من معركة استرداد الأرض إلى حكم طابا
سيناء أرض «الانتصارات»
محمد الجزار
تحتفل مصر بمرور 44 عامًا على تحرير سيناء؛ كتتويج لواحدة من أطول معارك استرداد الأرض فى التاريخ الحديث، بدأت عقب حرب 1967، حين خاضت مصر حرب الاستنزاف لكسر تفوُّق الاحتلال، وحققت فى حرب أكتوبر 1973 تحولاً استراتيجيًا أعاد التوازن؛ وفتح باب مسار سياسى ودبلوماسى طويل.
هذا المسار لم يتوقف عند اتفاقية السلام عام 1979؛ بل امتد إلى معركة قانونية حاسمة، تمسكت خلالها مصر بحقها فى طابا، لتنجح عبر التحكيم الدولى فى استعادتها، ورفع العَلم المصرى عليها عام 1989، معلنة اكتمال استرداد سيناء.
وجسدت مَلحمة تحرير سيناء نموذجًا فريدًا لمعركة متكاملة، توحدت فيها أدوات القوة العسكرية والدبلوماسية والقانونية لاستعادة الأرض كاملة.
اللواء سمير فرج: يوم العزة
ويقول اللواء الدكتور سمير فرج الخبير العسكرى: إن عيد تحرير سيناء، من أفضل أعياد مصر، يوم استكمال تحرير آخر شبر من أرضنا الغالية، ويوم 25 أبريل من كل عام يُعتبر يومًا نفتخر به لأنه يُذكرنا بالعزة واسترداد أرضنا الغالية عقب هزيمة حرب يونيو 1967؛ التى احتلت إسرائيل فيها شبه جزيرة سيناء، كما احتلت هضبة الجولان من سوريا، والضفة الغربية من الأردن.
والآن، وبعد كل هذه السنوات نجد أن مصر أعادت سيناء كاملة فى ملحمة عظيمة، بينما لا تزال الجولان والضفة الغربية فى يد إسرائيل.
وأكد «فرج» على أنه من هنا تظهر أهمية يوم 25 إبريل؛ لأن مصر هى الدولة الوحيدة التى استعادت أراضيها بالكامل.. وهنا يُطرَح سؤال مهم: ماذا لو لم نتخذ قرار حرب 1973؟
وتابع قائلاً: «الإجابة واضحة؛ لكانت سيناء ما زالت فى يد الإسرائيليين، كما هو الحال فى الجولان السورية والضفة الغربية، ولم نكن لنعيد فتح قناة السويس، التى تمثل مَصدرًا مُهمًا من مصادر الدخل القومى المصرى، ولم تكن مدن شرم الشيخ وطابا ودهب قد عادت إلينا، لتظل فى يد الإسرائيليين ينعمون بخيراتها ويحققون من ورائها عوائد مالية كبيرة، وكذلك حقول البترول فى البحر الأحمر وسيناء».
وأوضح اللواء سمير فرج، أن استرداد طابا عام 1989، هو اكتمال لمعركة الكرامة للشعب المصرى وقواته المسلحة، الذين لا يقبلون التفريط فى أى شبر من أراضيهم.
وأتذكر قصة يرويها الدكتور مفيد شهاب- رحمه الله-، أنه قبل صدور الحكم فى قضية طابا بِعِدّة أيام طلب الرئيس الأسبق حسنى مبارك اجتماعًا عاجلاً مع مجلس الأمن القومى، واستدعى الدكتور مفيد شهاب؛ وأخبرهم أن السفير الأمريكى أبلغه أن الحكم قد يصدر لصالح إسرائيل، وقدّم عرضًا بأن تسحب مصر القضية من المحكمة الدولية؛ مقابل اتفاق تضمنه أمريكا بأن تصبح طابا منطقة مشتركة بين مصر وإسرائيل.
وبَعد الاجتماع همس الدكتور أسامة الباز، مستشار الرئيس مبارك، فى أذُن مفيد شهاب قائلاً: «الرئيس عايزك»، دخل شهاب إلى الرئيس مبارك الذى كان يفرد خريطة كبيرة على الأرض، ثم بدأ يسأله عن كل تفصيلة فى القضية وعن المصطلحات القانونية.
وسأله الرئيس مبارك: «أنت مطمئن؟»، فأجابه شهاب «كل الأوراق والمستندات فى صالحنا»، فسأله الرئيس «بنسبة كام؟»، فأجابه مفيد شهاب «بنسبة 90% يا فندم، لكن المحكمة قد تحكم بأى حكم رغم الأوراق المقدمة»؛ ومن يوم صدور حكم المحكمة الدولية لصالحنا، أصبح يوم 25 أبريل عيد فخر وعزة لمصر، ورمزًا لصلابة مصر شعبًا وجيشًا، وإصرارهم على استعادة الأرض المصرية بعد غياب خمسة عشر عامًا.
