السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

سيناء.. التحرير الثانى فى عصر الجمهورية الجديدة

فى الخامس والعشرين من أبريل من كل عام، تتجدد فى الوجدان المصرى ذكرى واحدة من أعظم لحظات الكرامة الوطنية، حين استعادت مصر كامل ترابها الوطنى فى سيناء، بخروج آخر جندى إسرائيلى عام 1982، بعد سنوات من الصراع والتفاوض والعمل الدبلوماسى، لكن هذه الذكرى، فى عامها الـ 44، لم تعد مجرد استحضار لماضٍ مجيد، بل تحولت إلى قراءة عميقة لمسار جديد خاضته الدولة المصرية على الأرض ذاتها، مسار يمكن وصفه دون مبالغة بـ «التحرير الثاني».. تحرير من نوع مختلف، لم يكن من احتلال عسكرى تقليدى، بل من إرهاب حاول أن ينتزع سيناء من قلب الوطن.  



سيناء

على مدى سنوات ما بعد 2013، كانت سيناء فى قلب معركة وجود، استهدفت الدولة المصرية فى أحد أهم مفاصلها الاستراتيجية، لم تكن المواجهة مع جماعات مسلحة محدودة، بل مع تنظيمات مدعومة ومخططات معقدة، سعت لتحويل شبه الجزيرة إلى بؤرة للفوضى، ومنطلق لتهديد الأمن القومى المصري.

 ومع ذلك، لم تكتفِ الدولة بالمواجهة الأمنية، بل اختارت أن تخوض معركة مزدوجة؛ معركة السلاح، ومعركة البناء.

الجغرافيا التى لا تقبل الفراغ

لم تكن سيناء يومًا مجرد قطعة أرض، بل ظلت عبر التاريخ بوابة مصر الشرقية، ودرعها الأول فى مواجهة الغزاة، فمنذ فجر التاريخ، كانت هذه الأرض مسرحًا للمعارك، ونقطة عبور لكل من حاول الوصول إلى وادى النيل، هذه الطبيعة الاستراتيجية جعلتها دائمًا هدفًا، لكنها فى الوقت نفسه فرضت على الدولة المصرية أن تبقيها حاضرة بقوة فى معادلة الأمن القومي.

بعد أحداث 2013، حاولت الجماعات الإرهابية استغلال حالة الارتباك السياسى لتكريس وجودها فى سيناء، مستهدفة فصلها عن محيطها الوطنى، وبلغت هذه المحاولات ذروتها فى عام 2015، عندما شهدت المنطقة هجمات متزامنة على عدة كمائن، فى محاولة لإعلان كيان إرهابى مستقل، فى واحدة من أخطر اللحظات التى مرت بها سيناء فى تاريخها الحديث.

 سنوات النار

قبل سنوات قليلة، لم يكن المرور فى بعض مناطق شمال سيناء ممكنًا دون إجراءات أمنية معقدة، المسافة بين مطار العريش الدولى ومعبر رفح، والتى لا تتجاوز 45 كيلومترًا، كانت تُقطع تحت حماية مشددة، بمرافقة قوات تأمين وخبراء مفرقعات، فى ظل انتشار العبوات الناسفة والاستهدافات المباشرة.

كان المواطن المصرى يتابع بشكل شبه يومى بيانات القوات المسلحة التى تعلن عن إحباط هجمات أو تصفية عناصر إرهابية، كانت الحرب حقيقية، تدور على الأرض، وتستهدف الدولة بكل مؤسساتها.

أرقام التضحيات

لم يكن الطريق إلى إعلان «سيناء خالية من الإرهاب» سهلًا أو سريعًا، بل جاء نتيجة حرب طويلة استمرت نحو 90 شهرًا، تحملت خلالها الدولة المصرية تكلفة مباشرة تجاوزت 90 مليار جنيه، بمعدل يقارب مليار جنيه شهريًا.

لكن الكلفة الأكبر لم تكن مالية، بل بشرية، فقد قدمت القوات المسلحة والشرطة آلاف الشهداء، سقطوا دفاعًا عن الأرض، فيما لعب أبناء سيناء دورًا محوريًا فى المواجهة، باعتبارهم خط الدفاع الأول داخل مجتمعاتهم.

