بعـد انسحـاب الإمـارات
هل بدأت «أوبك» تفقد جاذبيتها للقوى النفطية الكبرى؟
سمر العربى
فى خطوة وصفت بأنها «مراجعة للسياسة الإنتاجية ومستقبل الطاقة، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة انسحابها من منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك). وجاء هذا البيان الرسمى ليؤكد أن القرار ليس تخليًا عن دور الدولة فى استقرار الأسواق، بل هو تحول نحو زيادة تدريجية ومدروسة للإنتاج تتماشى مع قدراتها الفنية الفائقة وطموحاتها المستقبلية، بعيدًا عن قيود «أوبك+» التى جادلت أبوظبى مرارًا بأنها تحد من إمكاناتها الفعلية.
أوضح بيان رسمى أن خطوة انسحاب الإمارات من أوبك جاءت بعد مراجعة مستفيضة لسياسة الدولة الإنتاجية وقدراتها الحالية والمستقبلية.
واكد البيان الإماراتى أن البلاد ستواصل دورها الفاعل فى استقرار أسواق الطاقة من خلال زيادة الإنتاج بصورة تدريجية ومدروسة.
وتعود جذور القرار إلى القيود المفروضة من قبل تحالف أوبك+ والخاصة بالتخفيضات الطوعية وتحديد سقف الإنتاج؛ إذ جادلت الإمارات مرارًا بأن التحالف يُقيّد إنتاجها الفعلى بأكثر من اللازم.
وكان التحالف قد أعلن سابقًا الموافقة على رفع سقف إنتاج النفط الإماراتى بمقدار 300 ألف برميل يوميًا، تُنفذ تدريجيًا بدءًا من أبريل 2025 وحتى نهاية سبتمبر 2026.
تأثير على أسعار النفط
بالرغم من الصدمة التى أحدثها الخبر بالأسواق العالمية إلا أن أسعار النفط لم تشهد انهيارًا فوريًا عند الإعلان، بل استقرت أسعار «خام برنت» فوق 110 دولارات للبرميل، والسبب يعود إلى استمرار إغلاق مضيق هرمز والتوترات العسكرية مع إيران نقلل من قدرة أى دولة على زيادة المعروض الفعلى فى السوق فورًا، مما يبقى الأسعار مرتفعة بسبب «علاوة المخاطر».
الإمارات تعهدت بأن تكون الزيادة «تدريجية ومدروسة»، مما طمأن الأسواق بأنها لن تُغرق السوق بالنفط بشكل مفاجئ يؤدى لاهتزاز الأسعار إن امتلاك الإمارات لسيادة كاملة على إنتاجها (خارج نظام الحصص) يعنى إمكانية ضخ ما يصل إلى 1.6 مليون برميل يوميًا إضافية من طاقتها الفائضة. هذا المعروض الضخم سيعمل كعامل ضغط لخفض الأسعار عالميًا.
خسائر منظمة أوبك
بحسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية، فإن خروج الإمارات من منظمة أوبك يعنى أن المجموعة فقدت 13 % من طاقتها الإنتاجية، وما يمثّل 9 % من الطاقة الإنتاجية لتحالف أوبك+.
وقبل أن تصل الإمارات إلى هذا الثقل الإستراتيجى فى معادلة الطاقة العالمية، كانت قد دخلت عصرها النفطى منذ ثلاثينيات القرن الماضى.
وتحديدًا فى عام 1936، عندما حصلت شركة نفط العراق على حق التنقيب لمدة عامين فى إمارة أبوظبى. وتكللت تلك الجهود باكتشاف النفط لأول مرة فى الإمارة عام 1958، سواء برًا فى بئر «باب 2»، أو بحرًا فى «أم الشيف».
أمّا إمارة دبى فقد شهدت اكتشاف النفط لأول مرة فى المنطقة البحرية عام 1966 عبر حقل الفاتح، الواقع على بُعد 60 ميلًا من شواطئ الإمارة.
ومنذ تلك البدايات التاريخية، واصلت البلاد تعزيز إنتاجها من الخام، وشهدت فى آخر 5 سنوات التطورات الآتية:
2021: 2.73 مليون برميل يوميًا.
2022: 3.07 مليون برميل يوميًا.
2023: 2.95 مليون برميل يوميًا.
2024: 2.95 مليون برميل يوميًا.
2025: 3.14 مليون برميل يوميًا.
قيود الإنتاج وطموح ادنوك
وعلاوة على قيود الحصص الأساسية، كانت الإمارات منخرطة مع 8 دول أعضاء بالتحالف فى تخفيضات طوعية قبل أن تتقرر عودتها إلى السوق مرة أخرى، وجاءت كالآتى:
تخفيضات 2.2 مليون برميل يوميًا: بدأت إعادة هذه الكمية تدريجيًا إلى السوق فى أبريل2025، واكتملت فى سبتمبر 2025.
