السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

التجربة الإدواردية VS التجربة الدنماركية

«كتالوج» الأهلى هل ينجح فى الزمالك؟

فى الوقت الذى اتجهت فيه أندية عديدة إلى الحلول السريعة، والصفقات الجماهيرية، والرهان على الأسماء اللامعة مهما بلغت تكلفتها، اختار نادى الزمالك، طريقًا مختلفًا تمامًا، أعاد من خلاله تشكيل هويته الفنية والإدارية، وبنى مشروعًا قائمًا على الاستدامة والانضباط، لا على ردود الأفعال أو الانتصارات المؤقتة.



 

وبعيدا عن نتائج القمة بين الأهلى والزمالك وحسابات ترتيب بطل الدورى، فإن تجربة جون إدوارد داخل الزمالك لم تكن مجرد مرحلة انتقالية، بل تحولت تدريجيًا إلى نموذج إدارى وفنى أعاد تعريف طريقة تكوين الفريق، وآليات اختيار اللاعبين، وحدود الإنفاق، ومعايير الاستمرار داخل غرفة الملابس.

الأهم أن المشروع لم يعتمد على شراء النجوم، بقدر ما اعتمد على صناعة فريق متوازن، قادر على المنافسة والاستمرار، وهو ما انعكس بصورة واضحة على نتائج الفريق، واستعادة الزمالك لصدارة المشهد المحلى، متفوقًا على منافسين يمتلكون قدرات مالية أكبر، وأسماء أكثر بريقًا.

منذ البداية، تعامل جون إدوارد مع ملف كرة القدم داخل الزمالك باعتباره مشروعًا طويل المدى، لا مجرد محاولة لإخماد الأزمات المتراكمة. الإدارة الجديدة أدركت أن المشكلة لم تكن مرتبطة فقط بنتائج الفريق داخل الملعب، بل بمنظومة كاملة فقدت توازنها خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى الرواتب، أو أعمار اللاعبين، أو التوازن النفسى داخل غرفة الملابس، أو حتى آليات التعاقد ذاتها.

لذلك، جاءت الخطوة الأولى بإعادة صياغة فلسفة التكوين بالكامل، عبر وضع مجموعة من المعايير الواضحة، فى مقدمتها تخفيض متوسط الأعمار، واختيار لاعبين يمتلكون دوافع التطور، وتقليل التفاوت المالى داخل الفريق، والتعاقد وفق الاحتياج الفنى الحقيقى، إلى جانب خلق حالة من العدالة والانضباط داخل غرفة الملابس.

واحدة من أبرز ملامح التجربة كانت الجرأة فى اتخاذ قرارات شديدة الحساسية جماهيريًا. فقد عكس قرار عدم استمرار أسطورة بحجم شيكابالا، رغم قيمته التاريخية والجماهيرية، أن المشروع الجديد لا يخضع للعاطفة بقدر ما يخضع لمعايير فنية وإدارية دقيقة.

القرار لم يكن تقليلًا من قيمة قائد تاريخى صنع لحظات استثنائية فى تاريخ النادى، لكنه جاء انطلاقًا من رؤية تعتبر أن بناء فريق جديد يتطلب إعادة ترتيب الأولويات، ومنح المساحات لعناصر قادرة على العطاء البدنى والفنى لسنوات قادمة.

الأمر نفسه تكرر فى ملف طارق حامد، بعدما رفضت الإدارة الاستجابة للضغوط المطالبة بعودته، رغم الشعبية الكبيرة التى يتمتع بها. فقد تمسكت الإدارة برؤية تقوم على ضرورة خفض المعدل العمرى للفريق، خاصة فى منطقة وسط الملعب، إلى جانب القناعة بأن وجود عبد الله السعيد، يجعل إضافة عنصر آخر متقدم فى العمر مخاطرة فنية وبدنية لا تتناسب مع طبيعة المشروع الجديد.

ربما كانت الخطوة الأكثر جرأة فى تجربة جون إدوارد هى الموافقة على بيع نبيل عماد دونجا إلى النجمة السعودى، إلى جانب انتقال ناصر ماهر، إلى بيراميدز، رغم نجومية كلا اللاعبين الطاغية.

ورغم القيمة الفنية الكبيرة للاعبين، فإن الإدارة تعاملت مع الملف بمنطق اقتصادى احترافى، يقوم على أن استقرار غرفة الملابس أهم من الاحتفاظ بأى اسم، وأن انتظام صرف المستحقات المالية يمثل حجر الأساس لأى نجاح فني.

فى تلك المرحلة، كان الزمالك يواجه ضغوطًا مالية حقيقية، وتأخر المستحقات كان يهدد بخلق حالة من التوتر والانقسام داخل الفريق، لذلك فضّلت الإدارة التضحية ببعض العناصر المؤثرة مقابل توفير سيولة مالية عاجلة، تسمح بسداد الالتزامات المتأخرة، وإعادة الانضباط المالى للنادي.

هذه الخطوة انعكست بصورة مباشرة على الحالة النفسية للاعبين، بعدما استعادت غرفة الملابس قدرًا كبيرًا من الاستقرار، وهو ما ظهر بوضوح فى الأداء الجماعى، والانضباط التكتيكى، وقدرة الفريق على التعامل مع الضغوط خلال الموسم.