شهادات على النصر
يروى العقيد حلمى زكى، أحد أبطال حرب أكتوبر والمشاركين فى استلام أرض سيناء، تفاصيل تلك المرحلة الفاصلة فى تاريخ الوطن، قائلاً: «إنه عقب هزيمة يونيو 1967، بدأت القوات المسلحة المصرية خطة استراتيجية شاملة ارتكزت على أربعة مَحاور رئيسة تضمنت رفع الروح المعنوية للشعب والجيش، وبناء القوات المسلحة، التجهيز لحرب 1973، بدء حرب استنزاف للعدو.
وأشار «زكى»، إلى أنّ مصر خلال حرب الاستنزاف واجهت تحديًا كبيرًا مثل إعادة بناء منظومة الدفاع الجوى من جديد؛ لأن أى النصر فى الحرب لن يتحقق من دون تأمين السماء المصرية.
ومن هنا؛ جاء القبول بمبادرة أمريكا عام 1970؛ بوقف إطلاق النار، واستغلت مصر هذه الفترة ببراعة لإتمام بناء حائط الصواريخ، الذى كان له دور حاسم فى معركة العبور لاحقًا.
ويضيف العقيد حلمى زكى؛ إن الرئيس الراحل محمد أنور السادات اتخذ خطوة تاريخية عندما أعلن استعداده للذهاب إلى أبعد مدى لتحقيق السلام، لتبدأ بَعدها مرحلة جديدة من العمل السياسى والدبلوماسى، تُوّجت الجهود السياسية بتوقيع معاهدة السلام عام 1979 فى الولايات المتحدة، والتى نصت على انسحاب إسرائيل تدريجيًا من سيناء، وبالفعل بدأت مراحل الانسحاب، حتى لم يتبقَ سوى نقاط محدودة، أبرزها طابا وجبل الطور.
وحاولت إسرائيل التمسك بطابا عبر حجج واهية ومحاولات تزوير، فى سيناريو مشابه لما حدث فى أم الرشراش «إيلات»، إلاّ أن الفريق المصرى بقيادة الدكتور مفيد شهاب، خاض معركة قانونية شرسة، انتهت بحكم دولى يؤكد أحقية مصر بطابا.
وأوضح «زكى»، أن لحظة استلام الأرض، تم اختيارى ضمن مجموعة مكونة من 15 ضابطًا وصف وجنديًا؛ للتوجه إلى جبل الطور لاستلام آخر قطعة من أرض سيناء.
واستطرد قائلاً: «إن يوم استلام أرضنا، هو أجمل لحظات حياتى، فقد تحرَّكنا من مطار ألماظة إلى منطقة الطور، وكان فى استقبالنا الجانب الإسرائيلى.. وكانت التعليمات واضحة بعدم التطرق لأى حديث يتعلق بالحرب؛ لضمان إتمام عملية التسليم، وعندما رأيت العَلم الإسرائيلى يرفرف؛ شعرت بألم شديد لا يمكن وصفه، لكنها كانت لحظة مؤقتة، كنت على يقين أن هذا العَلم سينزل، وأن العَلم المصرى سيُرفع مكانه».
ولكن فى النهاية رُفع العلم المصرى، على آخر شبر من أرض سيناء، فى لحظة تاريخية جسدت انتصار الإرادة المصرية.
وأكد العقيد حلمى زكى، على أن تحرير سيناء لم يكن نتيجة عمل عسكرى فقط؛ بل جاء نتاج تكامل بين قوة الجيش المصرى وصمود الشعب وبراعة القيادة السياسية واحترافية الدبلوماسية.
وتبقى سيناء شاهدةً على تضحيات المصريين، وعلى قدرة هذا الشعب فى استرداد أرضه وبناء مستقبله، ومع جهود التنمية فى سيناء اليوم تتجدّد معانى النصر، ليس فقط بتحرير الأرض؛ بل بتعميرها وحمايتها للأجيال القادمة.
اللواء محيى نوح:خضنا معارك قاسية للتحرير
ويضيف اللواء محيى نوح أحد أبطال حرب أكتوبر؛ إننى تخرجتُ فى الكلية الحربية عام 1963، وتم إلحاقى بالصاعقة وحققت المركز الأول بامتياز، لأعمل بَعدها مُدرسًا بمَدرسة الصاعقة، ومع بداية تشكيل كتيبة الصاعقة 103 للمشاركة فى حرب اليمن، كنت من بين عناصرها، وخضنا هناك معارك قاسية فى الجبال والسهول والمناطق الوعرة، ونفذنا عمليات عديدة أكسبتنى خبرات قتالية كبيرة.