هذه التضحيات لم تكن مجرد أرقام، بل كانت الثمن الحقيقى لاستعادة السيطرة، وتفكيك بنية إرهابية معقدة، اعتمدت على شبكات تهريب، وأنفاق ممتدة، وعبوات ناسفة، وتكتيكات حرب العصابات.

 تفكيك البنية الإرهابية

نجحت الدولة المصرية فى القضاء على أخطر أدوات الجماعات الإرهابية، عبر تدمير آلاف الأنفاق على الحدود، التى كانت تمثل شريان الإمداد الرئيسى، وتفكيك شبكات العبوات الناسفة، والقضاء على البنية اللوجيستية للتنظيمات المسلحة، تطوير استراتيجيات المواجهة، خاصة فى التعامل مع حرب العصابات.

كما تم إنشاء قيادة قوات شرق القناة لمكافحة الإرهاب، التى مثلت تحولًا نوعيًا فى إدارة العمليات، إلى جانب تعزيز التواجد العسكرى بالتنسيق مع الجهات الدولية، بما يضمن فرض السيادة الكاملة على الأرض.

لحظة الحسم

حين أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي؛ أن سيناء أصبحت خالية من الإرهاب، لم يكن ذلك مجرد تصريح سياسى، بل تتويج لمسار طويل من العمليات العسكرية والتضحيات، وقد أكد الرئيس فى أكثر من مناسبة أن ما جرى فى سيناء «لا يقل عن حرب أكتوبر»، فى إشارة إلى حجم التحدى، وطبيعة المعركة التى خاضتها الدولة لاستعادة الاستقرار.

التنمية تحت صوت الرصاص

اللافت فى التجربة المصرية، أن معركة التنمية فى سيناء لم تنتظر نهاية المواجهة الأمنية، بل انطلقت بالتوازى معها، فبينما كانت العمليات العسكرية مستمرة، كانت الجرافات تعمل، والمشروعات تُنفذ، فى رسالة واضحة مفادها أن الدولة لا تكتفى بتأمين الأرض، بل تسعى لإحيائها.

وقد بلغت الاستثمارات الموجهة لتنمية سيناء ومدن القناة أكثر من 610 مليارات جنيه، وهى الأكبر فى تاريخ الإقليم، ما يعكس تحولًا جذريًا فى فلسفة التعامل مع هذه المنطقة.

 قفزة استثمارية

 شهدت سيناء ومدن القناة فى عصر الجمهورية الجديدة ومنذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى الحكم، طفرة كبيرة فى حجم الاستثمارات، حيث من 5.9 مليار جنيه فى 2013/2014 إلى 58.8 مليار جنيه فى 2023/2024، وتوفير 377 فرصة استثمارية، طرح 180 فرصة صناعية، وإنشاء 3 مراكز لخدمة المستثمرين تخدم أكثر من 7.5 ألف شركة.

وفى قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، تم تمويل 56.2 ألف مشروع بقيمة 2.4 مليار جنيه، وتوفير نحو 97.5 ألف فرصة عمل، كما ساهم برنامج «مشروعك» فى تمويل آلاف المشروعات، بقيمة تجاوزت 930 مليون جنيه، وفرت نحو 43.9 ألف فرصة عمل.

 إعادة رسم الخريطة

ولأول مرة، يتم كسر العزلة الجغرافية التى عانت منها سيناء لعقود، عبر شبكة نقل عملاقة حيث تم إنشاء 5 أنفاق جديدة أسفل قناة السويس (ليصبح الإجمالى 6 أنفاق)، وتنفيذ 5000 كيلومتر من الطرق، وإنشاء 7 كبارى عائمة، هذه المشروعات لم تُسهّل الحركة فقط، بل أعادت دمج سيناء فى الاقتصاد الوطنى، وربطتها بشكل فعلى بباقى الجمهورية.

وفى قطاع الطاقة تم زيادة أطوال شبكات الغاز بنسبة 217.8 %، وتوصيل الغاز إلى 645 ألف وحدة سكنية، وتوصيله إلى 4555 منشأة تجارية، وفى الكهرباء وصول عدد المشتركين إلى 1.5 مليون وتم إنشاء محطات كبرى بقدرات تصل إلى 1500 و1300 ميجاوات.