وفى الوقت الذى تحولت فيه بعض الصفقات الأجنبية داخل الكرة المصرية إلى رهانات دعائية أكثر منها فنية، تبنى الزمالك فلسفة مختلفة فى اختيار محترفيه الأجانب. الإدارة الجديدة اعتمدت على مجموعة من المعايير الدقيقة، أبرزها القدرة البدنية، ومعدل المشاركة، والقابلية للتطور، والانضباط السلوكى، وإمكانية تحقيق عائد مستقبلى من إعادة البيع.

وبالتالى، لم يعد اللاعب الأجنبى مجرد اسم جماهيرى، بل عنصر يدخل ضمن مشروع رياضى واقتصادى متكامل، يحقق الإضافة الفنية دون أن يتحول إلى عبء مالى أو عنصر اضطراب داخل غرفة الملابس.

المفارقة الأبرز فى تجربة جون إدوارد، أن نجاحه مع الزمالك جاء عبر تطبيق المبادئ نفسها التى صنعت هيمنة الأهلى تاريخيًا. فعلى مدار سنوات طويلة، اعتمد الأهلى فى فترات تفوقه الكبرى على مجموعة من القواعد الواضحة، أبرزها العدالة داخل غرفة الملابس، والانضباط الإدارى، وسقف الرواتب المنطقى، واختيار اللاعب الجائع للنجاح، وعدم تقديس الأسماء مهما كانت قيمتها.

هذه المبادئ نفسها أعاد جون إدوارد تطبيقها داخل الزمالك، لذلك شعر اللاعبون بوجود عدالة حقيقية، واختفت فكرة “اللاعب المحصن”، وأصبح معيار المشاركة قائمًا على الالتزام والعطاء، لا على التاريخ أو الشعبية.

فى المقابل، بدا الأهلى وكأنه يتحرك فى الاتجاه المعاكس تمامًا. فبعد تجربة روبيرو، وما صاحبها من إخفاقات بدأت بكأس العالم للأندية، ثم السقوط أمام بيراميدز بهدفين دون رد، دخل الفريق فى حالة ارتباك فنى وإدارى واضحة.

ثم جاءت المرحلة المؤقتة بقيادة عماد النحاس، والتى حقق خلالها الفريق نتائج جيدة نسبيًا، بالفوز فى أربع مباريات من أصل خمس، من بينها مواجهة الزمالك، مقابل تعادل وحيد.

لكن التوجه نحو المدرسة الدنماركية عبر ييس توروب فتح أبواب أزمة جديدة، بعدما تراجعت النتائج بصورة ملحوظة. فقد خرج الأهلى مبكرًا من كأس مصر أمام الاتصالات، أحد أندية دورى المحترفين، كما ودع كأس عاصمة مصر من الدور الأول، قبل أن يتلقى ضربة قارية بالخروج أمام الترجى التونسى، ذهابًا وإيابًا فى ربع نهائى دورى أبطال أفريقيا، وهى سابقة لم تحدث فى تاريخ مواجهات الفريقين.

ولم تتوقف التعثرات عند هذا الحد، بل واصل الفريق نزيف النقاط محليًا، بالخسارة أمام بيراميدز، والتعادل مع سيراميكا كليوباترا، وسط تراجع واضح فى الشخصية الفنية والقدرة على فرض السيطرة.

لكن الأزمة الأهم داخل الأهلى لم تكن فنية فقط، بل مالية ونفسية أيضًا. فقد اتجه النادى خلال الفترة الأخيرة إلى سياسة تقوم على الصفقات الضخمة، والرواتب الاستثنائية، دون وجود توازن حقيقى داخل غرفة الملابس.

ومع مرور الوقت، ظهرت الفجوة بوضوح؛ لاعب يتقاضى أضعاف زميله، رغم تشابه الأدوار الفنية أو اللعب فى المركز نفسه. وفى بعض الحالات، وصل الفارق إلى ستة أضعاف كاملة، وهو ما خلق حالة من الاحتقان الداخلى، وأدى إلى تراجع الشعور بالمساواة بين اللاعبين.

هذه الفجوة لم تؤثر فقط على الاستقرار النفسى، لكنها أضعفت أيضًا الروح الجماعية التى كانت تمثل السلاح الأهم للأهلى عبر تاريخه، ليتحول الفريق تدريجيًا من منظومة جماعية متماسكة إلى مجموعة أفراد، لكل منهم حساباته الخاصة.

فى المقابل، امتلك الزمالك ما فقده الأهلي: وضوح الرؤية، والانضباط المالى، والشجاعة فى اتخاذ القرار، وتقديم مصلحة المشروع على جماهيرية الأسماء. الزمالك لم يكن الأكثر إنفاقًا، ولم يمتلك القائمة الأعلى قيمة، لكنه كان الأكثر توازنًا، والأكثر قدرة على إدارة موارده البشرية والمالية بعقلية احترافية.

وفى النهاية، أثبتت التجربة أن كرة القدم الحديثة لا تُحسم فقط بالأسماء الكبيرة، بل بالمنظومات القادرة على تحقيق العدالة والانضباط والاستقرار. ولهذا، جلس الزمالك على قمة الدورى، متفوقًا على الأهلى بكل نجومه، وعلى بيراميدز بكل قوته المالية، لأنه ببساطة امتلك مشروعًا أكثر اتزانًا، وأكثر فهمًا لمعنى بناء فريق يعيش طويلًا، لا فريق يلمع سريعًا ثم ينهار