تخفيضات 1.65 مليون برميل يوميًا: شهدت هذه التخفيضات تحولات مرنة فى خطة إعادتها؛ فبعد بدء الزيادات التدريجية بمعدل 137 ألف برميل يوميًا فى أكتوبر 2025، تقرَّر تعليق هذه الخطة مؤقتًا خلال الربع الأول من عام 2026.
ومن ثم تقرر عودة استئناف زيادة الإنتاج بدءًا من أبريل بوتيرة أسرع، تبلغ 206 آلاف برميل يوميًا، وهو القرار نفسه لشهر مايو المقبل، لكن تداعيات الحرب على إيران تقيّد قدرة رفع الإنتاج.
وأمام هذه التخفيضات، نجحت البلاد مؤخرًا فى تعزيز استثماراتها لزيادة طاقتها الإنتاجية من 3 ملايين برميل يوميًا إلى 4.85 مليون برميل يوميًا.
على صعيد إنتاج الإمارات من النفط، تسابق شركة بترول أبوظبى الوطنية «أدنوك» الزمن لرفع طاقتها الإنتاجية إلى 5 ملايين برميل يوميًا بحلول عام 2027، مبكرةً بذلك موعدها المستهدف الذى كان مقررًا فى 2030؛ وهو الطموح الذى قد يمثّل سببًا رئيسًا فى حسم قرار انسحاب الإمارات من أوبك.
كما يأتى القرار فى وقت تضرر فيه الإنتاج الخليجى بوضوح جراء الحرب على إيران وتداعياتها، وبمجرد استعادة مسارات التصدير الطبيعية، ستبرز حاجة فورية أمام الشركات لزيادة وتيرة الإنتاج والصادرات لتلبية الطلب العالمى وتعويض انقطاع الإمدادات الأخير، وهو ما عزّز رغبة أبوظبى فى التحرك بحرية لتلبية هذه الاحتياجات المرتقبة.
ويتزامن انسحاب الإمارات من أوبك مع ضغوط غير واضحة المعالم تشهدها سوق الطاقة العالمية حتى اللحظة بسبب حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز، ورغم تمديد الهدنة لا تزال المفاوضات الأمريكية-الإيرانية متعثرة.
انسحاب 4 دول من أوبك
منذ تأسيس منظمة أوبك عام 1960 فى بغداد بمشاركة 5 أعضاء مؤسسين، توسعت تدريجيًا لتصل إلى 16 دولة، فى محاولة لتوحيد سياسات الإنتاج والدفاع عن مصالح الدول المنتجة.
غير أن حلقات الانسحاب والتعليق وإعادة الانضمام بدأت تُعيد صياغة هيكل المنظمة، ليصل عدد أعضائها إلى 11 دولة، بداية من 1 مايو المقبل مع دخول قرار الإمارات الانسحاب من أوبك حيز التنفيذ.
بلغ عدد الدول المنسحبة من أوبك على مدار تاريخها 5 دول وهي: الإكوادور وإندونيسيا وقطر وأنجولا، وأحدثها الإمارات، فى حين اختارت دول أخرى العودة لاحقًا إلى المنظمة -بعد انسحابها- مثل الجابون
سبقت الإمارات دولة أنجولا التى أعلنت انسحابها من المنظمة فى 21 ديسمبر 2023، ليبدأ التنفيذ بداية من 2024، بعد عضوية استمرت منذ يناير2007. وجاء القرار بعدما رأت لواندا أن التزامها داخل المنظمة لم يعد يحقّق مكاسب تتناسب مع طموحاتها الإنتاجية.
ووفقًا لأحدث البيانات، تمثّل أنجولا ثالث أكبر منتج للنفط فى أفريقيا بعد نيجيريا وليبيا؛ إذ بلغ الإنتاج فى 2025 نحو 1.1 مليون برميل يوميًا، لكنه يبقى دون مستوياته البالغة 1.7 مليون برميل يوميًا قبل أقل من عقد.
ومع انسحابها من المنظمة، لم يحقق القطاع الانتعاش المتوقع، رغم نجاح الحكومة فى جذب استثمارات من شركات عالمية أبرزها شل وشيفرون.
فى 3 ديسمبر 2018، أعلنت دولة قطر انسحابها من منظمة أوبك، لتنتهى بذلك عضوية استمرت نحو 57 عامًا، منذ انضمامها عام 1961.
واستند قرار الدوحة إلى اعتبارات فنية وإستراتيجية تتعلّق بإعادة توجيه سياستها نحو قطاع الغاز المسال، حيث تُعد ثانى أكبر المنتجين عالميًا بعد الولايات المتحدة.