أما فى المياه، فتم إنشاء 49 محطة تحلية (مقابل 15 فقط فى 2014)، ورفع تغطية مياه الشرب إلى 94 %، ورفع الصرف الصحى من 17.3 % إلى 78 %.

 استعادة الأرض بالحياة

كما تم زيادة الأراضى المزروعة من 103 آلاف فدان إلى 285 ألف فدان، بمعدل نمو بنسبة 176.7 %، ومشروع تنمية يستهدف 1.1 مليون فدان، كما تم تنفيذ محطات معالجة عملاقة، منها بحر البقر بقدرة 5.6 مليون م³/يوم، والمحسمة بقدرة 1 مليون م³/يوم. وفى مجال الصناعة تم إنشاء مجمع الصناعات الصغيرة بجنوب الرسوة، ومصنع أسمنت العريش الذى رفع الإنتاج إلى 6.9 مليون طن سنويًا، ومجمع الرخام فى الجفجافة.

 مدن جديدة.. وحياة جديدة

وضمن رؤية إعادة توزيع السكان تم إنشاء المدن والوحدات السكنية الجديدة، حيث تم إنشاء 7 مدن جديدة لاستيعاب أكثر من 5 ملايين نسمة، وتنفيذ حوالى 50 ألف وحدة إسكان اجتماعى و55 ألف وحدة لتطوير العشوائيات، وأصبحت سيناء خالية من المناطق غير الآمنة.

 الإنسان فى قلب المعادلة

فى قطاع الصحة تم إنشاء وتطوير 58 مستشفى و171 وحدة صحية، وزيادة العلاج على نفقة الدولة لأكثر من 7 أضعاف وإدراج 2.4 مليون مواطن فى التأمين الصحى الشامل، أما على مستوى الاهتمام بالعملية التعليمية فقد تم إنشاء 3094 مدرسة، وإنشاء مدارس يابانية وتكنولوجية، والتوسع فى الجامعات الحكومية والأهلية.

 قناة السويس.. محرك التنمية

على مستوى إدارة قناة السويس فقد زادت الإيرادات من 5.5 مليار دولار (2014) إلى 10.3 مليار دولار (2023)، ووفرت المنطقة الاقتصادية 100 ألف فرصة عمل وتم إقامة 3035 منشاة صناعية وخدمية بها، واستثمارات تصل إلى 18 مليار دولار.

 فلسفة الدولة

إذا.. يمكننا التأكيد على أن الدولة تعاملت مع سيناء باعتبارها قضية أمن قومى شاملة، حيث لا يمكن فصل الأمن عن التنمية. فكل مشروع يُنفذ، وكل طريق يُمهد، هو جزء من استراتيجية تثبيت الاستقرار، ومنع عودة الفوضى.

وفى الذكرى الـ44 لتحرير سيناء، تتجسد أمامنا صورة مكتملة عناصرها هى تحرير أول أعاد الأرض، وتحرير ثانٍ اقتلع الإرهاب وبناء المستقبل، وسيناء اليوم لم تعد ساحة صراع، بل ساحة أمل، لم تعد هامشًا جغرافيًا، بل مركز استراتيجي للنمو والتنمية.

وبين دماء الشهداء، وأرقام التنمية، تكتب مصر فصلًا جديدًا من تاريخها، تؤكد فيه أن الحفاظ على الأرض لا يكتمل إلا ببنائها، إنها ليست مجرد ذكرى، بل شهادة حية على أن الوطن الذى يدفع ثمن حريته، يعرف كيف يصنع مستقبله.

 

 

 

مشروعات التنمية فى سيناء

 

 زيادة إجمالى الاستثمارات العامة نحو 10 أضعاف

افتتاح قناة السويس الجديدة فى 2015 وزيادة الإيرادات

 إنشاء 7 كبارى عائمة للعبور أعلى الممر الملاحى للقناة بتكلفة 990 مليون جنيه

 إنشاء 6 أنفاق أسفل القناة لربط سيناء بمدن القناة

 تطوير 8 موانئ بحرية كما تم إنشاء وتطوير 3 موانئ برية

 تنفيذ 55 مشروعًا لمياه الشرب

 إنشاء منظومة تعليمية متكاملة لأهالى سيناء

مشروع تنمية سيناء والذى تصل المساحة الإجمالية له 1.1 مليون فدان