وعقب عودتى لمصر، انضممت لاحقًا إلى فرع العمليات الخاصة والمجموعة 39 قتال بقيادة المقدم إبراهيم الرفاعى، ونفذنا معًا 92 عملية نوعية، داخل العمق الإسرائيلى، بالإضافة إلى ضرب مواقع خط بارليف.
ومن أبرز هذه العمليات، الهجوم على موقع لسان التمساح انتقامًا لاستشهاد الفريق عبدالمنعم رياض؛ حيث كنت قائد مجموعة الاقتحام، كما شاركت فى عمليات جنوب سيناء، منها تدمير مطار الطور فى مايو 1972 قبل زيارة جولدا مائير، وضرب مواقع البترول فى بلاعيم وأبو رديس.
وخلال حرب أكتوبر 1973، شاركت فى قصف مواقع العدو برأس محمد يوم 6 أكتوبر، ومع تطورات معركة الثغرة، توجهنا إلى الإسماعيلية لمواجهة القوات التى عبرت إلى الضفة الغربية. واستشهد القائد إبراهيم الرفاعى يوم 19 أكتوبر، فتوليت القيادة من بَعده، وواصلنا القتال للدفاع عن جبل مريم بالتعاون مع قوات المظلات حتى وقف إطلاق النار فى 22 أكتوبر، كما ساهمنا فى التصدى لمحاولات العدو احتلال السويس، والتى فشلت أمام صمود القوات المصرية.
وبعد الحرب، بدأت مرحلة المفاوضات من الكيلو 101، ثم اتفاقيات فك الاشتباك، وصولاً إلى معاهدة السلام، واستعادة سيناء على مراحل، حتى تم رفع العَلم المصرى عليها فى 25 أبريل 1982، ثم استعادة طابا عبر التحكيم الدولى عام 1989.
القوات المسلحة تهنئ الرئيس «السيسي» بمناسبة الذكرى 44 لتحرير سيناء
بعث الفريق أشرف سالم زاهر القائـد العـام للقـوات المسلحـة؛ ووزيـر الدفـاع والإنتـاج الحربـى؛ ببرقيـة تهنئـة للرئيـس عبد الفتاح السيسي؛ القائـد الأعلـى للقـوات المسلحـة؛ بمناسبـة الذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء؛ وجاء نصها كالتالي: «يطيب لى أن أبعث إلى سيادتكم بأصدق آيات التهاني؛ بمناسبة الاحتفال بالذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء الغالية، داعيًا الله العلى القدير أن يعيدها على سيادتكم بموفور الصحة والعطاء وعلى مصر وشعبها العظيم بالعزة والكرامة والرفعة.
وإن ذكرى تحرير سيناء تمثل نموذجًا فريدًا فى تاريخ الكفاح الوطنى، حيث امتزجت فيها قوة السلاح ببراعة التفاوض، لتؤكد قدرة مصر على استرداد كامل ترابها الوطنى، فى إطار من الحكمة والعزيمة والإرادة الصلبة.
ورجال القوات المسلحة، يهنئون سيادتكم بهذه المناسبة يستحضرون بكل فخرٍ واعتزازٍ بطولات جيل أكتوبر العظيم؛ الذين ضربوا أروع الأمثلة فى التضحية والفداء؛ مقدمين أرواحهم الطاهرة دفاعًا عن تراب الوطن، لتبقى مصر عزيزةً آمنةً مستقرةً.
كما نجدد العهد؛ على أن تظل القوات المسلحة درعًا قويًا؛ وحصنًا منيعًا يحمى الوطن؛ ويصون مقدراته فى ظل قيادتكم الحكيمة؛ حفظكم الله ورعاكم وسدد على طريق الحق خطاكم».
كما بعث الفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة؛ ببرقية تهنئة مماثلة لرئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة بهذه المناسبة، هذا وقد أصدر الفريق أشرف سالم زاهر؛ القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع والإنتاج الحربى، توجيهًا لتهنئة القادة والضباط، وضباط الصف والصناع العسكريين والجنود والعاملين المدنيين؛ بالقوات المسلحة ووزارة الإنتاج الحربى، ورجال القوات المسلحة المشاركين بقوات حفظ السلام؛ بمناسبة الذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء.







