن رأيه فى تعدد الزوجات.. فقال:

- مما لا شك فيه أن لتعدد الزوجات حكمة.. وأنا أوافق على تعدد الزوجات إذا كان لدفع ضرر لا مفر منه.

وفضلت ألا أسأل عبدالوهاب عن هذا الضرر الذى لا مفر منه، ثم قلت له فجأة:

على فكرة إنك تغنى بالحب فهل تسمح لابنتك أن تحب؟..

وقال أيضا فجأة:

- أسمح لها إذا كان هذا الحب هو صبوة إحساسها وسيوجهها نحو حياة سعيدة.

وقلت له:

- مرة أخرى بخصوص ابنتك..

هل تسمح لإحدى بناتك أن تكون ممثلة؟

 

فقال عبدالوهاب:

- لا أسمح لها إلا إذا كانت فذة موهوبة.

وعند هذا الحد أحسست أن ضباب الخجل الذى كان يفصل بينى وبين عبدالوهاب قد انقشع، واتجهت بالحديث اتجاها آخر.

قلت له:

- يسمونه انتسابا ويسمونه تصميما ويسمونه أحيانا سرقة.. فماذا تسمى أنت اختلاط الألحان الغربية بكثير من ألحانك؟

وقال عبدالوهاب وهو ما زال هادئا يحرك بين أصابعه سيجارته المطفاة:

- اسميه تطورا.. تطورا لا أكثر ولا أقل..

ولم يغضب عبدالوهاب كما توهمت.. أو يبدو أنه من كثرة ما واجهوه بهذا الاتهام لم يعد يعبأ به..

وعدت أسأل عبدالوهاب علِّى أغضبه هذه المرة فأراه وهو غاضب:

- يتهمونك بأنك تاجر أكثر منك موسيقيا ويستشهدون على ذلك بصفقاتك التجارية الضخمة الناجحة.

وعادت إلى شفتى عبدالوهاب ابتسامته، وقال:

- لم أقم فى حياتى بصفقة تجارية واحدة اللهم إلا إذا كان النجاح فى الفن أمرا يضايق الناس - بعض الناس - إلى درجة أنهم يعتبرونه عمليات تجاربة وسألته أيضا:

- لقد بنيت عمارة ضخمة فلماذا لا تحاول أن تبنى مسرحا غنائيا..

وتتولى الإنفاق على فرقة غنائية تعمل عليه من أموالك التى جمعتها من الفن باسم الفن؟

فقال عبدالوهاب وكأنه يكتب شيكا:

- هذه أعمال إدارية لا أحب أن اضطلع بها وأفضل أن يقوم بها غيرى من رجال الأعمال.

وابتسمت ابتسامة فهم منها عبدالوهاب إنى لم اقتنع.

ودق جرس التليفون.. ورد عبدالوهاب بصوته الحلو الرزين.. لعله معجب أو لعلها معجبة أو زميل. المهم أننى سألته:

هل من حق المعجبات بك أن يطلبنك فى تليفون البيت؟

فأجاب على الفور:

- طبعا..

 

ورأى زوجتك؟..

- طبعا برضه!!

فقلت له تعليقا على كلمته طبعا:

- ماذا يحدث لو طلبت إحدى المعجبات مقابلتك؟

فقال عبدالوهاب:

- إذا كانت المقابلة من أجل الفن كأن تريدنى أن أسمع صوتها أو أسمع لحنا لها فلا مانع طبعا..

فقلت له:

- إننى أقصد مقابلة شخصية ليس للفن بها صلة.. إلا صلة التجمع.. فقال عبدالوهاب:

- أحيلها على رئيس تحرير «روزاليوسف»..

وانتفضت غضبا وقلت لعبدالوهاب:

- لا.. اسمع يا أستاذ.. الرئيس بتاعنا لا بيغنى ولا بيقول آه.. ده راجل جد ويحب الجد!!

وقال جمال كامل فى هدوء وتأنيب:

- عيب يا أستاذ!!

وقال عبدالوهاب:

- مش قصدى!!

وسألته:

- ما السر الكامن وراء نجاح أغانيك العاطفية، وفشل أناشيدك الوطنية فقال عبدالوهاب:

- استعداد الشعب الطبيعى للأغانى العاطفية.

وعدت أسأله:

- ما الفرق فى نظرك بين «مريت على بيت الحبايب» وبين «أنت.. أنت.. ولا انتش دارى»؟

وقال عبدالوهاب:

- كنا فى الماضى نلحن حروفا من كلمات أما اليوم فإننا نلحن جملا من عدة كلمات، وكان اللحن فى الماضى بطيئا كالحياة نفسها بطيئة هادئة أما اليوم فإن ألحاننا سريعة خاطفة.

وسألت عبدالوهاب:

- أذكر أنك فكرت يوم فى دخول البرلمان.. فهل ما زلت عند رأيك وإذا قدر لك أن تكون عضوا فى البرلمان القادم فما هى أهم قضية ستحرص على الدفاع عنها تحت قبة البرلمان..

فأغمض عينيه فترة ثم قال:

- أنا لا أهتم إلا بأن تصل شكاتنا إلى المسئولين عنا سواء أكان هذا عن طريق البرلمان أو عن أى طريق آخر.

أما عن القضية التى سأهتم بها فهى قضية حياتى. قضية زملائى وإخوانى قضية الفن عامة وسأحرص على الدعوة إلى إنشاء معاهد موثوق بها لتخريج الشبان الفنانين.

وفى هذه اللحظة بالذات سمعت صوت أم كلثوم آتيا من بعيد يقطع علينا خلوتنا بعبدالوهاب فسألته:

 ما رأيك بصراحة فى أم كلثوم؟

وقال عبدالوهاب:

- عنوان لعهد قائم بذاته سيقول التاريخ عنه أنه عهد أم كلثوم!!

وانتهت زيارتى لعبدالوهاب وخرجت..

إن عبدالوهاب عرف عنه الناس شدة التقيد فى الفلوس.. أما أنا فعرفتها عنه فى الكلام.. فقد كان يجب أن آخذ معى «كماشة»  لأنتزع الكلمات من بين شفتى عبدالوهاب.

ورغم ذلك فإنى ما زلت أحبه.. أحبه كفنان.. وكنت أحبه أكثر بعد أن رأيته لو أنه ترك الشعرات البيض تزحف على رأسه دون أن يقاوم زحفها.. ولو أنه ترك رأسه بيضاء من غير سوء دون أن يزرع فيها هذه الشعيرات السود.

لو أنه فعل ذلك لغنيت له:

«حبيبى.. صلعته تجنن»!! 

«مديحة»